تخيل وجود الرئيس جمال عبدالناصر سهل، ربما يكون أسهل رئيس يمكن تخيله بالنسبة الينا في مصر، لأنه ببساطة كان في حياته، ملء الدنيا وشغل الناس الشاغل، وصار كذلك أيضا، بشكل أعمق، بعد وفاته، الى درجة بدت معها الدولة المصرية، ليس لها اي عمل إلا محو صورته مما أدى في النهاية الى تركيز وتعميق هذه الصورة، لأن الدولة المصرية، وببساطة، لم تقدم بديلا ناجحا للفترة الناصرية. لقد فككت كل عناصر المجتمع الناصري، لكنها لم تقدم مجتمعا بديلا كاملا، بل كل الذي حدث هو تقديم مجتمع مشوه، وموجز الأمر أننا في مصر على المستوى الاقتصادي نعيش مجتمعا رأسماليا بقوانين شمولية، ونعيش سلاما مشوها مهددا بالحرب في كل وقت، ونؤكد على عروبتنا في الوقت الذي ابتعدنا فيه كثيرا عنها، وهكذا. كل شيء للأسف مشروخ وهو وضع غريب يجعل أي شخص يحن الى الماضي، الذي كان أفقر لكنه أوضح وأكثر تماسكا واتساقا حتى في زمن الهزيمة. على أي حال ما الذي كان يمكن أن يفعله جمال عبدالناصر في الأزمة الراهنة لو كان موجودا بيننا. ببساطة يمكن أن يقال انه لو كان موجودا بيننا لما حدثت الأزمة الراهنة ولما انتهت الأمور على هذا الحال، لكننا نريد أن نرسل رسالة الى الذين هم «هنا والآن» - مع الاعتذار لعبدالرحمن منيف. 1- كان المقاومون الفلسطينيون سيوقعون أكبر قدر من الخسائر في القوات الاسرائيلية، لأنه ببساطة، كان عبدالناصر يؤمن لهم جسرا سريا من السلاح الخفيف والمتطور. وكان المقاوم الفلسطيني الواحد يستطيع تفجير أكثر من دبابة اسرائيلية بالآر. بي. جي الذي تم تهريبه من مصر بناء على تعليمات عبدالناصر السرية. وكان أيضا سيدفع ببعض خبراء تصنيع السلاح لتصنيع الآر.بي. جي في الضفة وغزة في أماكن سرية تتم تهيئتها بواسطة أجهزة المخابرات. وهكذا يصبح الفلسطينيون قادرين على ايقاع أكبر قدر من الخسائر في العتاد العسكري الاسرائيلي، ويضاف المقاوم الفلسطيني الى سجل صائدي الدبابات المصريين وسيكون لذلك بالتأكيد تداعيات داخل اسرائيل نفسها، فالليكود الذي يستمد قوته من تفوقه على الفلسطينيين كان سيبدو أمام ناخبيه وأعضائه حزبا مجنونا يعيش في الأوهام ومن ثم يتهيأ الطريق الى خروجه. هذا من ناحية. من الناحية العملياتية كانت اسرائيل ستجد أنها مضطرة لتحييد سلاحها المدرع من المعركة، وفي هذه الحالة ستكون خسارتها فادحة، لأن المواجهة الشخصية بين جنودها والمقاومة الفلسطينية دون مساندة ميكانيكية ستنتهي لصالح المقاوم الفلسطيني، فالجندي الاسرائيلي، دون دبابة سيسأل نفسه لماذا أنا هنا، حتى من باب فتح الطريق للهروب من الجندية. لم يكن سيبقى أمام اسرائيل عسكريا إلا سلاح الجو، وفي هذه الحالة ستجد أنها مضطرة لتغيير تكتيكها الانتقائي الذي تتبعه الآن في ضرب أهداف محددة، الى حرب شاملة، ولا أظن أن العالم كان سيسمح للطائرات الاسرائيلية بالابادة الشاملة. 2- على المستوى الشعبي العربي لم يكن المتظاهرون سيواجهون بأي نوع من القمع في أي بلد عربي، مصر أو غيرها، وكانت الأحزاب والجمعيات الشعبية ستنشط في العمل ضد كل ما هو أميركي واسرائيلي، فكانت حملة المقاطعة ستكون أكثر تأثيرا، وحركة استقبال السفن والطائرات الأميركية كانت ستتعرض للمقاطعة من قبل العمال والفنيين، سيلعب عبدالناصر اللعبة البسيطة جدا التي لم يستطع أي زعيم عربي أن يلعبها، أن يترك الناس تفعل ما تشاء ويبدو هو بعيدا غير قادر على قمع الناس، لأنه ببساطة غير مريد لذلك، ثم أنه يمكن ببساطة رفع شعار الديمقراطية التي ترفعها اسرائيل أمامنا كل يوم وكذلك أميركا. فالديمقراطية تعطي الناس الفرصة للتظاهر حول السفارات الأميركية وتقديم احتجاجات ومقاطعة كل ما هو أميركي. كان عبدالناصر سيترك الفرصة للناس تفعل ذلك مستترا بالديمقراطية، هذا إن لم يكن قد تغير هو نفسه مع الزمن وصار ديمقراطيا!! وكنا سنجد حركات شعبية تلقائية قد تكونت في بلاد الشام والخليج تقطع النفط عن أوروبا إذ ترفض العمل في شركات النفط وتصديره أو تقوم بتخريب أنابيب البترول ومنع السفن الأجنبية من الاقتراب من الموانئ العربية. كنا سنجد عشرات الحاويات تعود فارغة من الخليج وكان هذا سيدعو الدول العربية، الحكومات أقصد، الى البحث عن وسيلة جديدة لاستخدام هذا السلاح الذي يصل تأثيره السياسي الى رجل الشارع العادي في العالم. باختصار كانت أميركا ستجد أن مصالحها الاقتصادية مهددة، لكن هذه المرة دون خطب شديدة اللهجة لكن بعمل شعبي مستقل عن الحكومات ورائده تشجيع خفي وثقة هذا العمل نفسه في قيادة تاريخية مثل قيادة عبدالناصر. 3- كان عبدالناصر سيرفض لقاء أي مسئول أجنبي أو اسرائيلي وكان سيرفع شعار «العنوان عرفات» مثلا أو «العنوان فلسطين» أو ما أشبه ومن ثم كان المسئولون العرب سيمتنعون عن استقبال كولن باول أو ديك تشيني أو غيرهما بهذه الطريقة التي لا تخلف وراءها إلا تكهنات بالاستسلام جعلت رجلا ضعيفا مثل ديك تشيني يصرح في أوروبا قبل جولة في الشرق الأوسط أنه ذاهب ليأمر لا ليتناقش والحكومات العربية ستنفذ ولا تعترض!! ومن ثم سينتهي هذا الجو الغامض الذي يغلف هذه الزيارات والتي تخرج عنها بعض التكهنات بالخيانة والاتفاقات السرية وغير ذلك مما يربك الحركة الشعبية العربية. كان عبدالناصر سيغنينا عن هذا كله بعدم استقبال أي وفد أميركي أو اسرائيلي حتى يتم الانسحاب، وبهدوء، وبمقتضى القوانين الدولية والمواثيق والمعاهدات العربية، وحقوق الانسان في العالم الذي تتشدق به أميركا والغرب وبكثير من القيم الانسانية التي يرفعها الغرب، وبالذات أميركا وانجلترا، في وجوه العرب والفلسطينيين لتقتلهم بعد ذلك. لقد تعلم عبدالناصر النبرة الهادئة بعد هزيمة 1967 ورأيناه من يومها يعمل في صمت ويناور بهدوء. لم يكن أي زعيم عربي سيقدر على الخروج عن الصف، سرا بالذات، ومن ثم ستصل المقررات المادية الى السلطة الفلسطينية والى الشعب الفلسطيني، وكان الأردن سيفتح حدوده سرا لحركة نقل السلاح وتهريبه. وكان عبدالناصر سيفتح قناة اتصال علنية وسرية مع الاتحاد الأوروبي بشكل يجعل هذا الاتحاد أكثر فعالية مما هو الآن وكان يمكن أن يحول حركة الاستيراد المصرية والعربية بشكل كبير الى أوروبا يساعده في ذلك تاريخ قديم من العلاقات ومن ثم كان سيساهم بشكل كبير في تعزيز قوة اليورو أمام الدولار وعندما تجد أوروبا أن مصالحها ستتعزز مع العرب على حساب المصالح الأميركية كان ذلك سيكون دافعا قويا بين الأحزاب والهيئات والجماعات السياسية الأوروبية التي تحركت بقوة في اتجاه الحق الفلسطيني هذه المرة. 4- كانت مراكز الاعلام في الخارج ستجد نفسها تعمل عملا محموما في أوساط المثقفين الأوروبيين، فتقيم الندوات والمعارض حول تاريخ القضية الفلسطينية وواقعها وتستقطب أكبر عدد من المفكرين الأحرار الأوروبيين وتقدم تسهيلات لهم لزيارة فلسطين وغيرها والالتقاء مع المثقفين المصريين والعرب مما يكون له تأثيره الكبير. 5- لم يكن هناك حصار للرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، ببساطة لأن الدبابات الاسرائيلية لن تكون قادرة على الاقتراب من المقر بسبب السلاح المضاد للدبابات، الآر. بي. جي الذي تم تهريبه من قبل الفلسطينيين بشكل سري ولم تستطع المخابرات الاسرائيلية اختراقه. وعدم القدرة على محاصرة عرفات لأنه سيعطي السلطة الفلسطينية القدرة على ادارة أزماتها بشكل أفضل كما أن القضية ستكون أكثر وضوحا، وهي الاحتلال، بحيث لن ينشغل الناس بعرفات في الوقت الذي تقوم فيه اسرائيل بتدمير الشعب الفلسطيني نفسه. هذه الخطة الاسرائيلية لم تكن لترى النور أو تتنفذ على الأرض كما هو واضح الآن.. 6- كانت العمليات الاستشهادية ستزداد لتصبح مجالا كبيرا للتنافس بين الفصائل بشكل أكبر مما هي عليه الآن. ولم تكن مسألة مناقشتها على هذا النحو الفج سترى النور، بل على العكس، كان الاجماع على شرعيتها سيكون أكبر مما هو الآن خصوصا بين جبهة المثقفين والسياسيين والحكام. باختصار كانت أزمة الفلسطينيين ستكون أقل، وخسائر الاسرائيليين أكثر، وفرصة استقرار أي حزب اسرائيلي في الحكم وقتا يتجاوز الأشهر ستكون صعبة مما سيرهق اسرائيل وفي النهاية لن تجد أمامها إلا الانسحاب، هذا من ناحية، من ناحية أخرى فالمواطن الأميركي الذي سيري مصالحه تتهدد في الشرق الأوسط سيكون ورقة ضغط على حكومته وسيجد الحمائم فيها فرصة أكبر على الصقور فيها، ولن يصبح أمام اسرائيل إلا أن تشعل النار في المنطقة كلها، لكن ذلك لن يخيف أحدا، لأن هذه المرة فضلا عن أنها ستواجه جيوشا قوية، ستكون مضطرة لاثبات قوتها داخل الأراضي المحتلة التي لا ينتهي فيها النضال كل لحظة، وهذا وضع جديد على اسرائيل لم تجربه من قبل، وستجد أن فكرة الحرب لم تعد مطروحة أو أن احتياطيها الاستراتيجي يجب أن يكون السلام ولا شيء آخر مع العرب، هكذا دون أن يحارب العرب، فقط لأنهم تركوا شعوبهم تتحرك خلف عبدالناصر وبإذنه وفقط لأن عبدالناصر صار أكثر قدرة على المراوغة ففعل الأشياء التي نراها صعبة جدا الآن بشكل شديد السهولة.