ماذا لو كان عبدالناصر حياً؟ سؤال افتراضي محض ليس الهدف منه الاغراق في الخيال بقدر ما يهدف الى كشف الواقع ومعالجة الثغرات الموجودة به. اشتهر الزعيم الراحل بانفتاح آفاقه الفكرية وتطوير أساليبه النضالية والاستفادة من تراكم الخبرات يوماً بعد يوم. فضلاً انه كان يضع نصب عينيه اهدافاً لا يحيد عنها.. ولا تثنيه عن تنكب طريقها مؤامرات المتآمرين، ظل يعتبر الاستعمار هو أس البلاء حتى آخر يوم في حياته كما كان معنياً ومهموماً طوال الوقت بالوحدة العربية وببناء دولة قوية مركزية في مصر تستطيع الوقوف في وجه أعتى الاعاصير. ماذا لو كان حياً؟ سؤال يغري بأعمال الفكر. الخبير الاستراتيجي اللواء صلاح الدين سليم يقول ان موقف الرئيس الراحل جمال عبدالناصر من إدارة الصراع العربي الصهيوني واضح ومعروف منذ بدأ مواجهة الاستعمار القديم في عدوان 1956 أو عندما دعا لدبلوماسية القمة العربية أيام أزمة تحويل إسرائيل لمجرى نهر الأردن في يناير 1964 ثم في اعادة بناء الجيش المصري حتى ينتقم لهزيمة يونيو 1967 ويحرر سيناء. ويضيف سليم ان عبدالناصر كان يرى دائما أن ما أخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة ولذلك فلو كان عبدالناصر موجودا الآن فإنه كان يمكن أن يركز على بناء أسلحة الردع الاستراتيجي المصرية والعربية وعلى تجميع الطاقات العربية وتكرار ما حدث في حرب أكتوبر 1973 حين نسقت مصر وسوريا جهودهما في القيام بعملية كبرى لتحرير الاراضي المحتلة عام 1967. ويرى اللواء سليم انه كان يمكن للرئيس عبدالناصر أن يستخدم شعبيته الطاغية في شحن الرأى العام العربي وفي ترجمة غضبته الى ما يتجاوز المظاهرات أو جمع التبرعات للقيام بأعمال ايجابية ضد مصالح العدو الإسرائيلي والقوى الكبرى التي تدعمه وهي أميركا موضحا ان الضغوط العربية لم تكن لتقتصر على الجانب المعنوي، بل كانت ستمتد قطعا الى الجانب المادي المؤثر مباشرة على علاقات التوازن الاستراتيجي في منطقة الشرق الأوسط. أضاف اللواء سليم: بالقطع فإن استمرار جمال عبدالناصر بعد أن تعلم من هزيمة 1967 واستوعب أبعاد نصر أكتوبر 1973 كان سيعطيه الحافز الرئيسي للاستمرار في بناء القوة الشاملة والمؤثرة، لمصر عسكريا واقتصاديا وسياسيا مؤكدا أن ناصر كان سيحرص على ادارة علاقات تحالف متوازن مع القوى الكبرى في العالم، دون وضع البيض كله في سلة واحدة وهي السلة الأميركية. وقال سليم: مع كل ذلك فإنني كنت أتمنى الا نعول ـ كعرب ـ على شخص الزعيم وحده، فأظن ـ والكلام لسليم ـ إن الأمة العربية قد نضجت بما فيه الكفاية لكي يعرف الجانب الأكبر من شعوبها مصالحه الأمنية والحيوية والتحديات التي يواجهها ويدرك ان الصراع مع العدو الإسرائيلي هو صراع وجود جوهري وانه صراع قائم ومستمر في الجيل الحالي والأجيال القادمة، وأنه لابد من أن يواجه العرب الخطر الصهيوني الذي تدعمه الولايات المتحدة الأميركية بكافة أساليب القوة وأفراعها، دون تفريط في الحقوق العربية. ولفت الى استمرار مخطط الهجرة اليهودية الى فلسطين وانه سوف يزيد مليون يهودي جديد قبل نهاية العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. استطرد اللواء سليم: أعتقد انه من وجهة أخرى فإن عبدالناصر كان سيسعى في مصر ويدفع زملاءه الحكام العرب الى تكامل عربي حقيقي في المجال الاقتصادي لتوفير الاستثمارات المطلوبة لتنمية عربية حقيقية ولاستقطاب التكنولوجيا المتقدمة من مصادر متنوعة في العالم ومحاولة توظيفها في الأرض العربية للحاق بالثورة العلمية والتكنولوجية الثالثة، مشيرا الى ان عبدالناصر كان الرجل الذي بدأ سياسة التصنيع في مصر في القرن العشرين بعد قرن كامل من تراجع النهضة المصرية بعد ان تآمرت القوى العظمى والكبرى في العالم على الدولة الحديثة التي أقامها محمد علي في مصر. وحول موقف الرئيس عبدالناصر لو كان موجودا في ظل اتفاقيات التسوية العربية الاسرائيلية قال اللواء صلاح سليم ان عبدالناصر قبل مماته قبل بمبادرة روجرز وكان مستعدا لمعاهدة سلام مع اسرائيل تبنى على القرار 242 شريطة الانسحاب الاسرائيلي الكامل من كافة الاراضي التي احتلت في جولة 67، ودون أي تعديلات فيها. وأكد أن الرئيس عبدالناصر كان يعتبر أن القدس غير قابلة للتجزئه وانها أرض عربية صرفة وان لليهود الحق في الوجود في شطرها الغربي كمواطنين تحت السيادة الفلسطينية الكاملة، فلم يكن جمال عبدالناصر يقبل بالمرة لا تقسيم القدس ولا استيلاء اليهود على شطرها الغربي أو على اجزاء من المدينة المقدسة القديمة أو بالاستيطان حولها أو اقامة القدس الكبرى التي يريد لها شارون ان تشطر الضفة الغربية الى شطرين منفصلين. حلم الوحدة أحمد شهيب رئيس حزب الوفاق القومي يقول ان الأمة العربية فقدت برحيل الزعيم عبد الناصر أحد أهم رموزها. ولو كان موجودا معنا الآن خلال الـ 32 عاما الماضية فإنه كان لابد أن يكون قد حقق حلمه في توحيد الأمة. يضيف شهيب ان ما يجري الآن في المنطقة يعود إلى الاستعمار الذي احتل البلدان العربية وعندما رحل عنها ترك الخلافات بين أقطارها المختلفة ومازالت شعوبها تعاني من هذه الخطة الخبيثة. وعبد الناصر لو ظل موجودا لعمل على حل كل المشكلات فيما بين أقطار الأمة وتوحيدها خاصة في مواجهة الولايات المتحدة الأميركية التي تمثل رمز البجاحة والغطرسة في عالمنا المعاصر، مشيرا إلى أن عبد الناصر كان يعلم أن المعركة ممتدة مع الاستعمار بمختلف أشكاله وأن على الشعوب العربية أن تعلم أن حاضرها ومستقبلها هو في وحدتها وليس في أي شئ آخر. تعددية وعما كان سيفعله عبد الناصر بالمجتمع المصري تقول فريدة النقاش الكاتبة والقيادية بحزب التجمع ان عبد الناصر بدأ يفكر في التعددية السياسية حتى من قبل هزيمة يونيو، وقد أدرك أن صيغة الحزب الواحد الذي يجمع مختلف فئات الشعب وأفكاره في تنظيم واحد ليست صيغة صالحة، لذلك أنشأ التنظيم الطليعي والذي يقوم على إنشاء منظمة على أساس اختيارات فكرية واضحة والتي هي اختيارات عبد الناصر وليست اختيارات النظام كله. وأشارت إلى أن النظام كله كانت به أجنحة مختلفة إلى جانب الرجعية التي ظهرت آثارها فيما بعد رحيل عبد الناصر. وأضافت ان إستمرار عبد الناصر كان سيغير الظروف بالتأكيد ولم يكن ليحدث إنقلاب 1971 الذي انتهي بأن 99.9% من القضية الوطنية أصبحت في يد أميركا وهي الرؤية التي يدفع العرب ثمنها الآن. واستطردت أن عبد الناصر لو كان موجودا لم تكن لتتم تصفية القطاع العام بهذه الطريقة الوحشية التي أهدرت حقوق الشعب المصري مشيرة إلى ان القطاع العام هو نتاج لإبداعات هذا الشعب منذ عهد محمد علي. وتضيف ان عبد الناصر كان سيدرك أن القطاع العام في حاجة إلى تطوير خاصة وأنه ـ عبد الناصر - أدرك أن الرقابة الشعبية على مؤسسات المجتمع المختلفة شئ أساسي ومهم لاستقرار المجتمع وتطوره. وأكدت أن عبد الناصر كان سيسعى إلى إيجاد مؤسسات مستقرة راسخة للقرار السياسي وديمقراطية القرار لحماية التوجهات والتيارات الأساسية للثورة والتي حدث الإنقضاض عليها بسهولة بعد رحيل عبد الناصر ودون مقاومة تذكر بسبب القيود على الحريات التي أهدرت إمكانيات كانت متوفرة لتطوير الثورة. التاريخ لا يعرف لو عبد الغفار شكر الكاتب السياسي يؤكد في البداية أن السياسة والتاريخ لا يعرفان كلمة «لو» إلا أنه أكد أيضا أن الزعيم الراحل جمال عبد الناصر كان يبحث باستمرار عن الأفكار الملائمة للوقائع الجديدة في مصر.. مشيرا إلى أن المحاضر الخاصة بالإتحاد الإشتراكي تكشف أن عبد الناصر كان يطرح فكرة الإنتقال إلى التعددية الحزبية في مصر. وأضاف أن موضوع التعددية الحزبية جرت مناقشته بعد هزيمة يونيو 1967 مما يدلل على أن عبد الناصر كان يسعى دائما لمواكبة الأحداث الجارية في مصر والمنطقة والعالم أيضا. وأشار إلى أن برنامج 30 مارس الذي طرحه عبد الناصر تحدث عن المجتمع المفتوح وكان يقصد به وجود قدر أكبر من الإنفتاح السياسي وتعددية الآراء في المجتمع. قال شكر ان نظام الحكم الذي تبلور فيما بعد الثورة أصبح لعبد الناصر فيه دور مركزي على شكل زعامة تاريخية وثقل كبير فيما يتعلق بإتخاذ القرار، مشيرا إلى أن الأمر حدث نتيجة تطور الصراع في المجتمع المصري وأن عبد الناصر كان أكثر قدرة من زملائه على إدارة الصراع والأكثر إهتماما بالمعرفة مما حسم الصراع لصالحه. أضاف شكر ان معرفتنا بشخصية الرئيس عبد الناصر وخبراته تؤكد أنه كان سيتعامل على نحو ما مع كافة التطورات، ذلك أنه هو نفسه قام بتغيير أفكاره أكثر من مرة وكان دائما منفتحا على الجديد. استطرد شكر أعتقد أن عبد الناصر لو ظل موجودا بيننا لم يكن أبدا ليفرط في استقلال مصر ومواجهة الهيمنة وعدم القبول بالدخول في أحلاف مع دول عظمى مثل أميركا مثلما هو الحال الآن مع الرئيس الكوبي كاسترو.