لأكثر من سبب لا تزال ثورة يوليو التي نحتفل بمرور خمسين عاما على قيامها باقية في عقل ووجدان العرب جميعا قبل اشقائهم المصريين، فالثورة التي ارتبطت بحركات التحرير الوطني في أكثر من بقعة عربية عانت ويل الاستعمار، هي ذاتها التي انتصرت في مصر للفقراء والمعدمين، وكانت سلاح البسطاء في الاقتسام العادل للفرص في شتى المجالات. وعبدالناصر الذي قاد الثورة وخاض معاركها العديدة ليس مجرد زعيم مات فانتهت الثورة بموته.. فالثورة لا تزال ماثلة في صراعنا الأبدي مع العدو الاسرائيلي، وتبني جماهير الأمة العربية في الأشهر الأخيرة لشعارات الثورة وكلمات عبدالناصر التي تتمسك بأن ماأخذ بالقوة لا يسترد الا بالقوة. ** تلك خلاصة رؤية ضياء الدين داود وزير الشئون الاجتماعية في عهد عبدالناصر والأمين العام للحزب العربي الديمقراطي الناصري الذي يشدد في أكثر من موضع بحواره مع (البيان) على أن الثورة ورغم اشتداد حملات الهجوم والنقد في بعض الفترات لا تزال قائمة وأن معالمها الرئيسية مازالت راسخة وان حفلت التفاصيل ببعض التغيرات. سألت ضياء الدين داود مباشرة ماذا بقى من ثورة يوليو بعد مرور نصف قرن على تفجرها.. فقال.. على عكس مايراه البعض فأنا أرى ان المعالم الرئيسية لثورة 23 يوليو باقية ومازالت راسخة فعلى سبيل المثال فإن علاقة الثورة وعبدالناصر بالعرب على وجه الخصوص مازالت باقية في أذهان الجميع، فعبدالناصر الذي أولى أمته العربية اهتماما خاصة وأرسى مفاهيم القومية والوحدة العربية حظى بحب الجماهير العربية ولذلك فإنه لم يبرز حتى الآن في صفوف العرب من يعادي جمال عبدالناصر أو الثورة بقدر ما برز في صفوف المصريين، باعتبار انه في مصر هناك من أضيروا من ثورة 23 يوليو ممن تم الاستيلاء على اراضيهم بموجب قانون الاصلاح الزراعي ومن منعوا من استثمار أموالهم أو من تعارضت مصالحهم مع مبادئ الثورة وهؤلاء جميعا استغلوا اول فرصة للهجوم على الثورة وتبنوا مواقف معادية لها. أما على المستوى العربي فمازالت سياسات عبدالناصر والمعاني التي ارتبطت بالثورة مثل العزة والكرامة والاحساس بالكيان العربي الواحد والشموخ العربي في مواجهة كل القوى التي أرادت الانقضاض على الأمة العربية.. مازالت كل هذه الافكار والمواقف باقية في أذهان كل العرب، خاصة وان هذه القوى تحاول الآن الانفراد بالأمة العربية وتحاول السيطرة بأشكال مختلفة. وعلى الجانب الآخر فإن الاجيال التي مكنتها ثورة يوليو الصعود من قاع المجتمع الى وسطه والى صدارته من ابناء الفلاحين والعمال والطبقات التي كانت محرومة من التعليم والوظائف وكانت تحول قوانين مختلفة دون وصولها الى المواقع المختلفة، هذه الأجيال موجودة اليوم وتعيش في داخلها مبادئ ثورة يوليو والتاريخ دائما يذكرها بما كان عليه الاهل والمجتمع ثم مااصبح عليه هذا المجتمع من مساواة تعليم وفرص وظيفية وعلاج وما الى ذلك. ـ برأيك هل حدث تراجع عن المبادئ الاساسية التي أرستها ثورة يوليو؟ - مايوجد الآن هو نوع من التمرد أو الانتقام من ثورة 23 يوليو ممن أضيروا منها وممن يمكن تسميتهم بجرحى ثورة 23 يوليو، وهذا أمر طبيعي وليس عيبا في الثورة نفسها، ولكن لأن الثورة عملت لصالح جماهير الشعب على حساب مصالح الاغنياء وجعلت هناك نوعا من المساواة بين من كانوا خداما في وقت من الأوقات واصبحوا يتساوون في الحقوق والواجبات مع من كانوا يخدمونهم لدرجة ان بعض ملاك الاراضي قبل الثورة كانوا يستنكرون اتاحة الفرصة امام ابناء الفلاحين للتعليم على اعتبار انهم لن يجدوا من يخدمهم.. وهؤلاء المضارين من الثورة وجدوا فرصة للهجوم على بعض مبادئ الثورة ولكن في النهاية لا يصح الا الصحيح. ـ بعد مرور خمسين عاما شهدت مصر خلالها تغيرات عديدة كيف في رأيك يمكن الابقاء على منجزات الثورة ومبادئها حية ونابضة؟ - في رأيي أن تخليد الثورة لا يتم باجراءات مادية لان هناك نوعاً من الاحجام عن هذه الاجراءات انما على المستوى الشعبي والحكومي العربي مامن مناسبة تمر دون ان يحتفل العالم العربي بكل انظمته بثورة 23 يوليو، بل ان هناك بعض الافراد من دول الخليج وشخصيات اخرى في باقي الدول العربية يتم دعوتها للمشاركة في احتفالات الحزب الناصري بمناسبة مرور خمسين عاما على الثورة، ويمكن القول ان هناك نوعاً من الصحوة العربية وهناك أيضا نوع من الاقرار بالدور الخطير الذي قامت به ثورة يوليو في المجال العربي. ـ ولكن على المستوى الداخلي ماهو دوركم كحزب ناصري في الحفاظ على انجازات ومبادئ يوليو؟ - على المستوى الشعبي هناك اتصالات تتم دوما بيننا وبين كل القيادات الشعبية ونشاركهم ويشاركوننا فيما نعقده من مؤتمرات أو تجمعات يتم فيها توحيد وجهات النظر حول الكثير من القضايا التي تثار في الداخل بحيث يكون هناك تناغم بين كل القوى والتنظيمات السياسية التي تتجمع حول فكر واحد وهذا موجود بالفعل على ارض الواقع، فالجماهير التي خرجت في المظاهرات احتجاجا على الاعتداءات الاسرائيلية الهمجية على الشعب الفلسطيني كانت تحمل صور عبدالناصر وكانت تردد شعاراته وهذا لايحتمل سوى معنى واحد وهو ان عبدالناصر مازال حيا كرمز داخل كل الشعوب العربية وان مواقفه وسياساته هي الاصلح في مواجهة كل مايواجه الامة العربية الآن من تحديات، وقد حدث نفس الامر ايضا على مستوى الشارع العربي فالمظاهرات التي خرجت في كل قطر عربي حدث فيها نفس الأمر تعبيرا عن أن مواقف عبدالناصر وسياساته التي تدحض كل الدعاوي والقوى الطامعة في الأمة العربية هي خير معبر عن الموقف الذي يجب ان يتخذ في مواجهة اسرائيل باعتبارها العدو الأول للأمة العربية. ـ ازاء مايحدث من تراجع لمكتسبات ثورة يوليو هناك من يقول بأن الناصريين لم يلعبوا الدور المنوط بهم، بل ان الناصرية ماتت بمجرد رحيل جمال عبدالناصر. فما هو ردكم على هذا الاتهام؟ - هؤلاء الناس مصابون بالعمى السياسي ليس ذلك فقط بل انهم مصابون ايضا بعمى القلوب، فلا توجد ثورة ايا كانت تنتهي بوفاة زعيمها، لكن في نفس الوقت لا توجد أيضا ثورة تظل جذوتها موجودة كما هي ولكن الطبيعي ان يحدث بعض التغيرات ولكن ليس الهدم، كما حدث على سبيل المثال في الاتحاد السوفييتي فعندما حدث تغيير مفاجئ خرج الناس لتحطيم تماثيل لينين وستالين وهاجموا كل سياساتهما لكن الشارع العربي حتى الآن مازال يحيى ذكرى جمال عبدالناصر ويحتفي به وبثورته بل ان هناك مقاومة شديدة جدا برزت في مواجهة محاولات تصفية سياسات جمال عبدالناصر سواء في الداخل أو الخارج، فحتى الآن لا يجرؤ معارضو عبدالناصر على مهاجمته بشكل سافر ونفس الأمر في الوطن العربي حيث لم يستطع أي قيادي عربي مهما كان تناقضه مع ثورة يوليو مهاجمة الثورة، والدليل على ماقلت ان الاحتفالات التي تقام الآن بمناسبة مرور خمسين عاما على ثورة يوليو يشارك فيها الذين بقوا حتى الآن على عهد جمال عبدالناصر والداعين لسياساته مع الذين هدموا ومازالوا يهدمون في سياساته الثورة، ليس لانهم مؤمنين بالفعل بهذه السياسات ولكن لأنهم لا يجرؤون على مواجهة جماهير الشعب بشكل يؤكد نواياهم. ـ اذا انتقلنا بالحديث الى محطة اخرى وهي توليك للوزارة في عهد عبدالناصر فماهي ذكرياتك عن هذه الفترة؟ - توليت وزارة الشئون الاجتماعية بالاضافة الى وزارة شئون مجلس الأمة في الوزارة التي تم تشكيلها عقب هزيمة يونيو عام 1967 واستمر عملي الوزاري لمدة احد عشر شهرا وعندما التقيت لأول مرة بالرئيس جمال عبدالناصر عقب ترشيحي لتولي الوزارة استمر اللقاء مايقرب من نصف ساعة كان عبدالناصر حريصا وقتها على ازالة الحواجز النفسية بيني وبينه وكانت هذه هي طبيعته في التعامل مع كل الناس ومع المقربين منه وقتها شرح لي كيف وقع اختياره علي لتولي هذا المنصب الوزاري وذكر لي انه متابع لأنشطتي ومواقفي منذ فترة، وهو مايدل على ان الاختيار لم يكن عشوائيا أو انه يختار وزراءه بناء على نصائح الآخرين فلم تكن هذه طبيعته على الاطلاق. وعبدالناصر عندما كان يلتقي بالمرشح بالوزارة لأول مرة كان يفتح له قلبه ويعطيه كل ثقته ويتحدث معه بما يشعر السامع بانه اختاره بعد رؤية ومتابعة وانه ليس اختيارا عشوائيا بل مدروسا وله مبرراته. الأمر الاخر فإن عبدالناصر كان يتحدث مع المكلف بالوزارة في كل المشاكل والمشاغل التي تعيشها الدولة وقت الاختيار، أما بالنسبة لي فقد كانت المقابلة الأولى معه ذكرى لن انساها حيث تحدث معي وفتح قلبه وشرح كل ماحدث في هزيمة عام 1967 بمرارة شديدة، كما تطرق بالحديث عن الظروف التي أدت الى انتحار المشير عبدالحكيم عامر وحدثني عنه بشكل مستفيض وعن علاقة الصداقة القوية التي كانت تربطهما معا، وكان شديد التأثر حتى اغرورقت عيناه بالدموع حزنا على صديق عمره، وقد خرجت من هذا اللقاء وداخلي احساس باني اتحمل جزء من العبء النفسي والسياسي الذي يحمله عبدالناصر. وأهم مايميز عبدالناصر ايضا هو تداول الرأى ومناقشة مهمة الوزراء معهم بعد اختيارهم، وقد حدث هذا ايضا معي لدرجة ان تكليفي كان وزيرا للشئون الاجتماعية، ففوجئت في نفس اللقاء بانه يحدثني عن كوني عضوا في مجلس الأمة (البرلمان) كما انني عضو نشط في التنظيمات الشعبية، ومن ثم فقد رأى ان أتولى مسئولية وزير الدولة لشئون مجلس الأمة بجانب وزارة الشئون الاجتماعية على اعتبار اننا مقبلون على اجراء انتخابات برلمانية وان أتولى الاعداد لهذه الانتخابات. ـ وفي ضوء حديثك عن المهمة الوزارية التي كلفك بها عبدالناصر كيف كان يعامل وزراءه وخاصة وأن البعض يتهمه بانه كان صاحب الرأي الأول والاخير؟ - هذا ليس صحيحا على الاطلاق من واقع تجربتي الشخصية، فعندما بدأت اجتماعات مجلس الوزراء التي كان يرأسها عبدالناصر تم فتح باب المناقشة العامة على اساس ان معظم الوزراء كانوا يتولون المنصب الوزاري لأول مرة في الحكومة التي تم تشكيلها عقب هزيمة عام 1967، كما ان هؤلاء الوزراء كانوا من قبل في مواقع مختلفة ولديهم بالضرورة رؤيا وافكار جديدة، ومن ثم اقترح عبدالناصر نقاشا عاما استمر مايقرب من شهر تضمن أحاديث عامة أفرغ فيها كل وزير مايدور بذهنه من آراء وأفكار ومقترحات كل ذلك دون أن يضيق صدره بأي مناقشة أو رأي حتى ولو كان معارضا له. وبعد ان صدر بيان 30 مارس دارت مناقشات كثيرة جدا وطويلة حول تطبيق البيان في كل وزارة من الوزارات ليكون العمل كله نقلة نوعية جديدة. وأحب ان ابدي عددا من الملاحظات حول ادارة عبدالناصر لاجتماعات مجلس الوزراء فهو افضل من رأيت كمستمع جيد شديد الصبر على من يتحدث وطويل البال جدا لا يقاطع احد على الاطلاق ولا يسفه رأيا وحتى اذا اختلف رأيه مع احد فانه يقول رأيه المعارض في منتهى الهدوء والرقة، وأذكر هنا واقعة حدثت لأحد الوزراء القدامى والذي تعرض للنقد الموضوعي من بعض الوزراء فضاق صدرنا أن الوزير رد ردا عنيفا، فإنفعل الرئيس للمرة الأولى وقال نحن هنا كي يتسع صدر كل منا ويسمع مايريد الآخر أن يقوله، ولا يجوز اطلاقا ان ننفعل، وان هذه المرحلة لا تحتمل أن يضيق صدر احد بالرأي الاخر والذي لا يحتمل ذلك عليه ان يترك موقعه، وكان لهذه الواقعة تأثيرها الايجابي في استمرار الحوار والنقاش بشكل جيد جدا وبناء. أيضا فإن عبدالناصر كان لا يبدي رأيه الا بعد أن يستمع إلى كل من يريد الحديث قبله دون أي ملل، وفي احد الاجتماعات لاحظ ان بعض الوزراء لا يشاركون في المناقشة فشد ذلك انتباهه وحث الجميع على ضرورة ابداء الرأي حتى وان كان الموضوع المطروح في مجال لا يدخل في اختصاصاتهم. ـ البعض يقول ان جهد عبدالناصر ضعف وقل عطاؤه بعد هزيمة عام 1967 هل أنت مع هذا الكلام؟ - أشهد الله انه رغم المرارة التي كان يشعر بها ورغم شدة التأثر بالهزيمة الا انه كان أكثر من أي وقت مضى عزما وكان حريصا كل الحرص على ان تعمل كل المؤسسات بكفاءة، ولذلك كان يرأس اجتماعات مجلس الوزراء ولم يتخلف جلسة واحدة، وكان يترأس اللجنة العليا للاتحاد الاشتراكي ولم يتخلف عن اجتماعاتها الا جلسة واحدة وكان وقت انعقادها في الاتحاد السوفييتي لاجراء مباحثات حول استكمال تسليح القوات المسلحة وكان يجتمع ايضا باللجنة المركزية التي كانت تعقد كل شهر ولم يكن ينهي اي اجتماع الا بعد أن ينتهي كل عضو من الحديث عما يشاء، وكان يطرح كل الأمور للمناقشة بما فيها تلك التي يرى البعض انه لا حاجة لطرحها على هذا المستوى. وقد عقد أيضا المؤتمر القومي خلال هذه الفترة في قاعة الاجتماعات الكبرى بجامعة القاهرة أكثر من مرة وكانت احداها بعد أحداث الطلبة في عام 1968 فتم خلالها مناقشة موضوع المظاهرات وتحدثت قيادات الطلاب بصراحة واستمع اليها وكلف الوزراء المعنيين بمناقشة الأمور التي طرحها الطلبة لأنه كان يستنكر ان يكون هنا تناقضاً بين الثورة وبين الشباب باعتبار ان الثورة قامت اساسا من اجل الشباب، كما عقد أيضا المؤتمر القومي لمناقشة مبادرة روجرز واستمر النقاش يومين متتالين ولكنه يشعر بأن الكل لم يفرغ من ابداء رأيه وان هناك أمورا تتعلق بالجوانب العسكرية فقرر مد فترة المؤتمر ليوم ثالث رغم ان الاطباء كانوا ينصحونه بعدم بذل مثل هذا الجهد المركز، وكل ماسبق يؤكد على سعة صدر وديمقراطية جمال عبدالناصر. ـ هل كان عبدالناصر يتراجع عن بعض المواقف والقرارات التي يتخذها اذا مانصحه أحد واكتشف خطأها؟ - بالتأكيد، فلم يكن عبدالناصر عنيدا أو متسلطا بل كان يتقبل الرأي الاخر حتى ولوكان نقدا في قرار اتخذه واذكر ذات مرة انه اتخذ قراراً وكلف به السيد سامي شرف مدير مكتبه، ولكن عندما قمت بمراجعة الرئيس فيه واوضحت له مبرراتي ورأيي اقتنع وتراجع عن هذا القرار، أيضا عندما أبديت له رأيا خاصا أنا والدكتور حلمي مراد وزير التربية والتعليم حينذاك حول قضية كمشيش واعتراضنا على أن تحال القضية للقضاء العسكري وطالبنا بعرضها على القضاء المدني فرد عبدالناصر في حينها بقوله ان القرار اتخذه الوزير المختص وانه طلب من الفريق محمد فوزي وزير الحربية تغيير الدائرة العسكرية التي لم تكن محل رضا من الناس، غير انه في اليوم التالي فوجئت باتصال تليفوني من عبدالناصر يخبرني فيه أنه فكر في القضية واقتنع بوجهة نظرنا وانه سيطلب من وزير العدل احالة القضية للقضاء المدني، كما اتصل ايضا بالدكتور حلمي مراد وذكر لنا انه حرص على ابلاغنا بالقرار قبل تنفيذه على اعتبار اننا أصحاب المبادرة، وأذكر في نفس السياق مواقف كثيرة تؤكد جميعها ان عبدالناصر لم يكن متسلطا في رأيه بل كان ينحاز للرأى الاصلح دائما. ـ توليت وزارة الشئون الاجتماعية في وقت كانت الثورة تعطي اهتماما خاصة بالفقراء.. فما هو دور الوزارة في ذلك الحين؟ - الشئون الاجتماعية والتي تم انشاء وزارة خاصة بها بعد الثورة أنيط بها رعاية الفقراء والمحتاجين ومازالت وزارة الشئون الاجتماعية تؤدي هذا الدور وان كان هذا الدور لم يتطور، وقد تعددت مهام هذه الوزارة بعد الثورة في صرف المعاشات للفقراء واعانة المضارين في الكوارث، والقيام بعمل بحوث اجتماعية للفقراء لمواجهة غلاء المعيشة، وعندما كنت وزيرا جرى الاهتمام بشكل واسع بمجال الطفولة حيث قمنا بانشاء العديد من دور الحضانة التي أدارتها كوادر مؤهلة علميا وتربويا، وكان ذلك استنادا الى أن مرحلة الطفولة المبكرة في فترة ماقبل المدرسة هي مرحلة ضائعة لا تجد الاهتمام والرعاية اللائقة، وقد كان لهذا أثره ايضا في شعور المرأة العاملة بالاطمئنان على اطفالها اثناء غيابها عن المنزل. ـ عبدالناصر كان منحازا للفقراء.. كيف كان يترجم هذا الانحياز؟ - يستحق الرئيس جمال عبدالناصر عن جدارة لقب (نصير الفقراء) فقد كانت هموم البسطاء من ابناء الشعب هي شغله الشاغل وكان كثيرا مايقود سيارته بنفسه ويخرج للشوارع ليتعرف بنفسه على أوضاع الناس ولذلك كان يتابع كل صغيرة وكبيرة تتعلق به، وعلى سبيل المثال فقد اتصل بوزير الداخلية في وقت متأخر ليلا ليسأله عن السيارة التي انقلبت في احدى المصارف وكان يركبها عمال التراحيل وعن المتسبب في الحادث وغير ذلك من أمور وكثير من المواقف الاخرى التي تؤكد انحيازه التام للفقراء. وأذكر أيضا في احدى الاجتماعات مع اعضاء المكاتب التنفيذية للاتحاد الاشتراكي وعندما أخذ الموجودون يسألونه المزيد من المزايا فرد عليهم قائلا أنتم مدينون للثورة بما وصلتم اليه اتركوا فرصة للاخرين لكي يجدوا فرصتهم فأمامنا طابور طويل لابد ان يتعلم ويوظف ويحصل على ماحصلتم عليه وهؤلاء الناس اذا لم يحصلوا على ما يستحقون فستخرج لهم أظافر ومالم يأخذوه بالرضا سوف يأخذونه بالاظافر. كما ان قانون الاصلاح الزراعي ايضا كان أحد أهدافه الاساسية أن يأكل الفلاح من عمل يديه فالقضية لم تكن فقط مجرد توزيع الارض على الفقراء بل تكمن في حصول الفلاح على اجره وحقه نظير عمله.