إذا أردت التقييم فابحث عن المثقفين ثلاثة من كبار المثقفين المصريين أدلوا بشهاداتهم عن ثورة يوليو التي عاصروا! أحداثها وتفاعلوا مع معاركها قبل أن يقدموا أبرز ابداعاتهم المرتبطة السنوات مدها وجذرها. وفي هذه الشهادات التي أدلى بها أصحابها بمركز رامتان الثقافي بالقاهرة يقدم الكاتب المسرحي الفريد فرج رؤيته للثورة التي لايزال الجدل حولها قائما رغم مرور 50 عاما كاملة على وقوعها في بر مصر.. أما الشهادة الثانية فهي للروائي والقاص بهاء طاهر ابن مرحلة الستينيات والشهادة الثالثة والأخيرة لفنان الكاريكاتير الشهير جمعة فرحات الذي آثر التأكيد على أن ثورة يوليو كانت صاحبة الفضل في تمصير فن الكاريكاتير أو اذا شئت الدقة انتقل الكاريكاتير في عهدها الى السيادة المصرية. يقول ألفريد فرج: اذا تحدثنا عن ثورة يوليو أجد أن معلوماتنا لا تزال ناقصة عن أحوال الثورة.. وأنا هنا شاهد عليها وقد عايشت الثورة من أولها ومشاهدتها من موقع المعارضة وموقع التأييد.. ومن موقع العمل من خلالها العمل من خارجها واستطيع أن أقول على سبيل المثال - اننا في عام 1952 لم يكن لدينا سوى مسرح قومي واحد ثم أصبح لدينا في خلال 10 سنوات أو أكثر قليلا 14 مسرحا قوميا وكل مسرح من هذه المسارح، كان أكبر من المسرح القومي الذي جاءت الثورة ووجدته. هذه المسارح انقسمت الى قطاعات، وهي القطاعات التي نراها اليوم، ممثلة في «البيت الفني للفنون الشعبية»، و«البيت الفني للمسرح»، و«البيت الفني للأوبرا»، وكل بيت فني عنده مابين خمس وسبع فرق.. الخ. أيضا الثورة انشأت «أكاديمية الفنون» لكي ترقى وترتفع بمستوى الفنون التي تعبر عن وجدان الشعب، وعن أماني الشعب، وعن شخصية هذا الشعب، فأكاديمية الفنون التي نراها في شارع الهرم تشمل معهد السينما، ومعهد الفنون المسرحية، ومعهد البالية، ومعهد الموسيقى، ومعهد التذوق الفني، ومعهد الفنون الشعبية، وهذه كلها من انشاءات الثورة. الثورة أيضا أنشأت «الهيئة العامة لقصور الثقافة» وهذا يعد انجازا خطيرا وكبيرا جدا، وأكبر من شبيهه الفرنسي، أن الشبيه الفرنسي لا يؤدي الرسالة الكبرى «للهيئة العامة لقصور الثقافة» في مصر.. حيث ان هذه الهيئة كانت رسالتها ولا تزال ديمقراطية الثقافية، فالثورة جاءت وهناك احياء في المدن ولا أريد أن أقول مدنا تتمتع بثمرات الابداع الثقافي، وأقاليم طويلة وعريضة لا تشاهد مسرحا، ولا تشاهد سينما، وليس فيها مكتبة لتقرأ فيها فأنشأت الثورة «الهيئة العامة لقصور الثقافة» لكي تعطي من كان محروما من هذا العطاء الفني والثقافي والروحي والفكري الذي تتمتع به أحياء العاصمة، أو تتمتع به العاصمة وتوزع هذا العطاء في انحاء البلاد ليضئ وينير، وليحدث أثره في تنوير الأمة، وفي تنوير الشعب، وفي تنوير الاقاليم النائية، وطبعا سأضيف الى ذلك الجامعات التي انشأتها الثورة، فالدولة لا تبدع الثقافة، ولكن الحكومة التي تخدم الثقافة هي الحكومة التي تقيم المؤسسات، وتبنى البنيات التي تتيح للمبدعين أن يؤدوا رسالتهم الابداعية من خلالها. أفكار جديدة والثورة أيضا أحدثت تغييرا كبيرا في الفكر المصري، فالثورة عندما جاءت وجدت نباتات وشتلات صغيرة من الفكر الجديد، فرعتها وسقتها ونشرتها، وانشأت التلفزيون والاذاعة هذه الشتلات. وفكرة «الحرية لا تتجزأ» فكرة تبنتها الثورة ثم رعتها وسقتها، بحيث وجدنا أن المصريين يهتزون لما يقع من ظلم على الجزائر وتونس وأفريقيا وكينيا وجنوب أفريقيا حيث التفرقة العنصرية، و«ايران» و«باكستان» و«الهند» فاكتسبنا فكرة أن «الحرية لا تتجزأ». وجدت الثورة شتلة صغيرة، وهي فكرة «القومية العربية» وكانت هذه الفكرة نابتة في الجامعة العربية، لكن الشعب المصري اهتز حين امتحنت هذه الفكرة في حرب فلسطين سنة 1948، حيث اهتز الشعب المصري بعطاء الجندي وعطاء الشباب، وأيضا عدم التمكن من تحقيق الرسالة، فكانت هذه من عناصر التبعية لفكرة القومية العربية، وفكرة القومية العربية فكرة مهمة جدا، لانها تتعلق بالشعور بالهوية، والشعور بالهوية هو جزء من تكوين الشخصية، فنحن الآن لسنا كما كنا منذ خمسين سنة في احساسنا بالانتماء لهذه الأمة الكبيرة، وهذه الجيرة الجميلة التي نحس بها في هذه الأيام بالذات والمتمثلة في احساسنا بمايحدث في فلسطين، وشعورنا بأن مايقع في فلسطين انما يقع في بيوتنا، ويقع على أشخاصنا، ويقع على وطننا نفسه.. ففكرة القومية العربية من الأفكار الثقافية التي رعتها الثورة. الفكرة الأخرى هي فكرة «العدالة الاجتماعية» والتي كانت أحد البنود الستة التي أعلنتها الثورة في أيامها الأولى، وتقوم على فكرة المساواة بين البشر في الفرصة، وتذويب الفوارق بين الطبقات، وهي فكرة ثقافية، وفكرة فلسفية، وفكرة فكرية، وفكرة وجدانية نمت ورعتها الثورة وسقتها حتى اصبحت جزءا من تكويننا النفسي وتكويننا الفكري بسبب ماأشاعته الثورة واصبح لصيقا بشخصيتنا وبفلسفتنا كشعب، ومن ثم فالحرية بالمعنى الشامل، والقومية العربية والعدالة الاجتماعية هي الافكار التي غذت الأدب، وغذت السينما، وغذت الوجدان، وغذت الأفهام، وغذت الفنون، وغذت الابداع، وكانت أساسا من الأسس التي عشنا بها، وفي ظلها.. فعلى سبيل المثال قصيدة «لا تصالح» ل«أمل دنقل» و«الأرض بتتكلم عربي». نحن لسنا بصدد أن نخوض معركة بأثر رجعي، فالآن ليس في رؤيتنا أن نقول أن ثورة يوليو كانت حسنة أو سيئة أو انها انجزت أو لم تنجز، فليست هذه هي المشكلة، لانها الآن تعتبر في عداد التاريخ، لكننا الآن بصدد خمسين سنة مضت على ثورة يوليو بغرض أن نستخلص الحكمة من خمسين سنة مرت على الشعب المصري، فليس ضروريا ان ننحاز الى أنور السادات أو الى عهد جمال عبدالناصر، وانما يجب ان نتساءل عما استفاده الشعب المصري في الخمسين سنة هذه، وهل ساعد انقلاب النظام في انجاز لم يكن واردا انجازه في النظام القديم أو لم يدع اليه النظام القديم؟ ثم ماهي الأمور التي انجزتها الثقافة في خمسين سنة؟ اذن نحن نريد ان نبني فوق خمسين سنة مضت، ونريد أن نكشف ونلقى الأضواء على خمسين سنة مضت في الجانب الثقافي، ونريد أن نستخلص ماتم ومالم يتم لكي نكمل عليه، فنحن الآن في الخمسين سنة نتأمل حياتنا.. ولا شك أن أحدنا عندما يحتفل بعيد ميلاده الخمسين يجلس مع نفسه فترة من الوقت، وأيضا يجلس مع الناس ويحدثونه عما فعله وعما لم يقم بعمله. الفكرة ليست أن نخوض جدلا سياسيا بأثر رجعي، ونتساءل عما اذا كانت الثورة خيرا أم كانت شرا، فقد ذهب أوان ذلك، ونحن قد خضنا في كل ذلك في حينه وفي وقته وفي أوانه، فقد خضناه ولن نظل نخوضه طوال حياتنا، انما نحن أصبح ذلك الأمر بالنسبة لنا في عداد التاريخ، وهو تاريخنا نحن وليس تاريخ ثورة يوليو، فهو تاريخ أجيال ثلاثة صنعته، ونحن نحاول أن نعيد اكتشافه وان نتأمله ونراجعه، بدون تأييد أو تنديد باشياء حدثت في الخمسينيات. فحتى بعد الانفتاح وبعد ما رأيناه من اختلاف السياسات، كانت الفكرة والغاية والمبدأ لا يزال هو القناعة الشعبية، فهناك بطالة وانفتاح واقتصاد حر وانبساط وانكماش وأزمة، لكن لاحظ انه لا يختلف أي مصري على هذا المبدأ المهم، الا وهو حق الشعب في ثمراته من الانتاج القومي ومن ثمرات الابداع القومي، فليس هناك جدل في هذا الأمر، وانما نحن نكتشفه لكي نبني عليه ونرى المستقبل على ضوء ماحدث في خمسين سنة.. وبالتالي فنحن لا نخوض معركة مع جمال عبدالناصر ولا مع أنور السادات الآن، فقد خضناها في أوانها، ولكننا الآن في الذكرى الخمسين لثورة يوليو نريد ان نراجع دفاترنا ودفاتر الأمة العربية كلها، خصوصا في هذه المحنة، لنرى مايمكن ان نراه لاصلاح أحوالنا في المستقبل. مصالح الضعفاء أما الروائي ـ بهاء طاهر فيقول: في الحقيقة يجب أن نتوقف ونسأل أنفسنا: ماذا تعني الثورة؟ وماذا تعني الثقافة؟ وماذا تعني الثقافة في نطاق الثورة؟ ولكن لا مجال لذلك، ومن ثم فسنكتفي ببعض التحديدات ولن نلجأ الى تعريف المصطلحات، ذلك أنه من الصعب أن نتكلم عن خمسين سنة من الثورة ومن الثقافة في عهد الثورة باعتبارها شيئا واحدا، لأنه لابد وأن تكون هناك مراحل مختلفة مر بها التطور الثقافي خلال هذا النصف قرن. أيضا لابد أن نعرف على الأقل ما الذي نعنيه بالثقافة؟ ونحن لن نقول تعريفات، وانما أريد أن أبين ماالذي أعنيه أنا بكلمة الثقافة؟ أنا اعتقد مثل كثيرين أن الثقافة هي كل شيء في المجتمع، أي كل ماهو مظهر من مظاهر النشاط أو الحياة في المجتمع، فالسياسة هي ثقافة سياسية، والاقتصاد هو ثقافة اقتصادية، والاجتماع هو ثقافة اجتماعية، والآداب والفنون هي ثقافة، وكل الاشياء الأخرى هي ثقافة، فالطريقة التي نتكلم بها مع بعضنا البعض والطريقة التي نصافح بها بعضنا البعض تندرج تحت تعريف الثقافة. وعندما أقول إن السياسة والاقتصاد والاجتماع والفكر كلها مرتبطة ببعضها البعض، فسنجد أن الأسس التي يقوم عليها أي مجتمع تنعكس في كل هذه الجوانب، فمثلا الثقافة الليبرالية ثقافة المجتمع الليبرالي والمجتمع الرأسمالي تقوم على أساس أن هناك سوقا حرة ومنافسة حرة، وأنه لابد من ضمان كل الأشياء التي تؤدي الى حرية المنافسة دون أن يتعدى طرف على طرف آخر في هذه المنافسة. وأيضا في مجال الثقافة تكون هناك حرية فكرية على أساس ان الحرية الفكرية هي الطريق الذي يضمن للمجتمع أن يصل الى أفضل صيغة من صيغ الحكم والتنظيم الاجتماعي. وفي مجال الفكرة تقوم أيضا الحرية الفكرية في نطاق المجتمع الليبرالي على أساس أن احتكاك الافكار وصراع الافكار يصل بنا الى أنضج وأفضل فكرة ممكنة من خلال هذا الحوار وهذا الصراع. ففي المجتمعات الليبرالية ليس هناك دعم تقدمه المؤسسات الحكومية وانما هناك فكرة تبني مصالح الطبقات الضعيفة في المجتمع من عمال وفلاحين، والاجراء في المدن وفي القرى فالمجتمع يقوم لحماية مصالح هذه الطبقات الفقيرة وهذه الطبقات الضعيفة، وبالتالي فليس لفكرة قيام أحزاب وبرلمان معنى هنا، وانما هناك فكرة حزب واحد يمثل مصالح هذه الطبقات الضعيفة والفقيرة.. وهذا الحزب الواحد يمثل هذه الطبقات المفروض انه يراعي أو يمارس نشاطه لحماية هذه الطبقات. وفي هذا النظام ليس هناك تنظيم اقتصادي قائم على حرية المنافسة بين الافراد وانما هناك هذا التنظيم الواحد وهذا الحزب الواحد والمجتمع الذي يقوم على أساس فكرة رعاية مصالح الطبقات الفقيرة والضعيفة، وهو الذي يقوم بعمل خطة حتى يكون هناك اقتصاد موجه، وهو الذي يبحث كيف يخطط للاقتصاد وينهض به في خطة خمسية، وبعدها خطة خمسية أخرى.. الخ. لكن.. مادور الفكر في هذا التنظيم الاجتماعي؟ دوره أن يرعى ويدافع عن مصالح هذه الطبقات الفقيرة التي همشت، وبالتالي فلابد أن يدعو الى القيم التي من شأنها اعلاء شأن العامل والفلاح والوحدة الاجتماعية.. الخ. اذن ففي الحالتين للثقافة دور مهم جدا، سواء في المجتمع الليبرالي القائم على الاقتصاد والسوق وعلى اساس ان المفكر والفيلسوف والأديب والشاعر يقود المجتمع بعمله نحو خطوات أرقى وافضل ونفس الشيء بالنسبة للمجتمع الاشتراكي، فالمفكر والشاعر والأديب والروائي والفنان التشكيلي والموسيقى يرعى هذه الوحدة الاجتماعية التي يتشكل منها المجتمع، من أجل تطوير الانجازات والمكاسب التي يحققها مجتمع العمال والفلاحين. وفي كلا الحالتين لابد ان يكون المفكر صوت مسموع، وهذا من الناحية النظرية، أما من الناحية الفعلية فإن الحرية تكون مكفولة تماما للمفكر في المجتمع الليبرالي وهناك مثال صغير جدا على ذلك، ففي ذروة حرب فرنسا ضد الجزائر عندما كانت الجزائر تسعى للاستقلال، كان أكبر فيلسوف فرنسي وهو «جان بول سارتر» ضد الحكومة الفرنسية في حربها مع الجزائريين، اذ كان يؤيد استقلال الجزائر ويقود المظاهرات في الشوارع للدفاع عن استقلال الجزائر هو وآخرون من المثقفين، وبعض الناس دعوا الى القبض على «سارتر» لأن البلاد في حالة حرب، وبزعم أنه يأخذ صف الاعداء، لكن «شارل ديجول» الذي كان رئيسا للجمهورية الفرنسية قال: «فرنسا لا تعتقل فيلسوفها»، بمعنى ان المفكر الكبير كان اذا اختلف مع الدولة فان الدولة تعرف له قدره وتعرف له مكانته لانه يصنع الوجدان الاجتماعي.. وأيضا في «انجلترا» كان «برتراند راسل» معارضا للسياسة النووية والسياسة الاستعمارية.. الخ. فإذا نظرنا الى المجتمع الاشتراكي نجد انه رغم وجود الرقابة وحالات من القمع، ولكن كان المفكرون والشعراء والأدباء منذ «تشايكوفسكي» وغيره في بعض الحالات مختلفين مع الدولة، وفي بعض الحالات كانت الدولة تفرض عليهم الرقابة وتقمع اعمالهم، ولكن كانت لهم في الوقت نفسه هذه المكانة وهذا الصوت المسموع.. فلابد لكي يؤدي المثقف دوره في المجتمع سواء أكان المجتمع ليبراليا أو اشتراكيا أو تعاونيا أو أيا كان أسمه أن يكون له صوت مسموع. ونحن في مصر عشنا ليبرالية منقوصة، فقد كانت هناك قبل الثورة الليبرالية، وكانت هناك المظاهر التي تحدثنا عنها، حيث كان هناك البرلمان والأحزاب والصحافة الحرة، والفصل بين السلطة: السلطات التنفيذية، والسلطة التشريعية، والسلطة القضائية، وكان هناك أيضا المفكرون الكبار الذين يقومون بدور قيادي لهذا المجتمع.. وكما تحدثت عن دور المثقف في المجتمع الليبرالي فقد كان عندنا «طه حسين» و«عباس محمود العقاد» و«محمد حسنين هيكل» وقبلهم «شوقي» و«حافظ» وبالتالي كان هناك الأدباء والمفكرون الذين يدعون الى أنواع معينة أو ألوان مختلفة من الأفكار التي من شأنها أن تنهض بهذا المجتمع وأن تطوره.. لكن هذه الليبرالية كانت منقوصة بسبب وجود الاستعمار المتمثل في الاحتلال الانجليزي، وكان هناك ايضا الاقطاع والسراى والملكية، وكانت كل هذه القوى تحاول أن تنتقص من الحرية الاجتماعية والحرية الاقتصادية والحرية السياسية، ولكن برغم هذا فمن حيث الشكل كنا نعيش بعض انجازات المجتمع الليبرالي. بعد ذلك أتينا الى عهد الثورة، فبدأ عهد العدالة الاجتماعية، أو مايسمى فيما بعد بالاشتراكية، لكنها كانت أيضا اشتراكية منقوصة.. فكما كانت هناك ليبرالية منقوصة كانت هناك أيضا اشتراكية منقوصة، فرغم أنه تحققت درجات من العدل الاجتماعي، وتم توزيع أرض على الفلاحين، واعطاء عمال المصانع مزايا، ومجانية التعليم، وانشاء الهياكل الثقافية التي تحدث عنها الفريد الفرج.. رغم كل هذه الانجازات التي لا تنكر والتي لابد أن نقدرها، لكن كان من عيوب هذه الاشتراكية التي جعلتها في تقديري نظاما منقوصا أن السلطة كانت محتكرة في أيد قليلة، وبينما كان هناك بالفعل مسعى لتحقيق مكاسب كبيرة للطبقات المهمشة والطبقات الضعيفة، فإن من كانوا يتحدثون باسم هذه الطبقات وباسم هذه الفئات المهمشة هم أنفسهم مهمشون، فلم يكن يسمح لهم بأن يعبروا عن آرائهم بالوضوح والصدق الذي يكفل أن يؤدي به وظيفة المثقف في المجتمع. في هذا الوقت كانت مصر تخوض معارك كبيرة في أول عهد الثورة، فهناك معركة ضد الاحتلال الانجليزي، ومعركة ضد الاقطاع والرأسمالية، وثالثة ضد بقايا النظام الملكي، وفي هذه المعارك التي كانت تخوضها الثورة كان المثقفون أيضا يقفون في صف هذه الثورة مئة في المئة، لأن هذه هي الاشياء التي كانوا يحاربون من أجلها، فقبل الثورة كانوا يحاربون، ويدعون الى الاستقلال السياسي والعدالة الاجتماعية، وكانوا يدعون الى الاستقلال الوطني وعدم التبعية، ومن هنا كانت هناك نقاط التقاء كثيرة جدا بين المفكرين والادباء والشعراء وبين الثورة في السنوات الأولى لقيامها، وبالتالي فلم تكن هناك أي مشكلة، بل كان هناك نوع من الالتقاء لان ما تسعى اليه الثورة هو نفسه ما كان يطالب به الشعب وما كان يؤيده المثقفون، وفي طليعتهم الادباء والفنانون.. وأظن انه عندما حدثت المعارك ضد الاحتلال الانجليزي كان كل الكتاب والمفكرين يقدمون أعمالا، فألفريد فرج قدم مسرحية «صوت مصر»، و«يوسف ادريس» قدم الاعمال الروائية مثل «حكاية حب» وقدم اعمالا مسرحية مثل «اللحظة الحرجة» كما قدم «نعمان عاشور» أيضا عدة أعمال.. فكل الكتاب والفنانين في هذه الفترة كانوا على الموجة نفسها التي يتحرك عليها النظام السياسي، ومن ثم فلم تكن هناك مشكلة في هذه الفترة خلال سنوات الخمسينيات الأولى مابين الثورة والمثقفين والأدباء والمفكرين، بل كان هناك المسعى من أجل التحرر، ومن أجل الاستقلال الوطني، ومن أجل تحقيق العدالة الاجتماعية ممثلة في اعطاء الحقوق للعمال وللفلاحين ومجانية التعليم.. الخ. اختلاف على التطبيق ثم بدأت الثورة تتحول الى نظام قريب الشبه بالنظم الاشتراكية التي تحدثنا عنها من قبل، والتي كانت موجودة في العالم من حيث تبني مصالح الطبقات الضعيفة وقيام حزب واحد وهو حزب الاتحاد الاشتراكي، وسياسة الاقتصاد الموجه، والقطاع العام.. الخ، ونشأ هذا الشكل من النظام السياسي الذي قابله نظام اقتصادي، كما ظهر ايضا نوع من الرغبة في التحول الثقافي من ثقافة المجتمع الاقطاعي الرأسمالي الى ثقافة المجتمع الاشتراكي، غير انه لم يكن هناك اختلاف من حيث المبدأ بين المثقفين وبين الثورة حول هذه التغييرات لأن كل المثقفين كانوا يؤيدون اعطاء الحقوق للعمال وللفلاحين، ويؤيدون مجانية التعليم والقطاع العام.. الخ، ولكن كان هناك اختلاف حول كيفية تطبيق ذلك، وكان هناك اختلاف حول جانب اساسي هو جانب الديمقراطية، اذا كانت الفكرة ان كل هذه الانجازات والحقوق الاجتماعية والحقوق الاقتصادية ليست هدفا في ذاتها، وانما هي وسيلة لتحقيق حرية الانسان، ولتحقيق كرامة الانسان في المجتمع، فكان هناك باستمرار هذا الخلاف حول الديمقراطية في صلب ذلك النظام الاجتماعي. هذه الفترة في تصوري وفي تقديري كانت أكثر فترات الخصوبة في العلاقة بين الثقافة والثورة، لأنه بينما كانت هناك نقاط الاتفاق، كانت هناك أيضا نقاط الاختلاف بين المثقفين والثورة، أو بين المثقفين والنظام الثوري، وذلك من خلال قدر من الصراع كان يتيح للمثقف أن يقول كلمته، فظهرت مسرحيات كثيرة على خشبة المسرح تقول: «نعم العمل لصالح العمال والفلاحين شيء جيد جدا، وليست هناك مشكلة، لكن يجب ان تكون حرية بدون المنديل» مثلما قال الفريد فرج في «حلاق بغداد» عن منديل الأمان الذي يسمح للانسان بأن يتكلم ويعبر عن رأيه دون أن يخشى شيئا. ويأتي ويقول لك: «نعم لتنظيم القطاع العام الذي يهدف الى العمل من أجل الشعب، والثورة من أجل الشعب أمر جيد جدا، لكن لا تضع لي «سرحان البحيري» في القطاع العام، وبالتالي كان يسمح لـ «نجيب محفوظ» ان ينشر رواية مثل رواية «ميرامار» أو عملا مثل «ثرثرة فوق النيل» أو «السمان والخريف» أي انه كان هناك نوع من الشد والجذب بين المثقفين والثورة، ولكن برغم وجود هذا الصراع الذي كان من الممكن أن يقودك الى السجن، لكن أيضا كان يمكنك أن تكتب رواية، وان تفعل مثل «سعد مكاوي» في رواية «السائرون نياما» التي تتحدث عن مراكز القوى وتشبهها بعصر المماليك ثم بعد ذلك تجد نفسك في الشارع وليس في الجريدة. ولذلك أقول ان اخصب فترات الثورة هي تلك المرحلة من سنوات الستينيات التي كان المثقف يعبر فيها عن رأيه فيما يتفق وفيما يختلف فيه مع الثورة، والتي كان يدفع فيها ثمنا باهظا كما قلت بأن يجد نفسه في الشارع بدون عمل، أو أن يجد نفسه في السجن أحيانا، أو أن يجد نفسه محروما من اسماع صوته، لكنها في النهاية شهدت مولد أعظم الأعمال الأدبية مثل أعمال «نجيب محفوظ» وأعمال «نعمان عاشور» و«الفريد فرج» و«يوسف أدريس»، فهؤلاءالكتاب الكبار عرفوا من خلال ذلك الجدل الخصب مع النظام الثوري في ذلك الحين. كما ظل هذا الجدل الخصب وهذا التطور الثقافي حتى التاريخ الفاصل، وهو هزيمة سنة 1967 أو نكسة 1967، عندما بدأ يقال: «لا صوت يعلو فوق صوت المعركة» فأصبح مطلوبا من الأديب والفنان والتشكيلي والموسيقار أن يكون في كتيبة المعركة، مما يؤدي الى تلاحم صفوف الشعب، وخوض المعركة المقبلة، وهذا أيضا لم يكن فيه أي عيب، وكثير من المثقفين لعبوا هذا الدور، وقدموا العديد من الأعمال الموسيقية والاعمال التشكيلية، وشاركوا بالكتابة للمعركة، ولم يكن هناك في هذه الفترة خلاف، فطيلة هذه الفترة كان التصور كما قلت هو انه لكي يؤدي المثقف دوره لابد أن يكون صوته مسموعا، وان يكون في الصدارة في المجتمع، وأن يكون قادرا على ايصال رسالته الى الناس. وفي المقابل كان هناك صراع في داخل الثورة، وداخل نظام الحكم بين القبول بذلك والرفض له، وبدأ نوع من التشجيع ونوع من السعي الى وجود المثقف المطيع، أو المثقف المتأقلم، الذي ليس دوره أن يقول لنا هذا خطأ وهذا صواب مثل «سرحان البحيري» وانما الذي يجمل صورة النظام ويجمل القرارات التي يتخذها النظام، فلا يقول «نعم ولا» وانما هو مثقف موظف، وكان من الصعب أن يوجد المثقف الذي يقبل أن يكون موظفا، ومن ثم أصبح هناك دور أبرز ويتزايد يوما بعد يوم للاعلاميين، وأصبح الاعلامي يلعب الدور التقليدي للمثقف، فهو القائد الاجتماعي وليس المثقف وهو الذي يزين ويجمل ويحسن الصورة. ومع بداية عهد «السادات» بدأت مرحلة أو خطوة جديدة، لا تقتصر فقط على تقدير المثقف الموظف أو المطيع، وانما تهدف كذلك الى استبعاد المثقف المشاكس، واستبعاد المثقف الذي يقول «لا» أو الذي يريد أن يؤدي الدور التقليدي للمثقف باعتباره قائدا للمجتمع، وكان هناك أمر بالغ الدلالة في أول سنة في عهد «السادات» اذ ان أكبر مثقفي مصر وقعوا على عريضة موجهة الى رئيس الجمهورية وليست موجهة للاعداء يقولون فيها: «ماذا سنفعل؟ حربا أم سلما؟»، لكنه بجرة قلم تم فصل جميع هؤلاء الذين وقعوا على تلك العريضة من وظائفهم.. فمن هؤلاء؟ هؤلاء كانوا «توفيق الحكيم»، و«نجيب محفوظ»، وأظن «حسين فوزي» و«لويس عوض»، بالاضافة الى كل الاسماء المرموقة في الساحة الفكرية المصرية.. ليس هذا فقط بل بدأت ظاهرة كان لها مابعدها من التشهير بالأدباء والمثقفين، وأذكر أنه كانت هناك مجلة أسمها «مجلة الجديد» كان يصدرها أديب موظف الأديب الذي يقول: «نعم» ولا يقول: «لا» فأخرجت عددا خاصا وممتازا كله من صفحة «أ» إلى صفحة «ي» سب في «توفيق الحكيم» وانه ليس أديبا، ولا مهما، ولا يعرف أي شيء، وانه مجرد رجل أوجدته الصدف. هكذا بدأت ظاهرة ازدراء المثقفين والتعتيم عليهم، ورافق ذلك اغلاق كل المسارح الجادة وهناك قصص كثيرة في هذا الصدد لكن لا مجال لذكرها وتقديم المسرحيات الهزلية ومسرحيات الفرفشة، واغلاق كل المجلات مثل «مجلة المجلة»، و«مجلة الكاتب»، و«مجلة الطليعة»، واطلاق العنان للمثقفين الموظفين، واستبعاد المثقفين الحقيقيين واستبدالهم بالمثقفين الموظفين. أريد أن أقول أنه بدءا من السبعينيات مررنا بمراحل معينة: المرحلة الأولى «ابعاد المثقفين»، والمرحلة الثانية «التشنيع على المثقفين» بأنهم مجموعة من الأفندية الحاقدين الكفرة أو الشيوعيين الملحدين.. الخ، وأيضا «اعطاء الصدارة للاعلام الدعائي بدلا من الثقافة الجادة»، وهو الاعلام الذي يقول «ان كل شيء تمام، ومصر اليوم في عيد» أي ان كل شيء من أروع مايكون، بينما المثقف الناقد أصبح ليس له أي مجال، وبالتدريج تحولت الثقافة سنة بعد سنة الى نوع من الزينة أو الحلية أو الترفيه، وحتى كترفيه فالثقافة دمها ثقيل جدا، فالثقافة كترفيه ماذا ستفعل بجانب الكرة مثلا، وبجانب المسرح التجاري، وبجانب الأغاني الشبابية؟ فليس لها هذه الجاذبية بحيث تصبح ترفيها موازيا لصور الترفيه الأخرى. أريد أن أقول ان المثقفين المصريين كان لديهم مشروع منذ بدء النهضة في عهد «رفاعة الطهطاوي» وتمثل هذا المشرق في أن تقوم دولة عصرية على أساس «المواطنة» بدلا من الدولة التركية العثمانية التي كانت تقوم على أساس «الولاء الديني وحده» فكان مشروع المثقفين قيام دولة عصرية لكل ابنائها مهما اختلفت أديانهم، ودافع عن هذه الفكرة «رفاعة الطهطاوي» وقادها لخطوات أبعد «محمد عبده» بهدف قيام دولة المواطن العصري، بل كانت هناك معركة التعليم أيضا منذ «رفاعة الطهطاوي» حتى «طه حسين» لكي يكون هناك ذلك المواطن الحر، وكانت هناك معركة حرية المرأة التي قادها «قاسم أمين» وقيل انها كانت بارشاد من «الامام محمد عبده» لانه لم يكن يرى أي خلاف بين الدين الاسلامي والتطور العصري في حدود يقبلها الدين ويقبلها العصر. كما كان هناك السعي الى الاستقلال الوطني بعيدا عن «التتريك» أي العودة الى الدولة العثمانية وبعيدا عن «التغريب» أي الوقوع في براثن الغرب وكان هذا هو المشروع الثقافي الذي يهدف الى الاستقلال الوطني ودولة المواطنين والديمقراطية والعدالة الاجتماعية. ولا مجال لأن أشرح كيف أن المثقفين شعرا ونثرا.. وفكرا حاربوا من أجل تحقيق هذه المبادئ.. لكن عندما توارى دور المثقف نتيجة للعوامل التي ذكرتها، وعندما لم يصبح للمثقف الأهمية أو الدور الذي كان له من قبل، انحسر هذا المشروع الثقافي الوطني لصالح العودة الى «التتريك» والى المنظومة العثمانية التركية التي تقوم فيها الدولة على اساس «الولاء الديني وحده» والمشروع الدعائي للثقافة الدعائية أصبحت الغلبة فيه لهذين العنصرين، وتوارت أو خفتت الثقافة الوطنية. الرقابة كانت أرحم ويقول جمعة فرحات رسام الكاريكاتير الشهير: أنا واحد من ابناء هذه الثورة فحين قامت كان عمري آنذاك 11 سنة، وبالتالي فقد تربيت على مبادئها، لكني لأول مرة أفكر فعلا في هذه الحكاية. لقد دخلت بيت الكاريكاتير في مصر في روزاليوسف وعشت فيه 35 سنة، وهذا البيت حاولت من خلاله أن انشيء هذه العلاقة بين ثورة يوليو والكاريكاتير المصري، وفي عجالة أقول ان الكاريكاتير قبل ثورة يوليو كان يرسمه متمصرون أجانب، وأول رسام مصري هو محمد عبدالمنعم رخا الذي رسم وعمره 18سنة، ثم جاء بعده زهدي العدوي ثم طوغان وعبدالسميع، الذي يعد بداية رسامي الكاريكاتير حسب المفهوم العالمي الذي يقول أن رسام الكاريكاتير هو المفكر وصاحب الرسم. قبل عبدالسميع كان مايسود الصحافة المصرية هو أن تضع الجريدة فكرة للرسام والرسام يرسمها، وهو مااستمرت عليه أخبار اليوم حتى الآن، أما عبدالسميع فقد كان البداية الحقيقية لرسامي الكاريكاتير لأنه كان يفكر ويرسم مايفكر، ثم بدأت مرحلة اعتبرها بداية حقيقية للكاريكاتير الجديد في مصر، حيث أرسيت قواعد الكاريكاتير كما هو معروف مع بدايات «صباح الخير» عام 1956 وظهور كوكبة كبيرة من الرسامين وضعوا أسسا جديدة لهذا الفن، وعلى رأسهم جورج بهجوري وصلاح جاهين وبهجت عثمان وايهاب شاكر وحجازي وصلاح الليثي وناجي ورجائي ومحيى اللباد ورؤوف عياد. هذا الجيل من رسامي الكاريكاتير كان يؤمن بمبادئ الثورة، لأن هذا الجيل في أغلبه عندما قامت الثورة وعندما بدأوا في «صباح الخير» كان عمرهم 20 سنة، أي تربوا قبل الثورة، ولكنهم جميعا آمنوا بمبادئ الثورة وكانوا مع الفقراء، كما كانوا فيما بعد مع ماسمى بالثورة الاجتماعية أو المبادئ الاجتماعية الخاصة بالاشتراكية، ولم يكن بينهم وبين الثورة أي تناقض. فقد اهتم رسامو الكاريكاتير في كل هذه المجموعة بان يرسموا الكاريكاتير الاجتماعي الذي يمهد الارض امام الثورة في التغييرات الاجتماعية فألف صلاح جاهين مثلا مجموعة من رسوم الكاريكاتير، منها «قيس وليلى» و«عنترة وعبلة» وهنا كان يحاول ان يقول ان المرأة كيان اجتماعي يستطيع أن يفكر ويقود، لأنه في «قيس وليلى» كانت المرأة هي صاحبة الفعل وقيس هو صاحب رد الفعل، وفي عنتر وعبلة كانت المرأة هي المخ وعنتر هو العضلات، وهو كان يؤكد هذه الحقيقة بشكل رائع جدا وجميل وبسيط للغاية، فكان يدخل الى القلب ويغير في العقل. أيضا صلاح جاهين عمل «نادي العراة» وكان عبارة عن كاريكاتير أسبوعي يقوم على تقديم رجل وامرأة عراة في نادي العراة ولكن لم يكن القصد منه الاثارة وانما البحث عن المضمون والجوهر وليس الشكل، أي أنه كان يقول للمجتمع المصري «ياريت نترك الاهتمام بالشكل وندخل الى الاهتمام بالمضمون» وكل رسامي الكاريكاتير ابتكروا مثل هذه الشخصيات ومثل هذه الأنواع من الكاريكاتير التي كان الغرض منها أساسا تغيير كثير من المفاهيم الاجتماعية والسلوك الاجتماعي المصري. واذا نظرنا لمرحلة ماقبل الثورة نجد أنه كان يوجد كثير جدا من الجرائد مقابل عدد قليل جدا من الرسامين، وهذا الذي اضطر رسامي الكاريكاتير الى أن يضع أحد لهم الفكرة ليرسموها.. وأتذكر أن رخا قال لي أن عدد الجرائد التي يعمل فيها أسبوعيا وصل الى 30 جريدة، وجورج أيضا وصل لحوالي 25 جريدة في الأسبوع، ولهذا كان من الصعب على رسام الكاريكاتير أن يضع لهم جميعا أفكارا، فكانت كل جريدة تضع الفكرة التي تعبر عنها. وقد كان الكاريكاتير في هذا الوقت كله كاريكاتيرا سياسيا، فقد كان رقم واحد مع بدايات الكاريكاتير، بينما كان الكاريكاتير الاجتماعي كله يدور حول مفردات ضاحكة لتضحك الناس أساسا من خلال نقد سلوك الطبقات الراقية في الأساس.. أما في الجرائد اليسارية فقد كان هناك نقد الطبقات الراقية أيضا إلى جانب عمل كاريكاتير يمجد الطبقات الفقيرة أو يطالب بحقوقها. وبعد الثورة هذه المجموعة من الرسامين لم تكن عليهم أية رقابة أو توجيه بالمرة، لكن كان هناك ايمان حقيقي بداخلهم بهذه الأهداف وبمبادئ الثورة ويعمل الكاريكاتير.. ومن وجهة نظري فإن الكاريكاتير عندما أدرسه الآن أجد انه كان كاريكاتيرا على أعلى مستوى من الجودة والقيمة، لأنه لم يحاول أن يأخذ الأسلوب الدعائي اطلاقا ورسم كما يجب أن يكون الكاريكاتير الفكري، إذ كان هناك دائما وأبدا وراء كل رسم كاريكاتيري سبب وهدف اجتماعي حتى ولو كان بعيدا. أما اذا تحدثت عن مسألة الحريات في هذا الوقت فإنني أريد أن أقول شيئا مهما، وهو أن رسام الكاريكاتير لا يستطيع أن يكون مثل الأديب يكتب عملا ويطبعه في كتاب بعيدا عن أي صحيفة، لكن رسام الكاريكاتير عمله مرتبط بالصحيفة اليومية، ومن هنا فإن صاحب القرار في نشر الكاريكاتير أو عدم نشره هو رئيس التحرير، واعتقد ان الكثير منهم عمل كاريكاتيرات لم تنشر أو رفضت، وخصوصا ان هناك فترة طويلة مرت علينا كانت هناك خلالها رقابة على الصحف، واعتقد أن الرقابة استمرت حتى عهد السادات عام 76، وبمناسبة هذه المسألة أذكر قصة صغيرة، فقد ناداني رئيس مجلس الادارة وكنت وقتها اصمم غلاف روزاليوسف وقال لي ياجمعة الرقابة تم الغاؤها، وأريد منك ان تبدع.. فذهبت للمنزل أحاول أن ابدع، فكنت كلما أفكر في فكرة يهيأ لي أنه سيرفضها فذهبت له في اليوم التالي وقلت له: لم أفعل شيئا، والذي حدث انني كلما أفكر في فكرة أشعر بك فوق رأسي وانك سترفضها. ومن هنا اقول ان الرقابة عندما تم الغاؤها اصبحت الرقابة الموجودة ألعن من القديمة، لان سلطة المنع أصبحت أوسع وأشمل بكثير، وأصبح كل شيء يحسب طبعا لأن هذا سيجعله جالسا على الكرسي أو سيخلعه من فوقه، الرقابة القديمة كانت تقول ممنوع كذا وكذا وغيره ليس ممنوعا، وبالتالي أبدع رسامو الكاريكاتير في هذه الفترة ابداعات كثيرة جدا، وخصوصا أنه في القضايا الاجتماعية لم يكن هناك أي شيء ممنوع حتى رقابيا، وقد شاهدت كيف كان صلاح جاهين يعمل كاريكاتير «نادي العراة» أسبوعيا دون ان يثير الغرائز اطلاقا، بينما اليوم اذا قدمت لرئيس التحرير كاريكاتيرا به امرأة عارية تصبح مصيبة سوداء ويمنعه. هذه كلها قيود جديدة اضيفت إلينا بعد عام 76 عقب الغاء الرقابة، اذ بعد الغائها اصبح هناك رقيب اعلى هو رئيس مجلس الادارة ورئيس التحرير ليحافظ على كرسيه.