شهد له أعداؤه قبل أصدقائه.. وطنيته وأخلاصه متفق عليهما من الجميع ولا تقبل الجدل أو الخلاف.. هو سياسي من طراز رفيع.. على الرغم من خلافه مع ثورة يوليو إلا انه حقق نجاحات كبيرة في كل المناصب التي تولاها بدءاً بوزارتي النقل والاسكان حتى ابتعد عن المناصب عام .1977. عاصر د. مصطفى خليل رئيس وزراء مصر الأسبق أهم مراحل التحول السياسي وشارك مع الرئيس السادات، في السبعينيات، عندما اختاره للسفر إلى الدول النفطية لبحث كيفية استخدام سلاح البترول في معركة العرب مع اسرائيل.. ساهم في التمهيد للتعددية السياسية من خلال مشاركته في صياغة قانون الاحزاب الذي لقي هجوما عنيفاً.. كما لعب دوراً مهما في وضع قانون الصحافة.. وفي كلا القانونين أرسى مبادئ يرى انه يجب أن يتم الحفاظ عليها مهما طرأ من تعديلات على هذه القوانين.. ** وعندما فكر السادات في الذهاب للقدس في زيارته التاريخية شهدت هذه الفترة توهج د.مصطفى خليل ولعب اهم أدواره عندما قام بعملية التفاوض مع الجانب الاسرائيلي. فكان مهندسا لعملية السلام. ولقبه الجانب الاسرائيلي بالمفاوض الصعب لأنه لا يقبل التفريط في أي حق. وساهم بوطنيته وحكمته في الوصول بمعاهدة السلام الى بر الامان. شهادة د. مصطفى خليل لها أهمية خاصة فهو قادر، من خلال تعامله لمرحلة طويلة من المفاوضات مع اسرائيل، ان يكشف لنا الكثير عن العقلية اليهودية وما تؤمن به.. وخاصة ان الصراع بين العرب وإسرائيل لايزال مستمراً فنحن أحوج ما نكون إلى سماع شهادته والتعرف على خبراته مع الاسرائيليين.. في اتجاهات سنتعرض لاسرار وحقائق كثيرة سواء المرتبطة بحرب 73 او بمرحلة السلام مما شهده د. مصطفى خليل الذي عمل مع ثوار 23 يوليو اذ اسند اليه الرئيس الراحل جمال عبدالناصر وزارتي النقل والاسكان، والتي ننشرها هنا بالتنسيق مع وكالة الاهرام للصحافة. ـ د. مصطفى خليل رئيس وزراء مصر الأسبق بعد دخولك الوزارة في عهد الرئيس جمال عبد الناصر حدثت خلافات بينك وبين بعض المسئولين أمثال علي صبري وأنور السادات حتى عبد الناصر نفسه ما هي أسباب هذه الخلافات؟! ــ خليل: أنني أؤمن بأن الوزير لابد أن يصارح رئيس الجمهورية بحقيقة أي موضوع ويطلعه على كل التفاصيل حتى يعطي له صورة واضحة عن الشيء الذي يتم مناقشته وحتى يتسنى للرئيس ان يأخذ القرار الصائب والصحيح وأرى أنه من الخطأ الفادح ان يقوم الوزير بإخفاء المعلومات وعدم مصارحة الرئيس بالحقائق لأن هذا يؤدي إلى نتائج سلبية.. وكنت أقوم بإمداد الرئيس بالحقائق دون زيادة او نقصان وهذا واجب أي شخص في موقع المسئولية.. ولم يكن لي مطالب ولا أسعى إلى مصالح شخصية والمبدأ الذي أسير عليه دائما هو أن الحقيقة لابد ان تصل الى الشخص الذي يملك اتخاذ القرار.. ـ السادات قال ان الوزير الوحيد الذي كان يعارض جمال عبد الناصر هو مصطفى خليل ما هو تعليقك؟ ــ خليل: لم أعتبر ما كنت أقوله للرئيس جمال عبد الناصر معارضة،بل أنه واجب عليّ تحتمه المسئولية أن أحيط الرئيس علماً بحقيقة الموضوع الذي نناقشه وأبعاده المختلفة.. ومن هنا يستطيع ان يأخذ قرارات صحيحة فإذا كان السادات يرى أن هذه معارضة.. فهو حر. ـ هل كان من الممكن ان يقول وزير لا لجمال عبد الناصر؟ ــ خليل: أحب أن أقول شيئاً مهماً للتاريخ فعبد الناصر في ذلك الوقت كان اخاً اكبر.. لم يكن دكتاتوراً بالمعنى الحرفي لهذه الكلمة أو المتعارف عليه،وأشهد انه كان يفتح باب المناقشة في أي موضوع أو مشكلة ويترك الجميع يتحدثون ويعلنون عن آرائهم بكل حرية ولم يتدخل الرئيس عبد الناصر بل كان ينصت لكل الآراء ولم يصادر رأيا لأحد وكل موضوع كان يناقش له ملف يستطيع اي عضو أن يبدى رأيه فيه.. حتى في الموضوعات والقضايا التي لم تحصل على إجماع الحاضرين، كان يقول ان هذا الموضوع يحتاج إلى دراسة ومناقشات أخرى نقوم بها في الجلسة المقبلة وفي هذه الجزئية أحب أن أسجل لجمال عبد الناصر انه كان يترك جميع الآراء ولم يصادر او يحجر على أحد حتى في الموضوعات والقضايا التي تثير خلافاً بين الأعضاء.. ـ د. مصطفى خليل.. عندما كنت الأمين العام للاتحاد الاشتراكي قلت ان ثورة التصحيح هي التي حققت نصر أكتوبر في 73 وأحدثت ثورة لحرية الانسان المصري على الرغم من هذا يرى البعض أن هذا غير صحيح.. ما ردك؟ ــ خليل: في مجال الخدمة العامة استطيع أن أقول ان اي قضية او مسألة يتم التعرض اليها يجب النظر فيها من خلال مستويات عديدة، فهناك المستوى القانوني السياسي والاستراتيجي والرئيس يتصرف انطلاقاً من هذه المستويات مجتمعه.. وانطلاقا من هذا أقول ان ثورة التصحيح التي قام بها السادات في عام 71 كانت مهمة لأنها تضمنت المبادئ الأساسية التي انطلق منها في سياسته ولم تكن وليدة اللحظة بل كان يجهز لها منذ فترة طويلة فمثلاً عندما قال ان 99% من أوراق المفاوضات مع أميركا.. كان عليه أن يأخذ إجراءات تثبت هذه القاعدة التي أرساها ويضمن في الوقت نفسه وقوف أميركا معه في المفاوضات مع إسرائيل فمبادرة السلام بدأت بتصريح وزير الخارجية الاميركي «روجزر» ومذكرة اقول ان 80% منها جاء في كامب ديفيد بعد ذلك والتي توصل اليها السادات مع مناحم بيجين برعاية الرئيس الأميركي الاسبق جيمي كارتر وكان لابد من تغيير الأوضاع الموجودة في مصر حتى يقبل الأميركان التدخل بناء على الفقرة الثالثة من القرار 338 ان المفاوضات بين إسرائيل والأطراف العربية تتم تحت رعاية مناسبة. من هنا جاءت الديمقراطية التي فكر فيها الرئيس لكي يضمن دخول الاميركان كطرف ثالث في المفاوضات لأنه منذ أيام عبد الناصر وعندما عرض عليه مبادرة روجرز لم يضع أي ملاحظة بل اسرائيل هي التي رفضتها.. وهنا أقول إن ثورة التصحيح لعبت دوراً كبيراً في تمهيد الأجواء المناسبة لدخول الأميركان كوسيط في المفاوضات. مبادرة لالتقاط الأنفاس ـ حلمي شعراوي مدير مركز البحوث العربية الافريقية.. من الواضح ان فكرة السلام لم تكن غائبة في عهد جمال عبد الناصر الذي قبل مبادرة روجرز للسلام؟ ــ شعراوي: بالتأكيد أنا لست في وضع دفاع عن مبادرة «روجرز» لأنها كانت محبطة في تحليلها.. لكنها فهمت جيداُ في ذلك الوقت على أنها لالتقاط الانفاس وفترة تهدئة لحين التشاور في التفاوض حول الحقوق العربية والانسحاب من الأراضي الفلسطينية.. وبالفعل مبادرة «روجرز» كانت فترة تهدئة حتى يلتقط الجيش الإسرائيلي انفاسه من حرب الاستنزاف التي قامت بها القوات المصرية وأرهقته بالفعل والجانب المصري فهم هذا جيداً وقام ببناء جيش قوى مهيأ تماما للدخول في حرب حقيقية مع اسرائيل. ـ د. مصطفى خليل ماذا كانت رؤية السادات لتحريك هذه الأوضاع وإجبار إسرائيل على التفاوض جدياً حول الأراضي العربية التي احتلتها في هزيمة 67؟! رأي السادات أن عملية السلام لم تتقدم طالما اسرائيل محتلة الأرض ولها مستوطنات والولايات المتحدة تمدها عسكريا بكل ما هو جديد من ناحية الكم أو النوع وانها متفوقة عسكريا على الدول العربية أجمع.. من هنا قرر السادات ان يحرك الموضوع عسكريا طالما بقيت الظروف بهذه الصورة، حتى الاتحاد السوفييتي الذي يقول انه يساعدنا كان في حالة استرخاء مع الولايات المتحدة ولا تختلف النتيجة معه أن يظل الوضع هكذا وإسرائيل تفرض شروطها لأنها تملك الأرض.. من هنا جاءت حرب 73 لأن الرئيس السادات كان يرى من المستحيل تحريك إسرائيل إلا من خلال موقعة عسكرية وحقق الجيش المصري إنجازات رائعة خاصة في الايام الأولى من الحرب لدرجة أن جولدا مائير اتصلت بالرئيس الاميركي نيكسون وهي تبكى وتقول لابد ان تمدوا لنا يد المساعدة حتى لا نخسر كل شيء.. وانشيء جسر جوى للأسلحة من واشنطن إلى تل أبيب بلغت قيمته في ذلك الوقت وحسب تقديرات المتخصصين 2.4 مليار دولار أسلحة ومعدات وهنا قال السادات جملته المشهورة أنا لا أحارب أميركا وقبل وقف أطلاق النار.. وهنا أحب أن أشير إلى نقطتين.. الأولى أن التدخل الاميركي منع المصريين من التقدم إلى المضايق فكيف يتقدم الجيش المصري وأميركا تدافع عن اسرائيل.. والنقطة الثانية حتى اذا سلمنا جدلاً أن الجيش المصري وصل إلى المضايق فهل هذا كان سيحل المشكلة أو يوجد حلاً للقضية؟. السفير صلاح بسيوني رئيس جمعية السلام بالقاهرة.. ماهي أهم الأهداف التي كان يرمي اليها السادات من حرب 73؟ إسرائيل حليف استراتيجي للولايات المتحدة وكما ذكر السادات نفسه فان حرب اكتوبر هي حرب حاسمة وفاصلة غيرت من الأوضاع الاستراتيجية في المنطقة وكذلك شكل العلاقة بين العرب وإسرائيل.. ـ د. مصطفى خليل.. هل كانت الاهداف من حرب اكتوبر سياسية؟ ــ خليل: نعم لأن السادات عندما وافق على وقف أطلاق النار كانت المساحة التي تم تحريرها حوالي 22 كم.. في الوقت نفسه أثبت للجميع أن مصر انتصرت في واحدة من اكبر المعارك على إسرائيل وكتب النصر للجيش المصري وتغيرت أوضاع كثيرة حتى على المستوى الدولي وتم تحريك القضية التي كانت جامدة.. ـ حلمي شعراوي من وجهة نظرك هل ترى أن السادات وظف انتصار اكتوبر التوظيف الامثل؟ ــ شعراوي: لا أعتقد هذا لأن مصر في 73 كانت منتصرة وكان يمكن الحصول على مكاسب اكبر من التي تحققت بكثير، وبعد 73 كان من الممكن أن يحدث تحالف قوى بين الجيش السوري والعراقي مثلاً بشكل يهدد إسرائيل تهديدا حقيقيا.. في رأيي كان من الممكن ان يتم عمل أشياء كثيرة بعد نصر اكتوبر. ـ السفير صلاح بسيوني يرى البعض أن السادات فرط في انتصار حرب 73 وكان يمكن أن يخلق موقفاً عربياً قوياً بالتنسيق مع الدول العربية، مارأيك؟ ليس هناك موقف عربي مصر دخلت حرب كبيرة وأدت ما عليها وخرجت من هذه الحرب وإمكانياتها الاقتصادية ضعيفة ومع ذلك لم يكن هناك موقف عربي مع مصر في ضوء كل هذه التضحيات. مصر قدمت شهداء كثيرين وأنفقت المليارات في أربع حروب خاضتها ضد إسرائيل.. وكان السادات يسافر إلى الدول العربية ويقابل زعماءها.. لكنهم لم يترجموا ما يقولونه للرئيس السادات بالتضامن مع مصر إلى واقع يساند الشعب المصري أو حروبه وأستطيع القول ان 90% بل لا أبالغ إذا قلت ان 95% من المشاركة في حرب 73 كانت مصرية والمشاركة العربية كانت رمزية إلى حد كبير.. ومعركة سيناء كانت مصرية 100% . ـ حلمي شعراوي.. هناك رأي يرى أنه كان من المستحيل ان تكمل القوات المصرية بعد أن حدث التدخل الأميركي لحماية الأمن الاسرائيلي؟ ــ شعراوي: نحن لا نتحدث عن الحرب رغبة منا في الحرب الموضوع ليس كذلك، نحن نتحدث عن كيفية تطوير الأوضاع الداخلية والخارجية بعد حرب 73 والانتصار الذي تحقق مثل سلاح البترول وقناة السويس، الجيوش العربية الحديثة والوطنية وغيرها من الأوراق كان يمكن استخدامها ضد اسرائيل للحصول على مكاسب اكبر. سلاح البترول في الحرب ـ د. مصطفى خليل هل ترى أن سلاح البترول كان يمكن استخدامه حتى بعد الحرب لتحقيق مكاسب اكبر ولمزيد من الضغط على أميركا والدول الاوروبية؟ ــ خليل: أولاً كان لي دوري في استخدام سلاح البترول في حرب اكتوبر.. وأقول ان استخدام البترول بشكل فعال لن يكون بالاسلوب الأمثل لأن 75% من اقتصاديات الدول العربية المصدرة تعتمد عليه بصورة أساسية ولا تستطيع أن تجبر هذه الدول، التي يعتبر عصب الاقتصاد عندها، ان توقف صادرات البترول من أجل الشأن العربي.. ثم أن الغرب، وخاصة أميركا، لم ينتظر وقف الامدادات البترولية من العرب بدون اي رد فعل. ـ دكتور جودة عبد الخالق أستاذ الاقتصاد بجامعة القاهرة.. هل كان من الممكن أن يتم استخدام ورقة الخبراء الروس سياسياً وعسكرياً قبل أن يقوم السادات بطردهم؟ ــ عبدالخالق: قرار ابعاد الخبراء الروس مازال حتى الآن، وبعد مرور كل هذا الوقت،لم أفهمه.. ولا أفهم استراتيجيته.. وأقول ان الخبراء الروس ورقة كان يمكن لمصر أن تكسب منها الكثير فيما لو استخدمت بشكل إيجابي خاصة في علاقة مصر مع أميركا.. ـ د. مصطفى خليل ماذا تقول للذين يرون ان إبعاد الخبراء السوفييت من مصر كان خطأ من قبل الرئيس السادات وكان يمكن استخدام هذه الورقة واللعب بها سياسياً؟ ــ خليل: هذا تصور خاطئ لأن الاتحاد السوفييتي لم يعارض أميركا مطلقاً.. وكان في علاقته بالعرب يكسب من الاثنين.. و يقوم باستغلال الدول العربية وكان يوعدهم بأشياء كثيرة، لكن الحقيقة انه كان بصورة او بأخرى حليفاً مع الولايات المتحدة.. ـ السفير صلاح بسيوني هناك من يرى أنه كان يمكن للاتحاد السوفييتي أن يلعب دوراً مهماً مع مصر والعرب ضد اسرائيل والولايات المتحدة؟ ــ بسيوني: الاتحاد السوفييتي لم يكن مستعدا لدخول حرب حتى عندما كنا نحصل على أسلحة كان يقوم بإعطائنا أسلحة دفاعية، وليست هجومية. ولم يكن يعطي لمصر او أي دولة عربية سلاحاً إلا اذا كان متأخراً عن الذي تحصل عليه اسرائيل بسنوات عديدة. ـ د. جودة عبد الخالق.. ما تصورك للحلول المطروحة بعد النصر الذي حققه الجيش المصري في حرب 73؟ ــ عبدالخالق: المهم الآن أن نستوعب التجربة.. وفي تقديري البدائل لمصر كانت أكبر من ذلك حتى خيار السلام كان من الممكن الدخول فيه لكن بتوجيه يعظم مكاسب الحرب. ـ د. مصطفى خليل.. يرى البعض أن مصر كان من الممكن ان تحقق مكاسب اكبر من تلك التي حصلت عليها من السلام مع اسرائيل لو خلقت صفا عربياً موحداً؟ ــ خليل: أنا لي رأي مختلف تماما.. وذلك لعدة أسباب.. وهنا أرجع لحرب 67 والواقع الذي عشناه أن جميع الأسلحة دمرت تماماً.. أي حوالي 90% من الآلة العسكرية تم القضاء عليها.. ويرجع الفضل لعبد الناصر الذي أعاد تسليح الجيش من الاتحاد السوفييتي بشروط مالية سخيفة لا يمكن لأحد الحصول عليها الا عبد الناصر.. لكن هذا كان له ثمن وهو وجود الخبراء الروس في مصر والذي وصل عددهم إلى حوالي 17 الف خبير.. والجو العام الذي تشكل بعد 67 خاصة بعد اجتماع الرؤساء العرب في قمة الخرطوم سنة 1969 الذي تؤكد محاضرها ان رأي عبد الناصر أن استرجاع الضفة الغربية والمناطق السورية لايمكن حله إلا بالطرق السياسية.. هذا هو المناخ السياسي الذي كان سائداً. اذن الحل السياسي كان موجوداً في فكر جمال عبد الناصر ولم تكن بدعة جاء بها السادات. ـ د. مراد وهبة استاذ الفلسفة والمفكر المعروف.. هل كان من الممكن قيام حرب في الشرق الأوسط يتم فيها بالفعل تحرير كل الأراضي العربية عن طريق الآلة العسكرية. وهل كان من الممكن تحرير هذه الاراضي لو لم يوقف السادات إطلاق النار في 73؟ ــ وهبة: الحرب الشاملة التي تؤدى إلى الاجهاز على العدو والقضاء عليه غير مباحة في منطقة الشرق الأوسط والمتاح حرب جزئية يعقبها سلام. هذه حقيقة لابد أن يدركها الجميع والدخول في حروب جزئية اعتبرها متاهات لأن نتيجتها كارثة على التنمية واذا تراجعت التنمية تكثر المشاكل التي نعجز عن حلها خاصة أننا خضنا أربع حروب كلفتنا الكثير.. وكان لابد ان يجئ قائد ويقول ان هناك وهماً في العملية وكان القائد هو الرئيس أنور السادات.. والوهم الذي أقصده هو تصور القضاء والاجهاز على العدو.. والبديل عن هذا الوهم أن نشن حرباً جزئية تحرك الأحداث وتكون نهاية الحروب كما قال السادات وندخل في عملية السلام. ـ د. مصطفى خليل استطيع أن أقول بكل ثقة إنه بعد حرب 73 تم تحرير سيناء وحتى لو وصلت الجيوش لخط الحدود ووصلت إلى المضايق كما يقول ويرى البعض أرى أن هذا ليس حلاً للقضية لأن هناك أجزاءً أخرى كانت محتلة من سوريا وفلسطين.. ـ د. مصطفى خليل ماهو دورك عندما بدأ السادات في الاتجاه نحو التعددية السياسية؟ ــ خليل: لم أكن بعيداً عن الأحداث وكنت أعلم تماما كيف يفكر الرئيس السادات الذي كون لجنة من 40 شخصية مصرية وأطلق عليها لجنة مستقبل العمل السياسي، وكنت رئيسها بعد سيد مرعي الذي رأسها لمدة أسبوع وتم طرح موضوع التعددية وحل الاتحاد الاشتراكي وتحويله إلى منابر.. وكنت وقتها أمين عام الاتحاد الاشتراكي، وعندما طرح الموضوع 8 أعضاء في اللجنة طالبوا ووافقوا على إنشاء أحزاب سياسية فوراً وأن يتم الغاء الاتحاد الاشتراكي ونادى 38 من الأعضاء بأهمية بقائه مع اضافة غرفة معارضة معنية بالأعضاء المعارضين حيث يسمح لهم بغرفة بتواجد الرأي الأخر داخل الاتحاد الاشتراكي نفسه أما باقي الاعضاء ويبلغ عددهم 90 طالبوا بتقسيم الاتحاد الاشتراكي إلى منابر سياسية.. وقد كان.. ـ اذن كيف تحولت المنابر إلى أحزاب سياسية؟ ــ تم إنشاء ثلاثة منابر بناء على رغبة أغلبية الأعضاء منبر للوسط يرأسه ممدوح سالم، ومنبر لليسار بزعامة خالد محيي الدين، ومنبر لليمين بزعامة مصطفى كامل مراد.. بعد ذلك وبعد الانتخابات التي جرت جاء مجلس الشعب وقال طالما المنابر دخلت على أساس حزبي تتحول إلى احزاب ومن هنا جاء تكوين الاحزاب وكان لابد من وضع قانون ينظم هذه العملية وينشط العمل الحزبي. ـ كيف؟ ــ لا أنكر أنني لعبت دوراً في رسم القانون والذي حرصت عليه الا يكون الحزب الذي يراد تأسيسه امتداداً من فكرة او حزب سياسي في الخارج بمعنى الا تكون هناك أحزاب لها علاقة بأحزاب خارجية فمثلاً لا يتم تأسيس حزب شيوعي له علاقة بالشيوعية في الاتحاد السوفييتي او الشيوعية العالمية.. او لا تكون هناك أحزاب لها علاقة بدولة عربية او على علاقة بها. ـ لكن هذا القانون واجه اعتراضات كثيرة؟ ــ الاعتراضات جاءت في مرحلة متقدمة وأن الحكومة تمول الاحزاب ليس عيبا.. لأن الحزب لا يقدر على هذه المسألة.. فالحكومة تمول انتخابات الرئاسة في الولايات المتحدة وكما قلت.. كنت حريصاً على ألا يكون هناك تمويل مالي من الخارج لأي حزب وألا يكون هناك اتصال بين الاحزاب في مصر والأحزاب الخارجية حفاظاً على الأمن القومي المصري. ـ ومع ذلك أغلب الأحزاب تم تأسيسها بناء على صدور أحكام قضائية؟ ــ ليس كل الأحزاب وبدأنا بحزب الوفد الذي أطلق على نفسه الوفد الجديد، وكان هناك لجنة تنظر في طلبات الأحزاب التي تسعى إلى التأسيس والممارسة السياسية والذي تنطبق عليه الشروط يتم السماح له بالعمل. التحول كان ضرورة ـ د. مصطفى خليل يرى البعض أن القانون الذي وضعته به سلبيات كثيرة وانه أعاق الحياة السياسية القائمة على التعددية الحقيقة؟ لا أنفي مسئوليتي في الاشتراك في مشروع قانون الأحزاب او في تجربة التعددية السياسية في السبعينيات والقانون تضمن مبادئ مهمة في ضوء الاوضاع السياسية التي كانت موجودة في ذلك الوقت. اما اذا كان القانون يحتاج إلى تعديلات فهذا وارد.. اهم شيء في هذه المسألة ألا يكون الحزب له امتداد أوصلة بأحزاب في الخارج بمعنى آخر «مستقل» وأؤكد على الاستقلالية الخاصة بالأحزاب. ـ د. مصطفى نتحول بالشهادة إلى قضية أخرى مازالت مطروحة على الساحة المصرية وهي تجربة الانفتاح الاقتصادي والتي واجهت انتقادات كثيرة، فقد قال البعض ان السادات فتح الباب على مصراعيه مارأيك؟ ــ التحول الاقتصادي كان ضرورة لأن القطاع العام أصبح عبئاً وحقق خسائر وكان يتطلب هذا «قروضا وديوناً» من الخارج فكان لابد من دخول القطاع الخاص بمدخراته لدفع عملية التنمية. ـ د. جودة عبد الخالق كيف ترى تجربة الانفتاح الاقتصادي التي بدأها السادات في السبعينيات والتحول من الاقتصاد الموجه إلى الاقتصاد الحر؟ ــ عبدالخالق: أعتقد أنه انفتاح بدون تصور او تصور ساذج مبنى على انسحاب الدولة من الساحة الاقتصادية و«ترك الحابل على الغارب» للقطاع الخاص وهذا غير وارد في عالم الاقتصاد لأن هناك اعتبارات كثيرة وان المسألة لا تتم بهذه البساطة وأحب أقول ان غياب الدوله لا يشجع الفرد على الاستثمار. ـ وما ردك على الانتقادات التي وجهت إلى سياسة الانفتاح الاقتصادي بأنها تمت دون ضوابط؟ ــ د. مصطفى خليل ان الانفتاح لم يتم بطريقة «السلاح مداح» كما يقول البعض.. فبعد الاخذ بتجربته والتحول إلى الديمقراطية كان طبيعياً ان يتم التحول نحو الاقتصاد الحر والخصخصة كما يطلقون عليها الآن وتم التحول إلى اقتصاديات السوق لتخفيف العبء على القطاع العام الذي حقق خسائر كبيرة.. أقول ان الانفتاح الاقتصادي يزيد الفجوة بين الطبقات.. هذه حقيقة.. ومصر بها إنفاق استهلاكي لا داعي له وغير ذي جدوى ويمكن للناس أن يرشدوا انفاقهم.. ـ عملية السلام بين مصر واسرائيل هل تحرك السادات نحو السلام بعد رفض اسرائيل مبادرة «روجرز» كان مغامرة غير محسوبة؟ ــ غير صحيح فقرار السلام تم مناقشته في لجنة الأمن القومي التي كنت عضوا بها بحكم رئاستى للاتحاد الاشتراكي، وتم التوصل لاقتناع باتجاهات الرئيس السادات نحو السلام وفي هذا الأطار ارسل حسن التهامي إلى المغرب لمقابلة موشي ديان، بعدها عاد التهامي وقال للسادات ان إسرائيل مستعدة للدخول في اتفاقيات سلام يتم من خلالها الجلاء عن سيناء وإزالة المستوطنات وكان هذا ضوءً أخضر لبدء عملية السلام.. ـ هل قرار السادات بزيارة القدس كان مفاجأة لك؟ ــ لم يكن مفاجأة حيث تم عرضه على لجنة الأمن القومي وبعد انتخاب مناحم بيجين رئيسا لوزرائها. قابل السادات الرئيس الروماني شاوشيكوا وقال له نفس الكلام الذي قاله التهامي للسادات أن اسرائيل مستعدة للتفاوض للوصول إلى حل. ـ السفير صلاح بسيوني.. انفردت مصر بالحل مع اسرائيل ولم تتبن موقفا عربيا موحدا في التفاوض مع إسرائيل للحصول على باقي الحقوق؟ ــ بسيوني: اعتقد أن السادات لم يكن يعتقد أن هناك إمكانية لتكوين موقف عربي موحد ومن هذا المنطلق أخذ قراره بالذهاب لإسرائيل وتوقيع معاهدة السلام، والحقيقة ان العرب لم يكونوا على وعى بأهمية التحرك المصري وتغافلوا أو تناسوا بدهية أن مصر صاحبة قرار الحرب والسلام أيضاً. د. مراد وهبة كان من المستحيل أن ينتظر السادات حتى يتم بناء موقف عربي موحد.. لأن معنى هذا الانتظار حتى يتم تكوين تيار علماني يقف ضد التيار الذي يرفض كل شيء وهذا قد يأخذ وقتا طويلاً.. لكن الذي فعله السادات أنه اختصر الطريق بزيارته وتوقيع المعاهدة.. وهنا أقول للذين يرون أن السادات في ذلك الوقت لقى هجوما عنيفا على زيارته ومبادرته.. أنه عندما يأتي رئيس دولة ويكون صاحب رؤية مستقبلية غريبة ومفاجئة لا نتوقع ان تلتف الناس حوله.. ـ د. أحمد ثابت أستاذ العلوم السياسية بكلية الاقتصاد جامعة القاهرة الظروف السياسية التي صاحبت زيارة السادات للقدس وتوقيعه للمعاهدة وهل تؤيد ما يقال ان السادات سبق عصره بهذه الزيارة والحصول على الحقوق المصرية؟ ــ مسألة السادات سابق لعصره هذه وجهة نظر مدعمة بآراء وحجج كثيرة فقد تنبأ بأن الولايات المتحدة هي القوة الوحيدة في النظام الدولي وان الاتحاد السوفييتي في طريقه للانهيار. لكن زيارة القدس قرار عليه خلاف من زاوية الرئيس السادات لم يقدر التوقيت المناسب للزيارة والظروف التاريخية.. وكان يمكن لمصر التي خرجت منتصرة من حرب اكتوبر الحصول على مكاسب اكبر من خلال غطاء دولي اوسع من الولايات المتحدة.. وتقديره بأن الاتحاد السوفييتي انتهى كان غير صائب لأنه كان يشكل عامل توازن وغيابه أدى إلى انفراد أميركا بعملية التسوية وغاب عن الرئيس السادات الخبرة الفيتنامية حيث كانت فيتنام في حربها مع الولايات المتحدة تستفيد من الاتحاد السوفييتي والصين.. ـ د. مصطفى لماذا طلبت مرافقة السادات في رحلته للقدس؟ ــ تحدثت اليه مباشرة وطلبت الذهاب معه وقلت له أنا لم أطلب منك اي شيء قبل هذا لكن الدور الذي اعلنت عنه أحب أن أسير معك فيه، فقال لي أنت بتعرض نفسك لمشاكل كثيرة. قلت له انا مؤمن بطريق السلام لاننا لا نستطيع ان نحارب مرة أخرى لان أي حرب أخرى مع إسرائيل تعنى حرباً مع الولايات المتحدة.. ومن هنا أؤمن بالحل السياسي الذي تسير فيه وبالفعل ذهبت معه وعندما نزلنا بالطائرة كانت اسرائيل وقادتها غير مصدقة ما يحدث لدرجة أنهم كانوا وقواتهم في حالة تأهب قصوى لأنهم كانوا يرون أن السادات جاء يفجر قنبلة بمجرد نزوله من سلم الطائرة وألقى السادات خطابه الشهير في الكنيست وكان خطاباً قوياً ثم بعد ذلك بدأت المفاوضات التي انتهت بالسلام واسترداد مصر لأرضها كاملة.