في الليلة الظلماء يفتقد البدر.. ما أحوج الأمة إلى عبد الناصر القائد، الثائر، العروبي، الإنسان!. بعد مرور «خمسين عاما» على اندلاع الثورة المباركة بقيادته أصبحنا الآن في حاجة جديدة إلى الرمز، عدنا نقلب الصفحات ونحتفي بالقائد الذي ظل عرضة للسهام طيلة 32 عاما مضت منذ الرحيل. وهذا الزخم الإعلامي والجماهيري والسياسي الضخم في ذكرى اليوبيل الذهبي للثورة لا يعكس حنينا إلى الزمن الجميل فحسب، ولكن يترجم مفردات أزمة يحتاج الخروج منها إلى نهج وفكر ورؤية جمال عبد الناصر. كان عبد الناصر وطنيا خالصا، عروبيا حتى النخاع، كان يدرك أن سقوط القدس أو بغداد أو أية عاصمة عربية يعني سقوط القاهرة، ولذلك بقي حتى اليوم الأخير يحلم بالقضاء على الصهيونية وتحقيق حلم الوحدة. تآمروا عليه كثيرا في حياته، لكنهم أبدا لم يشغلوه عن مهام التحرر الوطني والاجتماعي والديمقراطي، فقد بقي عبد الناصر حتى يومه الأخير مناضلا في الميدان منحازا إلى الأغلبية الساحقة من أبناء الوطن والأمة رافضا التسليم بسياسة الأمر الواقع. لم يكن اسيرا للسلطة أو عبدا للكرسي، ولم تكن لديه تطلعات طبقية، كان فقط اسيرا للمبادئ والأهداف الستة التي طرحت مع بداية الانطلاق في منتصف القرن الماضي. وعندما كانوا يقولون له ماذا فعلت لأولادك الخمسة كان يرد بالقول «اعرف الناس في بلدنا واعرف طيبة قلوبهم واعرف انهم من بعدي سيضعون أولادي في عيونهم». وعندما رحل عبد الناصر كان كل ما تركه 4 آلاف جنيه، 1500 منها بوليصة تأمين على حياته عقدها قبل سفره لحرب فلسطين في نهاية الأربعينيات، و2400 جنيه في حساب باسمه ببنك مصر. كان عبد الناصر يفصل بين راتبه الخاص وبين المال العام، كان في إمكانه أن يغترف كما يشاء، لكن الحقائق التاريخية أثبتت أنه مات وهو مدين للدولة بمبلغ 26 ألف جنيه تكاليف بناء شقتين لابنتيه هدى ومنى. نعم لم يضعف عبد الناصر أمام اغراءات الحياة والسلطة، ظل محافظا على نقائه وطهارته وإخلاصه لمبادئه حتى اليوم الأخير. وفي ظل الأزمات والمؤامرات، كان الزعيم الراحل يبدو اقوى مما يتصور أعداؤه بكثير.. تحدى الإنجليز أجبرهم على الخروج من مصر، أمم القناة واتخذ القرار الذي حذره منه الكثيرون.. وساعة وقوع العدوان الثلاثي نصحه أحد رفاقه في مجلس قيادة الثورة بأن يستسلم ويسلم نفسه للسفارة البريطانية، لكن القائد العظيم تحدى الجميع، واستنهض الجماهير، وخاض الحرب وانتصر. وفي 1967 توقع البعض نهايته وسقوط أسطورته إلا أن عبد الناصر «المهزوم» راح يتحمل المسئولية ويعلن التنحي، فإذا بالجماهير المصرية تخرج إلى الشارع بعفويتها المعهودة لتهتف رافضة التنحي ولتعلن وقوفها صفا واحدا خلف قائدها التاريخي لحين تحقيق النصر. وفي فترة زمنية لم تزد على الستة أشهر كانت قدرة مصر الدفاعية قد استكملت، وفي عام 68 كانت قواتنا المسلحة قادرة على الردع بمعارك المدفعية على جانبي القناة، وفي 69 والنصف الأول من 1970 كانت حرب الاستنزاف قد بلغت أوجها. نعم هزم «عبد الناصر» لكن إرادته لم تهزم، فبقي شامخا، رافضا قبول سياسة الأمر الواقع، وحتى في الحالات التي قبل فيها بالقرار 242، أو مبادرة روجرز لأسباب تكتيكية، كان يقول للفلسطينيين لا تقبلوا، بل ارفضوا وقاوموا. إن إعادة قراءة تاريخ الثورة وتاريخ عبد الناصر هو أمر مهم ليس فقط للأجيال الجديدة التي لم تشهد الإنجازات والانتصارات، ولكن لهؤلاء الذين تعرضوا على مدى سنوات طوال لأكبر حملة تشويه منظم لثورة يوليو وقائدها التاريخي. بقي أن نقول إن قياس نبض الشارع المصري والعربي في هذا التوقيت تحديدا يؤكد مجددا على حقيقة هامة أن ذاكرة الأمة لا يمكن أن تنسى قادتها العظام، وإن الحنين إلى عبد الناصر الرمز والقيمة يعني أن الشارع العربي حدد اختياراته منذ زمن طويل ولا يزال باقيا على العهد.