قصة جمال عبدالناصر مع لبنان رواية مثيرة من ثلاثة فصول. الفصل الأول يمتد من العام 1952 حتى العام 1958 ابان عهد كميل شمعون رئيساً للجمهورية، والفصل الثاني من العام 1958 حتى العام 1967 خلال عهد فؤاد شهاب والشهابية، والفصل الثالث من العام 1967 الى العام 1970 ايام رئاسة شارل حلو. وتشاء الصدف التاريخية ان يتزامن قيام الثورة المصرية بقيادة جمال عبدالناصر في 23 يوليو 1952 مع قيام انقلاب سياسي ابيض في لبنان اوصل بعد شهرين كميل شمعون الى سدة الرئاسة في 22 سبتمبر من العام عينه. واتسمت ولاية شمعون بالخصومة مع عبدالناصر وتحولت تدريجياً الى عداوة اوصلت لبنان الى الانقسام المسلح في العام 1958 بين الناصرية والشمعونية. مثلت الناصرية قيام النظام الاشتراكي في الداخل، والتفاهم مع الاتحاد السوفييتي في الخارج مع تكتل دول عدم الانحياز، ومثلت الشمعونية نظام الاقتصاد الحر في التفاهم مع الولايات المتحدة والانحياز الى ما عرف آنذاك «بمشروع ايزنهاور» و«بحلف بغداد». في أحداث 1958 المسلحة تحالف كميل شمعون مع حزب الكتائب اللبنانية والحزب القومي السوري الاجتماعي لمواجهة المدّ الناصري الذي كاد ان يطيح بكل شيء امامه. وانتهت هذه الاحداث بنزول المارينز الاميركي على الشاطيء اللبناني بعد الانقلاب الناصري في العراق، وتخوف واشنطن من سقوط العرش الهاشمي في الأردن. وانتهى الفصل الاول برحيل كميل شمعون عن الحكم، وانتخاب قائد الجيش فؤاد شهاب رئيساً للجمهورية، واعلان مبدأ لا غالب ولا مغلوب، وكان الرئيس الجديد قد ابقى الجيش اللبناني بمنأى عن التورط في احداث 1958، مما اثار خلافاً مع كميل شمعون، وسمح للمعارضة المسلحة من بسط سيطرتها على رقعة واسعة من الأراضي اللبنانية عن طريق تدفق السلاح من الحدود السورية. وفي أول خطوة له لانهاء النزاع المسلح اللبناني عقد فؤاد شهاب وعبدالناصر لقاء داخل خيمة نصبت على الحدود اللبنانية ـ السورية في وقت كان فيه جمال عبدالناصر رئيس «الجمهورية العربية المتحدة»، وشكل هذا الاجتماع بداية الفصل الثاني في العلاقات اللبنانية ـ المصرية. وجرى تفاهم صريح بين الرجلين: فؤاد شهاب قرر ان يسير في خط جمال عبدالناصر العربي في السياسة الخارجية، وجمال عبدالناصر قرر ان يؤيد السياسة الداخلية التي يتبعها فؤاد شهاب، وتطور هذا التفاهم بين الرجلين لصالح لبنان الذي وصل الاستقرار والازدهار فيه إلى ما عرف «بالعصر الذهبي» في لبنان. واستمرت العلاقات اللبنانية ـ المصرية مستقرة على الرغم من حركة الانفصال التي اسقطت الوحدة بين سوريا ومصر، وعلى الرغم من بدء تسلل المنظمات الفلسطينية الى لبنان وفي مقدمتها «فتح» و«الصاعقة» الى ان نشبت حرب يونيو 1967. بعد حرب يونيو ادرك عبدالناصر اهمية الصيغة اللبنانية واهمية دور لبنان في العالم. فبدأ يكتشف ان التعددية، ولاسيما تعددية الطوائف ليست بدعة بل واقعاً تاريخياً لا بد منه. كما اكتشف ان سياسة تعاون لبنان مع الغرب، ولاسيما مع باريس وواشنطن، اعطت ثمارها وحالت دون الاحتلال الاسرائيلي، وراح ينظر الى لبنان كوطن ودولة، في حين كان يتصور ان للبنان، «وظيفة» تجارية، وانه «ساحة» مفتوحة للصراع العربي ـ الاسرائيلي، وكان الفصل الثالث والاخير لعبد الناصر ولبنان بعد نكسة 1967. حرب النكسة اغرقت الدول العربية المتاخمة لإسرائيل، باستثناء لبنان، في حالة الاحتلال الإسرائيلي. وتحولت مصر وسوريا والاردن والضفة الغربية الى اراض عربية محتلة، باستثناء لبنان الذي حافظ على كامل اراضيه، وكان عبدالناصر يردد في هذه المرحلة لمن يلتقيه من اللبنانيين، وكانوا كثراً يزورون القاهرة: حافظوا على وحدتكم الوطنية، ولا تتركوا لبنان يدخل في نادي الدول العربية «المعاقة»، اي المحتلة اراضيها. ولم يقدر لبنان ان يحافظ على وحدته الداخلية بسبب دخول المنظمات الفلسطينية بقوة الى ارضه، ولا سيما بعد معارك «ايلول الاسود» في الاردن، ووقعت صدامات عسكرية في الجنوب بين المنظمات الفلسطينية والجيش اللبناني، سرعان ما تحولت الى اضطرابات ومظاهرات وأزمة سياسية بين رئيس الجمهورية شارل حلو ورئيس الحكومة رشيد كرامي، مما حمل عبدالناصر على التدخل المباشر لمنع الانقسام الخطير، فدفع بكل الفرقاء إلى توقيع ما عرف باتفاقية القاهرة في نوفمبر من العام 1969. وقد اعترفت هذه الاتفاقية بحق الفلسطينيين في تسليح المخيمات حفاظاً على امنهم الذاتي. ووافق رئيس الجمهورية شارل حلو والقيادات والاحزاب المسيحية على هذه الاتفاقية على الرغم من معارضتهم مبدأ تحويل المخيمات الى جزر امنية وعسكرية خارجة عن الشرعية اللبنانية، لكن عبدالناصر قدم لهذه الاطراف ضمانته الشخصية بأن منظمة التحرير الفلسطينية بقيادة ياسر عرفات لن تتخطى السيادة اللبنانية، وكان الرئيس المصري قد كسب ثقة الدولة اللبنانية والقيادات المسيحية حين بدأ في الفصل الاخير من علاقته يتفهم جوهر الصيغة اللبنانية ويدافع عن الخصوصية اللبنانية، وكان قد منح بيار الجميل رئيس حزب الكتائب اللبنانية وساماً مصرياً بارزاً، كما التقى ابنه البكر خالد بشير الجميل اثناء زيارته لبنان من ضمن فريق مصر لكرة السلة. وهكذا بدأ عبدالناصر حكمه في عداوة مع لبنان، وانهى عصره في صداقة مع كل اللبنانيين، في البدء شكلت الناصرية خطراً على الخصوصية اللبنانية، وفي النهاية صارت الناصرية خط الدفاع العربي الأول عن نظرية الحفاظ على لبنان قوة مساندة وليس قوة مواجهة مع إسرائيل، وعن ضرورة الحفاظ على سيادة لبنان واستقلاله وسلامة اراضيه. قصة عبدالناصر مع لبنان بدأت خلافاً سياسياً وصل الى حد الصدام العسكري في العام 1958، وانتهت تفاهماً وصل الى حد وقوفه الى جانب الحق اللبناني في مواجهة الهجمة الفلسطينية في العام 1969. في البدء لم يفهم جمال عبدالناصر لبنان من منظار مشروعه الوحدوي، وفي النهاية تفهمه من منظار مشروعه القومي وفي صراعه الثقافي مع إسرائيل.