ويقول أذكر مرة بعد أن طلبت منه تقديم مساعدة للعديد من المرضى العاجزين وقلت له عن أسمائهم وأمر بمعالجتهم على نفقة الجمهورية العربية المتحدة، انه سألني ازى صحة فلان ؟ وعندما بدا على وجهي الاستغراب استطرد قائلا: انت نسيت يا عدنان الراجل ده اللي بعتناه على روسيا مش انت قلت لي عليه مشلول وغلبان، وتذكرت فعلا وكنت خجلا من نفسي الى درجة انني لم أنس بعدها أي حادث أو أسم أذكره أمامه خوفا من أن يعود فيسألني عنه مرة أخرى. ويروي منصور فايز ـ طبيب عبد الناصر الخاص ـ انه كان شديد التأثير بالمواقف الانسانية وقد أصيب بالأزمة القلبية الأولى عقب المذبحة التي نفذها الاسرائيليون ضد خمسة من جنود خفر السواحل المتقدمة أعمارهم والمسلحين بالبنادق، وكان عبد الناصر يولي اهتماما شديدا لاحتياجات الشعب وقضاياه وقد كان دائم السؤال عن مدى توافر العلاج للقاعدة العريضة من الشعب وكان يطالب الوزراء والمسئولين دائما بتخفيض أسعار الدواء وبالفعل انخفضت أسعار المضادات الحيوية وظل سعر الدواء عموما في مصر متمشيا مع مستوى الدخل الفردي للغالبية العظمى من الناس. ويقول منصور فايز ذات مرة أخذنا منه عينة دم وأرسلناها الى المانيا لاجراء تحليل معين هناك ولما علم عبد الناصر بعدم امكان اجراء هذا التحليل لمرضى السكر في مصر قرر بناء معهد لعلاج المواطنين من مرضى السكر واجراء التحاليل والأبحاث الحديثة الخاصة بهذا المرض. والحكايات التي قيلت عن مواقف عبد الناصر الانسانية لا تنتهي ويكاد كل المقربين منه يؤكدون على هذا الأمر.. وفي هذا السياق فقد تحاورنا مع عدد ممن عايشوه عن قرب والذين أكدوا أن الانسانية تكاد تكون صفه لصيقة بعبد الناصر. ويقول سامي شرف ـ مدير مكتب الرئيس جمال عبد الناصر ـ ان انسانية جمال عبد الناصر كانت دائما ما تدفعه للانحياز للفقراء من أبناء الشعب فقد كان يشعر بهموم المجتمع، وكان منذ بداية الثورة تؤرقه قضية الطبقية ومجتمع النصف في المئة الذي كان يستحوذ على كل خيرات البلاد بينما الـ 99.5% الآخرين لا يجدون قوت يومهم أو يكادوا يعيشون تحت حافة الفقر ولذلك فقد كانت ثورة عبد الناصر هي ثورة انسانية في المقام الأول. ويتذكر سامي شرف بعضا من مواقف الرئيس جمال عبد الناصر الانسانية فيقول ذات مرة كان الرئيس في زيارة للصعيد وعندما توقف القطار الذي يستقله في احدى المحطات حتى يحيي الجماهير التي كانت في انتظاره تقدم أحد المواطنين البسطاء من الرئيس وقدم له لفافة تحتوي على قطعة جبن قديم ونصف رغيف خبز، وعندما تحرك القطار فتح الرئيس اللفافة ففهم الرسالة التي أراد المواطن توصيلها اليه وهي ضرورة الاهتمام بأحوال عمال التراحيل، ولذلك فعندما وصل جمال عبد الناصر الى محافظة أسوان وألقى خطبة قال فيها ان الرجل الذي قابلته في محطة بني سويف رسالته وصلت «وبناء عليه فقد أصدر قرارات بتنظيم العمالة المؤقتة ووضع حداً أدنى لأجورهم وتنظيمهم في نقابات مهنية تحمي حقوقهم». استغلال أيضا كان أحد رجال الأعمال الرأسماليين يمتلك شركة أتوبيس لنقل الركاب قد اتصل بوالد جمال عبد الناصر ليطلب منه العمل معه، فلما علم الرئيس بالأمر رفض وقال لوالده ان هذا الرجل يحاول أن يستغلك ويستغل اسمك في أعماله وهو ما أرفضه تماما، ولذلك فقد كان عبد الناصر يرفض أن يتهم بشبهة التربح من منصبه، وكان يرفض أيضا أن تشوب الثورة أية شائبة وكان قاسيا في هذا الأمر مع أهله قبل أي أحد آخر. وفي أحد اجتماعات مجلس الوزراء طلب من مدير مكتبه احضار أرغفة الخبز التي كنت قد جمعتها من عدة مخابز بالقاهرة وطلب مني وضعها على طاولة الاجتماعات وهنا وجه كلامه لوزير التموين كمال رمزي استينو وقال له «تقدر تأكل العيش ده فأجابه وزير التموين بالنفي وهنا قال له عبد الناصر سأعطيك مهلة 72 ساعة حتى يتحسن الخبز والا سيكون حسابي شديدا». غير ان حزم جمال عبد الناصر لم يكن يمنعه من التراجع عن موقفه اذا تبين خطأ هذا الموقف وهو ما حدث مع أحد وزراء الصحة حيث أدلى بتصريحات صحفية عن قضية أثيرت وقتها وأعتبر عبد الناصر أن هذا خطأ من الوزير ولكن عندما تحقق من الأمر وجد أن الوزير كان على حق فما كان من عبد الناصر الا وأن تراجع عن موقفه واعتذر للوزير في مجلس الوزراء وقال له «أنا متأسف انت كلامك صحيح»، وقد كان عبد الناصر أيضا وعلى عكس ما أشيع عنه من انه كان ينفرد بالقرارات، كان يتشاور مع معاونيه فلم يكن يتخذ قراره بشكل انفعالي أو عاطفي وكانت مستويات التشاور تبدأ من هيئة المستشارين برئاسة الجمهورية وكان عددهم 30 مستشارا وتمر بمجلس الأمة والاتحاد الاشتراكي وكل الاختيارات توضع أمام الرئيس ويتم التشاور في اتخاذ القرار المناسب. علاقة أخوة أما اللواء فتحي الديب ـ مساعد رئيس جهاز المخابرات في عهد الثورة وسفير مصر في سويسرا ـ فيؤكد أن كل مواقف جمال عبد الناصر كانت انسانية، فعلاقته بأصدقائه على سبيل المثال كانت علاقة تتسم بالأخوة، وقد كانت علاقتي به على الرغم من انه رئيس الدولة تتسم بالود والمحبة والصداقة، وكان قبل أن نتحدث في أمور العمل يسألني عن أحوالي وعن أسرتي والأبناء بالكامل ثم بعدها نتناقش في أمور العمل وقد كانت هذه طريقته في التعامل مع جميع المقربين منه فهو يهتم بأحوالهم ويشاركهم هموهم ويحاول العمل قدر المستطاع على حل مشكلاتهم. ويتذكر اللواء الديب انه في أحد الأيام وعندما كان سفيرا لمصر في سويسرا فوجئ بجمال عبد الناصر يسأله لماذا قام ببيع قطعة أرض مساحتها ستة أفدنة من أملاكه في قريته للانفاق من اموالها على الاستقبالات في السفارة، فقلت له انني أقوم بعمل ذلك بحب وعن طيب خاطر فهذه بلدي وهؤلاء أصدقائي، فرفض جمال عبدالناصر هذا المنطق تماما وقال له لايمكن أن تنفق على الدولة من مالك الخاص. وأضاف أن لديه تقريراً كاملاً بكل المصروفات التي أنفقتها من أموالي وأنه سيأمر باعادة هذه الأموال الى، وهو ما حدث بالفعل، وهذا الأمر يؤكد مدى اهتمام جمال عبد الناصر بالآخرين وبكل صغيرة وكبيرة تخص شئون البلاد وهذا هو سر زعامته وحب الجميع له. وكنت في كل أجازة من العمل في السفارة المصرية لابد وأن أذهب لزيارته بناء على تعليماته وكان دائما يشعرني باني لم أغب عن مصر ولو ليوم واحد، أما بالنسبة لمن يحاول أن يتجاوز صلاحياته وحدوده فقد كان لا يتهاون في هذا الأمر ولم يرد أن يحملني يوما عبء أخطاء الآخرين، وقد كان يطلب دائما معرفة كل التفاصيل ثم يقوم هو بمحاسبة كل مخطئ. ويضيف اللواء الديب أن علاقة الصداقة التي كانت تربطه بجمال عبد الناصر استمرت على نحو ثلاثين عاما متصلة وبدأت منذ أن كنت طالبا في كلية أركان الحرب، وكان جمال عبد الناصر مدرسا، وأتذكر في ذلك الوقت اننى أخطأت في أمر ما وتوقعت أن يعاقبني ولكنه لم يفعل وقال لي كيف أحاكمك وأنت أخي وصديقي وبعدها طلب مني الحضور لمكتبه يومي الاثنين والخميس حتى يراجع معي المواد الدراسية ووقتها تخرجت وكنت الثاني في الترتيب على دفعتي وذلك بفضل مساعدته لي، وكان هو أول من أبلغني تليفونيا بالنتيجة وقد كنت مع مجموعة من رفاق الكلية النواه التي تأسس بها جهاز المخابرات العامة المصرية. وكان جمال عبد الناصر تشغله دائما أحوال بسطاء الشعب وكان السؤال الذي يسأله بمجرد بدء برنامج عمله اليومي عن الخبز والسكر والفول والأرز وباقي السلع التموينية وهل هناك عجز أو نقص فيها أم لا، وكان دائما يعمل على حل أي مشكلة تظهر في هذا الشأن وبقدرة فائقة، وعندما ارتفع سعر كيلو الأرز وأصبح أربعة صاغ «قروش» بدلا من ثلاثة قام بعزل رئيس الوزراء وكان زكريا محيي الدين في ذلك الوقت. الصدق والثقة أما اللواء محمد سعيد المسيري أحد أفراد طاقم الحرس الشخصي للرئيس جمال عبد الناصر فقد روى لي أنه التقى به وجها لوجه في حفل تخرج دفعة الثورة من الكلية الحربية في مارس عام 1955وانه شرف بحمل العلم الجمهوري من الرئيس جمال عبد الناصر ووضعه بدلا من العلم الملكي الخاص بالكلية،ويقول لن أنسى ما حييت هامته الشامخة ووجهه المبتسم وبريق عينيه وعمق نظرته التي تبعث الثقة والصدق والرهبة في وقت واحد لمتلقيها، وقد كان ناصر متفهما لظروف من يعملون معه ويكره أن يقع عليهم ظلم وبالتالي فعندما تم تحديد اقامة أحد الاشخاص ضمن مجموعة المشير عبد الحكيم عامر عقب أحداث 1967، وكان له شقيق هو المرحوم محمد طنطاوي من مجموعة السكرتارية الخاصة بالزعيم، ووقتها أجمعت جهات أمنية عديدة على ضرورة نقل محمد طنطاوي من السكرتارية الخاصة وقام سامي شرف بعرض الأمر على عبد الناصر والذي رد عليه بقوله «أبق على محمد طنطاوي بالسكرتارية وأتركه يزاول عمله كالعادة وسهل له زيارة أخيه والوقوف بجانبه فهو محتاج له في هذا الوقت أكثر من أي وقت آخر» وكان قد صدر من قبل نفس القرار بالنسبة لصابر عثمان الذي كان يعمل بطاقم السكرتارية الخاصة وذلك عندما اعتقل أحد أقاربه ضمن مجموعة الاخوان المسلمين. ويسترجع اللواء المسيري شريط ذكرياته أثناء احتفالات الوحدة في قصر الضيافة بدمشف، فيقول لكن ناصر لا يجب أن نتعامل نحن أفراد طاقم الحراسة بشكل عنيف مع المواطنين ويكره أن نتعامل معهم أثناء تدافعهم عليه بأي نوع من الشدة، وهذا ما حدث معي فقد استدعيت من الوحدة المدرعة التي كنت أخدم بها والمتمركزة على الحدود المشتركة السورية اللبنانية والفلسطينية وذلك للاشتراك في حراسة قصر الضيافة وكان موقعي على الدرج الأمامي الرئيسي للقصر وكان الميدان أمام القصر وجميع الشوارع المؤدية اليه تموج بحشد هائل من المواطنين، وكان صوت الجماهير يهز أرجاء قصر الضيافة،وأطل الزعيم من شرفة القصر ليلقي خطابه فتلاطمت وتلاحقت أمواج من البشر وضغطت على سور القصر فانهار جزء منه وكادت تقع كارثة لولا أن تصاعد النداء الحبيب بصوت الزعيم قائلا «أيها المواطنون» لتهدأ بعد ذلك موجات البشر وتتابع كلمات الخطاب وقتها قام أحد المواطنين بالاندفاع بسرعة بالغة وبحماس شديد نحو الدرج الأمامي للقصر صاعدا، فما كان مني وبرد فعل رجل الأمن ـ الا أن قابلته وهو مندفع بلكمة في ذقنه ليسقط على الدرج، وشاهد الزعيم هذا المنظر وفي نفس اللحظة استدعاني السيد محمد أحمد السكرتير الخاص للرئيس وقال لي «أنت مجنون تضرب مواطناً». الرئيس سيراك بعد انتهاء الخطاب «وبالفعل بعد أن انتهى ناصر من القاء خطابه ودخل البهو وبمجرد أن نظر الي شعرت بالرهبه واهتز كياني ولكنه قابل هذا التوتر من جانبي بابتسامه أعادت الي الطمأنينه، وأبلغت السيد محمد أحمد أن الرئيس سامحني على ألا يتكرر مني هذا التصرف مرة أخرى، وقام الرئيس بمصافحة هذا المواطن الذي شكرني لانني كنت السبب في مقابلة الزعيم». ويقول اللواء المسيري فعلى الرغم من أن الرئيس الراحل جمال عبد الناصر كان عطوفا وحنونا على أبنائه الا أنه لم يكن يسمح لهم بأي امتيازات أو استثناء ولذلك فعندما التحق ابنه عبد الحميد بالكلية الحربية أبلغنا سكرتيره الخاص السيد محمد أحمد أن الرئيس أمر الضباط بعدم اعطائه امتداداً على التصاريح الخاصة به أو طلب أي استثناء يميزه عن أي طالب بالكلية البحرية والاستثناء الوحيد الذي منح له كان بطلب من الرئيس شخصيا وقبل وفاته بأيام معدودة وكان يود أن يرى نجله، وكان هذا الطلب على غير ما عهدناه به ولعله كان يشعر بأن أمر الله سينفذ بعد أيام قليلة، فأثناء تواجدنا بمرسى مطروح في سبتمبر عام 1970 وكانت أحداث سبتمبر الأسود في ذوروتها طلب الرئيس مني الاتصال بالفريق أول محمد فوزي وزير الدفاع وابلاغه بأنه يريد أن يرى نجله عبد الحميد وأشهد أمام الله أن الزعيم لم يغمض له جفن في هذه الليلة فقد ظل على اتصال دائم بأطراف النزاع لايقاف نزيف الدم، ووصل الطالب البحري عبد الحميد ليجد والده في حالة اعياء شديدة نتيجة التوتر الشديد الذي أصابه بعد حدوث تلك المحنة التي مر بها الوطن العربي.