تحت ظلال أزمة سياسية ـ اقتصادية متفاقمة، ثمة خريطة سياسية جديدة تتشكل في تركيا.. قوى مرشحة للتهميش، وقوى أخرى مؤهلة لاحتلال قلب المشهد، الذي يمثل نقطة، يمكن البدء من عندها في رسم ملامح المستقبل القريب.. ورغبة عارمة في تغيير قواعد اللعبة السياسية، تجمع أولئك الذين يقودون الاحزاب المؤهلة للصعود، ورجل الشارع ـ صاحب المصلحة الحقيقية ـ الذي لا يخفي سأمه من الاحزاب التقليدية، والوجوه التي شاخت، والقواعد البالية، والمراوحة بين التشرذم الحزبي والاستقطاب الايديولوجي، وقوى انتمائية طالت حيرتها وسط دوامات المناورات الساسية ودور المؤسسة العسكرية خلف الستار تارة، وفي مقدمة المشهد تارة أخرى، ثم هناك ـ أيضا ـ إستحقاقات اللحاق بأوروبا، ومطالبات حلف الناتو، ويغلف ذلك كله حنين مازال ينساب، جاذبا الكثير من الاتراك وارتباطات تاريخية تتقاطع مع القيم الاسلامية وعبق الشرق. على تلك الأرضية التي تفتقد لأي معنى من معاني الاستقرار، بفعل تشققات حزبية داخلية، وصراعات بين الأحزاب المتنافسة، وتجاذبات بين الاسلاميين والعلمانيين، يتطلع الشارع التركي الى طي صفحة بالية، وفتح اخرى جديدة، بعد مخاض طويل عانى الجميع، ولا يزالون، من آلامه. على أي حال، باتت (الانتخابات المبكرة) الدواء المر الذي يتفق الفرقاء على ضرورة تجرعه، وان كان موعدها محل خلاف وتخوفات، ترتبط بالحسابات الخاصة بكل حزب، والظروف الأنسب لاجرائها، غير ان اعلان اجاويد عن تأجيل الانتخابات الى ابريل 2003، بدلا من اجرائها في نوفمبر المقبل، ربما كان فرصة لبعض الاحزاب لتوفيق أوضاعها، وبقدر ماتفرزه الانتخابات من نتائج تمثل تجاوزا لعناصر الأزمة ـ أو العكس ـ يمكن ان تندفع تركيا باتجاه أفق أكثر رحابة، أو أن تقع في براثن حلقة جديدة من حلقات أزمتها المزمنة؟ تركيا ـ اذن ـ في مفترق طرق، وربما كان الأكثر قدرة على التأثير لحسم الاجابات المتعلقة بالمستقبل هو (الصوت الحائر) بين الرغبة في التجديد، والتغيير، والخوف من عدم الاستقرار، واستمرار التوترات على كل الأصعدة. وبعيدا عن المشاعر التي تتراوح بين التفاؤل والتشاؤم، فإن ثمة مؤشرات يمكن ان تساهم في رسم بعض ملامح المرحلة المقبلة في الحياة السياسية التركية. لاعبون جدد ان الأزمة المزمنة التي عانى الاتراك من اثارها المتراكمة ـ عبر ثمانية عقود ـ خاصة على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي، افقدت الشارع التركي الثقة باحزاب الائتلاف الحكومي ـ والاحزاب التقليدية بشكل عام حتى خارج التشكيلة الحكومية الحالية ـ وترتب على ذلك ـ طبقا للعديد من استطلاعات الرأى ـ صعوبة احراز أي من الأحزاب الثلاثة المؤتلفة تحت قيادة اجاويد لنسبة 10% التي تؤهلها لدخول البرلمان في الانتخابات المزمعة. بناء على هذا الاتجاه، فإن المزاج العام، والرغبة في التغيير تدفع لترجيح توقع تفضيل أغلب الناخبين لتجريب أحزاب اخرى، من خارج التشكيلة الحكومية والاحزاب التقليدية عموما، والبحث عن لاعبين جدد، الامر الذي يشجع ـ بالتالي ـ اصحاب الطموح في التغيير للمسارعة بتشكيل احزاب جديدة ـ في الأغلب كانشقاقات عن احزاب قائمة ـ لخوض غمار الانتخابات المبكرة. بالتوازي مع ذلك، فإن استطلاعات الرأي اظهرت ـ كذلك ـ صعود اسهم التيار الاسلامي المعتدل، كرد فعل مباشر لتفاقم الازمة الاقتصادية واثارها الاجتماعية الوخيمة من جانب، وكنوع من الاحتراز لمواجهة محتملة اذا استمر الرهان على التيار الاسلامي المتشدد، يؤكد صحة هذا الرصد، احراز حزب (العدالة والتنمية) الاسلامي المعتدل نحو 23% من الأصوات في استطلاع رأي أخير بشأن الانتخابات المرتقبة. في الوقت ذاته، كان من تداعيات الأزمة تعزيز نفوذ التيار القومي المتشدد، كرد فعل دفاعي، في مواجهة الضغوط الغربية (أميركية وأوروبية على السواء) وربما كان هذا الصعود أحد دوافع اسماعيل جم وزير الخارجية المستقيل للخروج من الحكومة، لاستشعاره ضرورة القفز من القارب قبل أن يوغل في بحار التشدد القومي. على ضوء تلك المؤشرات، يمكن توقع بعض ملامح الخريطة السياسية التي تتمخض عنها الانتخابات المبكرة، وربما تعكس بوادر تغيير في الثوابت التي استمرت طويلا في الحياة السياسية التركية. فريق الأحلام الملمح الأساسي طبقا للمعطيات الراهنة يتمثل في تشكيل حزب جديد بزعامة فريق الأحلام، الثلاثي: اسماعيل جم وزير الخارجية المستقيل، أوزكان نائب رئيس الوزراء المستقيل، كمال درويش وزير الاقتصاد ـ الذي لم ينتم لأي حزب حتى الآن، وان كان يعلن دائما انه ينتمي الى ـ اليسار الليبرالي) - وسوف يعتمد الحزب الجديد، بشكل أساسي، على معظم النواب الستين الذين انشقوا عن حزب أجاويد (اليسار الديموقراطي) وربما حاول قادته جذب المزيد من حزب أجاويد، المترنح، وان كانت ثمة انباء بدأت تتوارى عن اندلاع خلافات مبكرة بين انصاره! لاصرار (جم) على استمرار الحزب الجديد مصنفا في خانة (يسار الوسط)، لكن يبقى السؤال الأهم: هل باستطاعة فريق الاحلام، وحزبه (حديث التأسيس) ان يوقف زحف حزب (العدالة والتنمية)؟ الاجابة على هذا السؤال تأتي بمثابة الملمح الثاني للخريطة السياسية الجديدة، التي تتشكل الآن، اذ ان حزب (العدل والتنمية) يحاول تقديم صورة غير تقليدية للحزب الاسلامي الجامد ايديولوجيا، عبر تبني معادلة تتضمن الحداثة، والاعتدال، والمرونة، ويدلل قادته على ذلك بعدم رفضهم الانضمام للاتحاد الأوروبي، شرط ألا يتعارض ذلك مع التزامات الهوية الاسلامية لتركيا، ورفض تدخل صندوق النقد الدولي، ومعارضة المفهوم الأميركي للحرب ضد العراق انطلاقا من قواعد تركية، ويبدو أن احراز الحزب لقمة الهرم في استطلاعات الرأى الاخيرة مؤشر على اكتسابه مزيدا من التأييد في الانتخابات القادمة، ممايعني احتلال أكبر عدد من المقاعد البرلمانية، الأمر الذي يعني تكليف زعيمه بتشكيل الحكومة الجديدة طبقا للعرف السائد. أما الملمح الثالث للخريطة، فيمثل بحد ذاته مفارقة مثيرة، اذ أن التوقعات تشير الى احتمالات دخول أحزاب لم تحظ بنسبة الـ 10% في الانتخابات السابقة، وبالتالي الفوز بمقاعد في البرلمان الجديد، تؤهلها أما لدخول الائتلاف الحاكم، أو لعب دور مؤثر في صفوف المعارضة، يأتي ذلك مقابل توقعات تجزم بصعوبة عودة معظم الأحزاب ذات التمثيل في البرلمان القائم لاحتلال مقاعدها مرة اخرى، أو في أحسن الأحوال العودة للبرلمان ـ اذا عادت ـ بنسبة تمثيل أقل عما هو عليه حاليا، حال اجتيازها عقبة نسبة 10% التي يشترطها القانون. البديل الاسلامي تلك الملامح باحتمالات قوية تتعلق بدور مؤثر للتيار الاسلامي ـ بأطيافه ـ في تشكيل الخريطة السياسية الجديدة، خاصة اذا مانجح قادته في التوصل الى صيغة للتعاون فيما بين حزب (العدل والتنمية)، وحزب (السعادة) حال احراز الاخير نسبة الـ 10% في الانتخابات المبكرة، وهو الأمر الذي يؤكده زعماء حزب (السعادة) وانصاره، وحتى بعض المراقبين لتفاعلات الشأن التركي الواضح خلال المرحلة الاخيرة. مثل هذا السيناريو كان يمكن التعاطي معه ـ ببساطة ـ اذا كان يجري في دولة اخرى غير تركيا، لا ترزح تحت النفوذ القوى للمؤسسة العسكرية باتجاهها العلماني المتشدد، فضلا عن الضغوط الغربية التي تتحرك دوما باتجاه تقليص نفوذ الاسلاميين في تركيا، ولعل ماحدث في تجربة (اربكان) مازال ماثلا امام الابصار والعقول، بل وقابل للتكرار اذا مادعت (الضرورة) الى اتخاذ اجراءات مماثلة لتلك التي اتخذت بشأن حكومة (اربكان) في منتصف عام 1997. اذن ماالبديل؟ ثمة ضحية للاجابة على هذا السؤال من الآن، والا فإن الفوضى وعدم الاستقرار سوف يخيمان على الساحة التركية، حتى مع ميلاد خريطة سياسية جديدة، وربما بسببها(!!) وبالتالي فإن تركيا تكون بصدد المفاضلة بين خيارين: الأول قريب الشبه من السيناريو الجزائري عقب فوز الجبهة الاسلامية للانقاذ نهاية عام 1991، وقد يقود ذلك البلاد لدوامة عنف في مرحلة دقيقة وطنيا واقليميا ودوليا. أما الخيار الثاني فيتمثل في فرض حكومة تكنوقراطية يكون البند الاساسي على أجندتها (الاصلاح الاقتصادي) وفي هذه الحالة فان المعارضة البرلمانية سوف تنشط، الأمر الذي قد يدفع المؤسسة العسكرية للايعاز باجراء انتخابات تشريعية مرة اخرى وفي ظل قيود قانونية اكثر تشددا، أو تعليق البرلمان لفترة زمنية كبديل اخر قبل اللجوء لخيار الانقلاب العسكري المباشر، الأمر الذي يعني الاطاحة بآمال تركيا في اللحاق بقطار الاتحاد الأوروبي، ولو الى حين! إن أزمة يقترب عمرها.. من الثمانين عاما، لا يمكن أن تجد طريقا ممهدا للحل بين عشية وضحاها، لكن المهم ان يضع الاتراك أقدامهم على أول طريق الخروج من الأزمة بتحقيق شروط الاصلاح الشامل، عبر تغيير ثقافة النظام، باتجاه تبني نهج ديموقراطي، وبرنامج عمل متكامل لا يسقط الاجتماعي لحساب الاقتصادي، أو الثقافي لحساب السياسي، ويؤطر ذلك استراتيجية واقعية محددة المعالم، الا ان مكمن الخطورة هنا يتأتى من كون معظم الفاعلين على ساحة العمل السياسي غير مؤهلين للتصدى لهذه المهمة الصعبة والدقيقة، من ثم فإن تغيير الخريطة الحزبية عبر صناديق الاقتراع ان لم يسفر ـ فعليا ـ عن وجوه جديدة، تحمل فوق اعناقها عقولا تؤمن ـ حقا ـ بالتغيير وضرورة الاصلاح الشامل، فإنها لن تكون قادرة سوى على اعادة انتاج الأزمة، وان على نحو اخر! الصوت الحائر في الشارع التركي، هو القادر ـ فقط ـ على الحسم اذا كف عن حيرته، وبلور ارادته، ووسائل حماية تطلعاته المشروعة، في صورة خيارات واضحة لا تراهن الا على مستقبل افضل، وأفق أكثر رحابة. ـ كاتب مصري