كل عصر تصنعه كيمياء معقدة لا نستطيع أن نحللها، فهي لا تخضع مثل الكيمياء التقليدية للتحليل. العصر يتكون من مليارات الذرات كأنه الدنيا بأكملها. ولا نستطيع أن نعرف ماذا سيكون عصر محمد علي دون سليمان باشا الفرنساوي. وماذا سيكون عصر جمال عبدالناصر دون محمد حسنين هيكل. ولا عصر اسماعيل دون علي مبارك. لا نستطيع أن نفهم الستينيات دون ثلاثية نجيب محفوظ أو أغاني حليم. هذه أشياء تستعصي على العلم الذي وصل الى المعجزات لكنه توقف عند هذه النكهة المعقدة ولذلك يبدو سؤال «بيان الأربعاء» غريبا: كيف تكون الدنيا لو كان جمال عبدالناصر على قيد الحياة؟ وجمال عبدالناصر لا يمكن ان يكون على قيد الحياة لأن قدره أن يموت. ولانه كان يحمل في قلبه كل آلام الأمة، والقلوب تتوقف لأقل من ذلك بكثير. وأنا من الذين يدركون قيمة الخيال لكن أي خيال مبني على أسس. واجابة سؤال «بيان الأربعاء» تتطلب دراسات طويلة، ليتها قامت قبل الاحتفال بمرور خمسين عاما على الثورة. ولقد قامت دراسة علمية شارك فيها مجموعة كبيرة من العلماء عن تصور العالم في بداية القرن الحادي والعشرين، وكان ذلك قبل بدايته بنحو نصف قرن، فلماذا لا نفعل الشيء نفسه قبل مرور خمسة وسبعين عاما على الثورة هذا مشروع أنا لست موجودا فيه بالتأكيد لكنه صالح لبناء قاعدة تصور صحيحة نسبيا. على أي حال.. لا أتخيل أن الزمن سيكون أسوأ مما هو. فعبدالعناصر ملك من الفكر والقوة ماأعطى لعصره مذاقا. ولا أتخيل أيضا أن الزمن سيكون نفس الزمن هل كان عبدالناصر سيترك الصومال ممزقا بهذا الشكل؟ هل كان عبدالناصر سيقف مكتوف اليدين أمام ضرب العراق؟ هل كانت اسرائيل ستصبح القوة الأعظم في المنطقة وتعربد كما تعربد الآن دون أن تردعها قوة عربية ولو بوردة! نتفق جميعا حتى من تمتلئ حناجرهم بالقيح الاسود ان عبدالناصر لو كان يعيش الآن ماكنا بهذه المهانة، فلقد كنا في مهانة ما بعدها مهانة في 22 يوليو 1952 ولكنه هو الذي قال: أرفع رأسك ياأخي فلقد مضى عهد الاستعباد!. وهو الذي وقف امام بريطانيا وفرنسا في عز قوتهما، واسقط رئيس وزراء بريطانيا بعد عصور كان يسقط فيها اصبع أي موظف في السفارة البريطانية أي حاكم عربي! الأمور بالتأكيد لابد أن تكون أفضل، لكن كيف؟! وفي النهاية هذه محاولة للاجابة عن سؤال «بيان الأربعاء» ولو أعاد طرحه لقلت شيئا اخر. فالاجابة الصحيحة لا يمتلكها كائن على ظهر الأرض! 1 يوليو 2002 بدأت اليوم فعاليات الاحتفال بمرور خمسين عاما على انطلاقة ثورة يوليو. ولقد حضر حفل الافتتاح الزعيم جمال عبدالناصر وسط نحو خمسة ملايين مواطن ملأوا ميدان التحرير بعد تجديده. وكان الزعيم يجلس في صدر المنصة وعلى يساره يجلس الرئيس «...» وكما تعرفون تنازل الزعيم منذ سنوات عن الرئاسة واكتفى بدوره السياسي في الشارع المصري والعربي وجلس الى جوارهما الزعماء التاريخيون لثورة يوليو ومن بينهم زكريا محيى الدين النائب السابق للزعيم وحسين الشافعي النائب السابق للزعيم وأنور السادات النائب السابق أيضا للزعيم. وخالد محيى الدين رئيس حزب التجمع الذي حصل أخيرا على أغلبية قد تؤهله لتأليف الوزارة، وان كان الاتجاه العام ان يؤلفها احد الشباب. فمن المعروف انه منذ ربع قرن لم يتول رئاسة الوزراء شخص يزيد عمره على أربعين عاما. وجلس أيضا على المنصة الرئيسية سامي شرف وهو يعمل الآن كما تعرفون مبعوثا شخصيا للزعيم. أما محمد فايق فهو الآن كما تعرفون رئيس جمعية حقوق الإنسان وهذا أول لقاء له مع رجال الحكم بعد صدام شديد في الصيف الماضي حول حقوق الإنسان خرج منه منتصرا، ويقال ان الزعيم تدخل للدفاع عن وجهة نظر محمد فايق. ويتساءل الذين لا يعرفون ماحدث في الربع قرن الاخير عما حدث ولكن بعد حرب 1971 الذي انتصرت فيها مصر على اسرائيل وألقت بها خارج سيناء، وبعد محادثات السلام بين دول المواجهة والعدو الصهيوني، قرر الزعيم أن يتنازل عن مناصبه السياسية مكتفيا بالرئاسة الشرفية للاتحاد الاشتراكي ولقد توالى على الحكم منذ ذلك الحين ثلاثة من الرؤساء. وفي حديث تلفزيوني في العام الماضي قال الزعيم ان فكرة الاستقالة كانت تراوده دائما، وخاصة منذ يوم 9 يونيو 1967 ولما كان مستحيلا الا يلبي دعوة الشعب المصري والشعب العربي ليستمر في الرئاسة. فلقد عاد عن التنحي انتظارا لزوال آثار العدوان. فلما حدث الانتصار عادت الفكرة مرة اخرى، وانسحب الزعيم من السلطة وتسابق زملاؤه من الانسحاب فكان أنور السادات هو أول من زهد في السلطة، وكذلك حسين الشافعي وزكريا محيى الدين وغيرهم. ولكن مصر لم تنس دورهم، فهي تكرمهم في كل وقت. 2 يوليو 2002 قصدنا الى مدينة نصر لنحضر الاحتفال في الأوبرا. وتذكرنا انه كانت هناك فكرة لبناء الاوبرا في أرض المعارض ولكن الاستاذ احمد بهاء الدين هاجم الفكرة، وقال ان القاهرة لم تعد تحتمل عدوانا جديدا على البيئة وان حدائق المعرض هي اخر الرئات الكبرى للقاهرة. ولقد استجاب الزعيم جمال عبدالناصر للفكرة وكان مازال رئيسا للجمهورية، وقد امتنت ادارة المعرض لموقف الاستاذ احمد بهاء الدين، فأقامت له تمثالا في مدخل حديقة الحرية. المهم وصلنا الى دار الأوبرا التي تعتبر تحفة فنية، وكان هذا هو الاحتفال العربي أو على الأصح أحد الاحتفالات العربية بثورة يوليو. وبالطبع اقامته جامعة الدول العربية. ونحن نعرف النفوذ الهائل الذي تحظى به الجامعة. حقا مازالت أحلام الملايين في الوحدة الشاملة لم تتحقق، لكن التوافق حدث بنسبة كبيرة، جعلت من الجامعة العربية قوة كبيرة. ولقد ثار جدل منذ شهور حول التعامل في البروتوكول مع أمين عام الجامعة. ولقد انتهت المشاورات الى التعامل مع هذا المنصب على اعتبار ان يساوي رؤساء الدول ولذلك فعمرو موسى هو أول رئيس عربي لم يحكم أي بلد. ودارت في الكواليس همسات تقول ان الزعيم سيحضر الاجتماع، واستبعد أكثر الحاضرين هذا التوقع، فالزعيم حضر اجتماع الأمس وظل وسط الجماهير ثماني ساعات وهناك توجيه قديم من مجلس الشعب يطلب من الزعيم المحافظة على صحته ونحن نعرف ان الزعيم سنه الآن أربعة وثمانين عاما. وقال البعض ان الزعيم لم يلتفت ابدا الى هذا التوجيه، ولم يتخلف عن قضية مصرية ولا عن موقف عربي. واثناء الحديث دخل الزعيم منتصب القامة وكأنه في الأيام الخوالي عندما كان يخطب فيهز اركان العالم. ودوت القاعة بالتصفيق ووقف الملوك والامراء والرؤساء وقد برز بينهم أحدثهم، اذ ان انتخاب مروان البرغوثي رئيسا للجمهورية تم منذ بضعة شهور. ولقد اختار ياسر عرفات أيضا ان يكون زعيما تاريخيا ويترك السلطة للشباب. وفلسطين كما تعرفون الآن صارت دولة مستقلة. لكن الطريق أمامها طويل لكي تحقق أحلامها. فدول الغرب مازالت تساند اسرائيل. صحيح ان معظمها تراجع عن التسليم الكامل لاسرائيل بعد التضامن العربي في السنوات الاخيرة. لكن اسرائيل مازالت تعيش على المساعدات الغربية. والظروف السياسية في اسرائيل الآن كما هو معروف سيئة جدا، فبعد اغتيال شارون على يد صهيوني أشد تطرفا منه حكم شيمون بيريز وانتهت أيضا حياته تلك النهاية المؤلمة التي نخجل من ذكرها وبالطبع يعرفها الجميع وقال لي محمد عودة انه يرى ان اسرائيل تدخل في رحلة النهاية. وقد ذكر أحدهم اسم أوسلو فتساءلنا ما أوسلو هذه؟ فقال أحدهم انه تجري فيها مفاوضات سرية، لكننا لم نعرف بين من ومن! 3 يوليو 2002 احتفلت هيئة الكتاب برئاسة الدكتور سمير سرحان بصدور كتاب «جمال عبدالناصر.. الزعيم والزعامة.. للمؤرخ الكبير عبدالعظيم رمضان». 4 يوليو 2002 نشرت الصحف أن جورج بوش ارسل تهنئة الى الرئيس المصري بثورة 23 يوليو كما انه ارسل يطمئن على صحة الزعيم وهذا بروتوكول عادي بين الدول ولكن الكارثة في ان الصحف اخطأت في نشر اسم الرئيس الأميركي ليس هذا فحسب بل خرجت احدى الصحف الصفراء عن القواعد المرعية وشرف المهنة ونشرت صورة للرئيس الأميركي وهناك اتفاق عام بعدم نشر صورته حسب طلبه منذ 11 سبتمبر 2002 عندما دمرت الجماعات الارهابية الولايات المتحدة، وهيبتها ويخشى الرئيس الأميركي منذ ذلك الحين محاولة اغتياله. 7 يوليو 2002 هبط بالأمس في مطار القاهرة الرئيس فيدل كاسترو الذي حضر للمشاركة في احتفالات يوليو ولازاحة الستار عن النصب التذكاري لـ «ارنستو جيفارا». ولقد استقبله في المطار الرئيس «...» واتجها مباشرة الى بيت الزعيم في منشية البكري. والجميع يعرف الصداقة العميقة التي تجمع الزعيمين. 11 يوليو 2002 في اطار الاحتفالات بثورة يوليو ازيح الستار عن تمثال للفنان الراحل عبدالحليم حافظ. ازاح وزير الثقافة الستار لكن تفاجأ الموجودون بحضور الزعيم وعندئذ عزفت الفرقة الموسيقية بقيادة سليم سحاب: أحلف بسماها وبترابها.. قال الزعيم انه أراد الاحتفال بحليم لما له من علاقات عميقة مع ثورة يوليو. وبعد ذلك غنى بعض المطربين منهم رانيا عبدالفتاح وسامي حسين وعمرو دياب وكمال عبداللطيف وحمدي حسن. 12 يوليو 2002 ألح الزعيم برفع كلمة الناصرية من الأحزاب العربية. واقترح أن توصف بالعربية. 13 يوليو 2002 صدرت الموافقة على انشاء حزب «الكرامة» وهو من الأحزاب التي تنتهج مبادئ ثورة يوليو. وفي الوقت نفسه تقدم جهود جادة لمحاولة معرفة اسم رئيس حزب الاحرار. 14 يوليو 2002 اتصل الزعيم بالرئيس شيراك يطمئن على صحته بعد محاولة اغتياله. شيراك طمأن الرئيس انه لم يحدث شئ، وأنه لم يعرف بالخبر الا بعد انتهاء الاحتفال بذكرى الثورة الفرنسية 14 يوليو. قال الزعيم للرئيس ان الثورة الفرنسية كانت ملهمة للثورة المصرية وانها رائدة الثورات الكبرى في العالم. أثنى الرئيس على الثورة المصرية وقال انها تميزت بأنها ثورة بيضاء وانتهز هذه الفرصة ليقول ان أي مراقب منصف لابد أن يلحظ ان فرنسا التي أصبحت قوة كبرى في العالم استحدثت قوتها الهائلة الآن من عدة عناصر بينها الدعم العربي وخاصة دعم الزعيم وان فرنسا الآن تستطيع مع الصين وايران وروسيا ان تكبح جماح الولايات المتحدة. 15 يوليو 2002 حضرنا في مقر حزب الوفد الاحتفالية الكبرى بثورة يوليو. وقال الخطباء ان اللقاء لم يتم في البداية بين الوفد والثورة لعدة أسباب أقرب الى سوء الفهم. لكن الوفد ادرك بعد ذلك ان ثورة يوليو هي التعبير عن جماهير الشعب، وهو لا يمكن ان يكون ضد الجماهير، فالوفد كان دائما حزب الاغلبية. والثورة ايضا قررت أن تأخذ منه موقف الأغلبية لا سلوك قلة تأبى الوفاق الوطني. 17 يوليو 2002 عرض فيلم «ناصر 56» على شاشة القناة الأولى. ولقد عرفنا من مصدر موثوق به ان الزعيم شاهد الفيلم لأول مرة، وانه اثنى على بطله أحمد زكي وعلى مخرجه محمد فاضل. ولكن المصدر الموثوق به لم يقل شيئا عن مؤلفه. 19 يوليو 2002 صدرت الطبعة الثانية والسبعون من كتاب «هذا عمك ياجمال» لأنور السادات. 20 يوليو 2002 صدر بيان بأن الزعيم اتصل بملك المغرب يسانده في قضية جزيرة «ليلى» كما انه اتصل برئيس وزراء اسبانيا ينبهه بخطورة الاعتداء على ارض عربية. 21 يوليو 2002 زار الزعيم متحف أم كلثوم الكائن بفيلته في شارع أبوالفدا الذي اطلق عليه الآن شارع ام كلثوم. وتذكرنا جميعا ماكانت تقوله المصادر الغربية من أن أم كلثوم أحد أسلحة عبدالناصر السرية. ولقد تجول الزعيم في الفيلا وتوقف عند صورهما معا، وصور حفلاتها. واثنى على ماقدمته أم كلثوم لمصر وللعرب. ثم بعد ذلك استقبل ممثلي مسلسل «أم كلثوم» حسب طبعه. وتقدمت صابرين الممثلة رغم اعتزالها. وأحمد راتب وكمال أبورية وحسن حسني ورشوان توفيق وغيرهم. وكذلك المخرجة انعام محمد علي أما المؤلف فلم يحضر وقيل انه مصاب بنوبة برد صيفية. 22 يوليو 2002 في استاد القاهرة اقيم احتفال لم يسبق له نظير بمناسبة خمسين عاما على ثورة يوليو. حضر الاحتفال أكثر من مئتي ألف مدعو واحاط بالاستاد عشرة أضعاف هذا العدد. وحضر الزعيم وكذلك الرئيس وكل رجال الحكومة. ولقد شاركت مئة وخمسون دولة في الاحتفال. ولقد تيسر لي أن أقابل السفير التركي الذي صرخ غاضبا: من الذي قال ان هناك علاقات عسكرية مع اسرائيل؟! هذا اتهام غير منطقي. وكيف نترك الدول العربية بكل علاقاتنا التاريخية، ونرتبط بدولة على وشك السقوط. ثم تركني وسعى الى الرئيس مروان البرغوثي. واخذ يتكلم معه متحمسا لكنني لم أسمع ماقاله. وقال لي صديق هو صحفي روسي: روسيا تشارك بقوة في هذا الاحتفال. فنحن لا ننسى مواقفنا معا أيام الاتحاد السوفييتي. الحمدلله استعادت روسيا مكانتها بعد سلسلة الانهزاميين بدءا من جورباتشوف الى بوتين نحن الآن في زمن آخر. 23 يوليو 2002 كل عام وأنتم بخير.