حين قام مجلس قيادة ثورة 23 يوليو 1952 بقيادة البكباشي جمال عبدالناصر، بتنفيذ احكام الاعدام التي اصدرتها «محكمة الشعب» الاستثنائية الثورية برئاسة جمال سالم، بحق عدد من ألمع قياديي الصف الاول في جماعة الاخوان المسلمين بمصر، على خلفية حادث المنشية في 21 اكتوبر 1954 «محاولة احد اعضاء، الجهاز الخاص للجماعة اغتيال عبدالناصر»، لم تكن صورته في الرأي العام السوري، اكثر من «عصابة» عسكرية، انقلابية استولت على السلطة بدعم انكلو ـ بريطاني، لتمرير ابرام سمي باتفاقية الجلاء التي تم ابرامها في 21 اكتوبر 1954 ما بين مصر وبريطانيا، والتي شجبت من قبل ممثلي الرأى العام السوري بوصفها اتفاقية بيع مصر للبريطانيين، وكانت كراهية الرأي العام منصبه بشكل أساسي على البكباشي جمال عبد الناصر الذي لم يفهم الرأي العام السوري. بتأثير الدعاية، الاخوانية المركزية في سوريا يومئذ، سوى أنه اختطف «الثورة» من اللواء محمد نجيب واقصاه، ومن هنا كان الرأي العام السوري مجمعا بكافة احزابه العقائدية الراديكالية مثل البعث والشيوعيين والبرلمانية الليبرالية مثل الحزب الوطني وحزب الشعب، وبرلمانه وحكومته على ادانة الاعدامات، ولقد سارت التظاهرات الاحتجاجية في كل المدن السورية تحت يافطات عديدة تكررت فيها يافطة رئيسية حملت عنوانا بالخط العريض هو «لتسقط حكومة البكباشية» وهو ما يفسر ان قواعد حزب البعث العربي الاشتراكي النافذ يومئذ في اوساط الشباب والمثقفين والفلاحين، «كان له 19 مقعدا في البرلمان» قد شاركت في معظمها في هذه التظاهرات الحاشدة، رغم محاولة اكرم الحوراني «قائد جناح العربي الاشتراكي» الذي اندمج مع البعث ليتم تشكيل حزب البعث العربي الاشتراكي في عام 1953، بتأثير الصدام الحاد المستدام ما بين «الاشتراكيين» و«الاخوان» في مدينة حماة السورية، معقل الاشتراكيين، الضغط على قيادة البعث لعدم المشاركة في هذه التظاهرات الداعمة لـ «عصابة» رجعية حاقدة على حد وصف الحوراني، ولقد تدهورت بتأثير ذلك العلاقات المصرية - السورية، اذ قامت الحكومة السورية بمنح حق اللجوء السياسي للقادة المصريين المعارضين الستة «خمسة من الاخوان وواحد من الوفد» الذين كانوا في سوريا، حين تم اسقاط الجنسية المصرية عنهم، وانعكس العطف السياسي الشعبي والحكومي السوري على الاخوان «ضحايا الديكتاتورية» حسب رؤية تلك الايام، في إلغاء الحكومة السورية في 8 يونيو 1955 للقرار السابق الذي اصدره الدكتاتور السوري الزعيم اديب الشيشكاني بحل جماعة الاخوان المسلمين في سوريا، وعودة الجماعة بالتالي إلى اطار العمل القانوني الشرعي. لم تتغير الصورة الدكتاتورية الانقلابية للمجلس الثوري المصري عموما ولجمال عبدالناصر خصوصا في الرأي العام السوري، إلا مع وقوف مصر الحازم ضد سياسة ملف بغداد التي تبناها رئيس الوزراء العراقي نوري السعيد، والتي كانت تقوم على ربط معاهدة الدفاع العربي المشترك التي تمثل النظام الامني الاقليمي للجامعة العربية بالحلف التركي - الباكستاني المتكامل مع خطة تطويق الاتحاد السوفييتي في الحرب الباردة، ولقد دمج نوري السعيد يومئذ مشروعه القديم «الهلال الخصيب» في خطة الحلف، كي يستولي على سوريا، ويتم تنصيب الامير عبدالاله الوصي السابق على العرش في العراق ملكا عليها، في حين تبنى عبدالناصر سياسة عدم الانحياز، وتفعيل معاهدة الدفاع المشترك العربية كأساس للناظم الامني الاقليمي العربي، ورفض أي ربط بهذا النظام مع الاحلاف العربية ضد الاتحاد السوفييتي. لقد كان حلف بغداد يومئذ حلقة اساسية من حلقات احلاف الحرب الباردة، وحول هذا الحلف سوريا إلى عقدة الصراع والاستقطاب الدوليين، وصحيح ان صفقة الاسلحة التشيكية التي تمكن عبدالناصر من ابرامها في 27 سبتمبر 1955 قد فتحت الباب على مصراعيه امام تغير نظرة السوريين جذريا لضباط 23 يوليو من ضباط انقلابيين متعطشين للسلطة إلى ثوار تحرريين، الا ان الموقف المصري من حلف بغداد، وابرام اتفاقيات دفاعية مصرية - سورية لمعارضته بالقوة قد فتح الباب امام تأميم عبدالناصر لقناة السويس ووقوع العدوان الثلاثي على مصر في عام 1956، وتغيرت صورة عبدالناصر هنا جذريا إلى بطل قومي عربي، لقد سبق لمحمود رياض الذي عينه عبدالناصر سفيرا مصريا في دمشق كي يتصل بممثلي الرأي العام السياسي السوري، ويوضح حقيقة مباديء السياسة التحررية المصرية في المجال الخارجي، القائمة على التكتل العربي ومحاربة الاستعمار وتصفيته في افريقيا، ان لعب دورا مهما في توضيح سياسة مصر العربية، لقد كانت هذه السياسة غامضة لدى مجلس قيادة ثورة 23 يوليو، ولم يحسمها إلا عبدالناصر في فبراير 1954 حين تم اعلان مباديء تلك السياسة ولم يكترث السوريون بذلك الاعلان لكن الوقوف ضد حلف بغداد، وصفقة الاسلحة التشيكية وتأميم القناة ومباديء باندونغ جعلتهم يدركون بشكل ملموس ماذا تعنيه. إثر العدوان الثلاثي، وبعد ان مزق عبدالناصر اتفاقية الجلاء إرباً، وهي العنصر الحاسم في صدامه الدموي مع الاخوان في مصر، كان الاخوان المسلمون في سوريا هم ابرز من غيّر نظرته إلى عبدالناصر، واعلنوا وقوفهم خلفه في مقاومة العدوان الثلاثي، وتصدر البعث في هذه الفترة شعار الاتحاد ما بين سوريا ومصر أولا ثم حوله إلى شعار الوحدة ما بين القطرين كانت سوريا يومئذ محكومة بجبهة قومية تقدمية مدعومة من الجيش، وأدى التحالف السياسي والدفاعي السوري - المصري ثم السوري - المصري - السعودي فالسوري - المصري - السعودي - الاردني، وطرد غلوب باشا من الاردن، وإلغاء الاتفاقية الاردنية - البريطانية، إلى ازدياد الضغط العراقي اقليميا والاميركي دوليا على سوريا لاسقاط الحكومة السورية انقلابيا ومؤامراتيا، وجرها الى حلف بغداد، بقدر ما سارت سوريا بعيدا في توقيع اتفاقيات عسكرية واقتصادية مع الاتحاد السوفييتي رأى الاميركان انها تهدد بتحويل سوريا الى قاعدة شيوعية. لقد مزق هذا الصراع النخب العسكرية والسياسية السورية، وشكلت هرولة الرأي العام السوري بكل قواه وجيشه وحكومته وبرلمانه (باستثناء أصوات محدودة) نحو الوحدة مع مصر، مخرجا وحيدا في هذا التمزق، في سياق تحول حركة القومية العربية الى قوة ضاغطة ملموسة. وكان قيام الجمهورية العربية المتحدة في 22 فبراير 1958 تتويجا لذلك، حيث تحولت سوريا الى اقليم شمالي في دولة واحدة. ولقد أيد كل اطراف الرأي العام السوري حل الاحزاب وقيام الوحدة، بما في ذلك جماعة الاخوان المسلمين ولجان الحزب الشيوعي السوري التي باتت تقود العمل بعد مغادرة الامين العام للحزب خالد بكداش اثر جلسة البرلمان السوري بالمصادقة على الوحدة مع مصر. لا ريب ان قيام الجمهورية العربية المتحدة قد شكل منعطفا جذريا قوميا انعكس مباشرة في العالم العربي من المغرب الاقصى الى الجبل الاخضر في عمان، ومن سقوط الملكية في العراق الى عدن (كانت مستعمرة يومئذ). لكن الصدام البعثي مع عبدالناصر حول السلطة، وحول تمسك البعث بأولوية موقعه القيادي التوجيهيه فيها باعتباره الحزب الذي حسم قيامها أدى الى اولى التصدعات باستقالة الوزراء البعثيين من الحكومتين المركزية والاقليمية واستقالة نائب الرئيس اكرم الحوراني. واستغل خالد بكداش ذلك ليطرح في ديسمبر 1958 نقاطه أو بكلمة برنامجه الانفصالي تحت شعار اعادة بناء الوحدة على اساس اتحاد فيدرالي. كان البعث قد حل تنظيمه السوري وتنظيمه المصري المؤلف من عدة شعب، الا انه حافظ على تنظيمه القومي في الوطن العربي. ومن هنا كان لا يزال قادرا على الحركة على الصعيد القومي. وبمقتضى ذلك التصدع مع اعادة بناء الاجهزة الامنية بشكل لم يعهده المجتمع السوري من قبل، عبر عبدالحميد السراج وصولا الى قيام الجمهورية العربية المتحدة في اطار فلسفة عبدالناصر للتنمية، وتحقيق التراكم بالتأميم الذي ضرب مصالح البورجوازية الصناعية والمالية السورية في الصميم. لكن حين صدرت قرارات التأميم في عام 1961، كان الصراع قد بات حادا ومكشوفا في الاقليم الشمالي ما بين المشير عبدالحكيم عامر واللواء عبدالحميد السراج، الى درجة ان أكثر من طرف كان يترقب صدور انقلاب عن جماعة عبدالحميد سراج. لم يصدر الانقلاب عن جماعة السراج بل صدر بشكل سريع بعد قرارات التأميم، عن كتلة الضباط الشوام في الجيش، التي ظلت في الاقليم الشمالي، ولم يشملها التطهير، بحكم انها لم تكن من فئة الضباط العقائديين الذين قرر عبدالناصر اعادتهم الى الثكنات، أو نقلهم الى مواقع ادارية أو هامشية. ان الضباط الانفصاليين لم يصرحوا فورا بـ «الانفصال»، بل قدموا حركتهم في شكل عصيان مطلبي وتوصلوا مع المشير الى صيغة أو تفاهم حول ذلك تم اعلانه في البيان رقم 8. غير ان عبدالناصر رفض هذا البيان، مما أدى الى فشل المفاوضات غير الرسمية التي أدارها هاني الهندي عضو القيادة القومية لحركة القوميين العرب مع العقيد النحلاوي قائد الحركة، لانهاء الحركة وبينما كان الاتفاق أو التفاهم قد ابرم على انهاء الحركة، كانت اذاعة دمشق تبث النشيد السوري، مما اعتبر اجهازا على التفاهم، وتصريحا بالانفصال، فانهار التفاهم. لقد بين ذلك ان هناك رؤوسا بين الضباط قامت أساسا بالحركة بهدف الانفصال. ولم يكن النحلاوي قائد الحركة في تقديرنا في عدادهم. بكلام آخر كان هناك على الاقل ضابطان او اكثر على الاقل مرتبطين بأطراف اقليمية خارجية تريد من الحركة قطف رأس الجمهورية العربية المتحدة. ولا أدل على ذلك من ان النحلاوي نفسه تزعم في 28 مارس 1962 أي بعد حوالي خمسة اشهر على الانفصال، انقلابا على انقلابه، أعلن فيه اعتقال السياسيين وحل البرلمان والعمل للعودة الى الجمهورية العربية المتحدة. وتم ذلك بالتنسيق مع القاهرة، وسبقه ابعاد النحلاوي لضابطين اساسيين في الانقلاب من السلطة هما حيدر الكزبري والسري حسين واعتقالهما بدعوى تآمرهما مع جهات خارجية للمشاركة في الانفصال. غير ان القاهرة ولا سيما سفارتها في بيروت حيث كان محمد نسيم رئيس غرفة العمليات الخاصة بسوريا، كانت قد دفعت النحلاوي اعلان انقلابه الثاني، بقدر ما كانت تنسف حركة عسكرية ناصرية بقيادة العقيد جاسم علوان للاستيلاء على السلطة. وادى الصراع ما بين الطرفين العسكريين البعثي والناصري حول هذه الحركة، وحول الاولويات السياسية في البيان الاول، ولا سيما فقرة نص البيان على عودة كافة الضباط المسرحين، الى فشل الحركة، وسيطرة اطراف اخرى كضباط الانفصال على الوضع، وعقد مؤتمر حمص العسكري الذي تقرر فيه نفي العقيد النحلاوي والعقيد مهيب الهندي (كان رئيس أركان اللواء الذي حسم السيطرة عشية الانفصال) وعدد آخر من الضباط. غير ان النظام الانفصالي أخذ بالترنح، اذ ان السوريين لن ينقسموا بعد الانفصال على اساس الموقف من الاشتراكية او الديمقراطية بل سينقسمون بشكل اساسي حول الموقف من الانفصال، الى انفصاليين ووحدويين. ولقد كان الانفصاليون ضعيفي القوة سياسيا وشعبيا، باستثناء جناح اكرم الحوراني الذي كان نافذا في مدينة حماة وريفها ، في حين لم يستطع الحزب الشيوعي السوري الذي رحب بسقوط الوحدة، وانهيار الاستعمار المصري لسوريا ان يفعل شيئا بحكم ضعفه الشديد يومئذ. لقد أمسكت المنظمات الوحدوية بزمام الهيمنة على السياسة وهي يومئذ حركة القوميين العرب، وحزب البعث، والحركة الوحدوية الاشتراكية والجبهة العربية المتحدة. كان البعث معادياً بكل تأكيد للانفصال ويعد العدة لاسقاطه، وعقد في هذا السياق مؤتمر مايو 1962 في حمص الذي طرد جناح الحوراني نهائياً كجناح من الحزب، وتبنى شعار الوحدة المدروسة. غير ان المنظمات الثلاث الاخرى كانت تطرح العودة الفورية إلى الجمهورية العربية المتحدة. كانت هذه المنظمات تصف نفسها بالوحدوية وهي اسم آخر للناصرية. لقد اخذت الناصرية تتشكل هنا كحركة او تيار حقيقي هادر وفاعل في سوريا، بل تكونت تلك المنظمات وتوسعت في قارب الكفاح لعودة الوحدة، فحركة القوميين العرب مثلاً لم يتجاوز عدد اعضائها وفق شهادة بلال الحسن عضو قيادة الاقليم السوري يومئذ، عشية وقوع الانفصال 79 عضواً كان 60 منهم من الفلسطينيين في حين اصبحت عضويتها في مجرى مقاومة الانفصال تعد بالآلاف، وبات لها تنظيمات طلابية وعمالية نقابية قوية. وبلغ من قوة التيار الوحدوي ان جماعة الاخوان المسلمين السورية بقيادة عصام العطار (بالمناسبة كانت هي الوحيدة التي رفضت من القوى السياسية السورية التوقيع على ميثاق الانفصال، وقفت بحزم ضد سياسة خالد العظم وحكومة الانفصال للمشاركة في جبهة سياسية تحول دون عودة الناصرية إلى سوريا). لم يكن النظام الانفصالي لا ديمقراطيا ولا شعبيا. ان ديمقراطية البرلمانية لم تستغرق اكثر من ثلاثة شهور ونيف، تم في نهايتها حل المؤسسات الديمقراطية، وحين سقط هذا النظام كان لا يزال يحكم بقانون الطواريء (تم رفعه في الاول من مارس 1963) وسقط النظام في 8 مارس. والذي صاغ هذا القانون بـ «حيلة» دستورية كان هو الليبرالي الديمقراطي خالد العظم وهو نفسه القانون المعمول به في سوريا اليوم. ولم يكن شعبيا، فلقد عزل المد الوحدوي الشيوعي، كما انه تراجع عن الخطوات الشعبية المتمثلة بحقوق العمال وبالاصلاح الزراعي. لقد اخذت القوى الوحدوية تتهيأ للانقضاض على النظام الانفصالي، وتوجيه رصاصة الرحمة له. كان مؤتمر مايو البعثي في عام 1962 هو المؤتمر الذي انعقد للاستيلاء على السلطة في سوريا والعراق. وكان البعث جناحاً عسكرياً منظماً في الجيش السوري عرف باسم «اللجنة العسكرية» التي اختارت بموافقة القيادة القومية والامين العام الاستاذ ميشيل عفلق الاستقلالية التنظيمية الذاتية، الكاملة على التنظيم المدني بدعوى عدم انتقال استقطاباته وصراعاته اليها. وما ان تمكن البعث في العراق من الاطاحة بحكم عبدالكريم القاسم في 8 فبراير 1963 حتى اخذ يعد الخطوط الاخيرة لاسقاط الانفصال. وتم ذلك في سوريا في 8 مارس 1963 عبر انقلاب ابيض رشيق، لم يقاومه الانفصاليون قط ـ كان الانقلاب في حقيقة قواه انقلاباً ناصرياً ـ بعثياً قام به الجيش. ومن هنا تشكلت اول حكومة لحركة 8 مارس برئاسة صلاح الدين البيطار (احد الاساتذة الثلاثة التاريخيين للبعث) بوصفها حكومة «جبهة قومية»، ضمت ممثلين عن البعث وحركة القوميين العرب والجبهة العربية المتحدة والحركة الوحدوية الاشتراكية. وطار وفد منها للتو إلى القاهرة للبحث في عودة الوحدة. عاد الصراع القديم الذي احبط حركة 28 مارس ـ الاول من ابريل 1962 حول الوحدة الفورية والوحدة المدروسة. وانضم البعث في العراق إلى المحادثات، وصدر في 17 ابريل 1963، اثر مفاوضات مضينة ميثاق الدولة الاتحادية بين مصر وسوريا والعراق. سلم عبدالناصر للبعث في العراق بالسلطة باعتبار انه هو من قام باسقاط قاسم، لكنه لم يسلم للبعث في سوريا بذلك، بحكم انه له شركاء اساسيين ناصريين. وبدلاً من ان يقوم البعث باجراءات تنفيذ ميثاق ابريل، فإن نخبته العسكرية المهيمنة في المجلس الوطني لقيادة الثورة، وتمكنها من جذب المستقلين، قامت بتسريح الضباط الناصريين الواحد تلو الآخر وبشكل متسارع في نوع من خطة تطهيرية منهجية. ادى ذلك إلى قيام اضطرابات 8 مايو 1963 التي انهارت فيها حكومة البيطار، بعد ان انسحب منها الوزراء الوحديون، ومعهم عدد من الوزراء البعثيين مثل الدكتور جمال الاتاسي وعبدالكريم زهور وسامي الدوربي، وشكل البيطار حكومة ذات اغلبية بعثية. كان في البعث يومئذ التيار القومي المرتبط بالقيادة القومية ويطرح الوحدة المدروسة ويوافق عليها ضمن رؤية بعثية للوحدة، لكن تشكل فيه تيار حاقد على عبدالناصر عرف باسم تيار القطريين (وتصدره رياض المالكي). في حين يتبين ان مما يمسك بزمام السلطة الفعلية هو تنظيم اللجنة العسكرية التي كان معظم اعضاء نخبتها المسيطرة قريبا من وجهة القطريين. تمخض الصراع ما بين الاخوة الاعداء البعثيين والناصريين على قيام ا لناصريين بانقلاب فاشل في 18 يوليو 1963 بقيادة العقيد (المسرح) جاسم علوان، وبتخطيط تام مع القاهرة، وتم قمع الانقلاب بقسوة، فاعلن عبدالناصر موت ميثاق 17 ابريل، وسار البعث في الطريق القاتل، طريق احتكار السلطة. اخذ البعث يبني دولته البعثية معتمداً على نفسه الحافلة يومئذ بالاستقطاب والتفاوضات، وعقد مؤتمره القومي السادس في اكتوبر 1963 في دمشق. وظهر في المؤتمر تمركز الصراع حول موضوعات عديدة كان بينها الصراع ما بين يمين الحزب ويساره وسيطر ما يسمى باليسار على المؤتمر ووثائقه النظرية. امتد هذا الصراع إلى البعث في العراق، واخذ شكل صدام دموي ما بين الجيش الذي يسيطر عليه ضباط بعثيون وضباط قوميون محسوبون على الناصرية وبين الحرس القومي الذي يسيطر عليه مدنيون وعسكريون يساريون واستغل القوميون الناصريون هذا الانقسام فقاموا بحركة 18 نوفمبر 1963 بقيادة عبدالسلام عارف، واسقط حكم البعث في العراق، فتم الرد بهذه الطريقة على نكسة الناصريين في 18 يوليو 1963 في سوريا بل اخذ القوميون في العراق يتفقون مع القوميين في سوريا للقيام بغزو عسكري من المناطق الحدودية العراقيية ـ السورية، واستنفرت حركة القوميين العرب تنظيمها لتنفيذ الخطة في سوريا، غير ان ميشال ابوجودة نشر هذه الخطة بشكل دقيق في جريدة النهار اللبنانية، فمات الغزو في مهده. ولا يزال الامر يحتاج إلى بحث عن الاطراف الحقيقية التي كانت وراء عملية النشر هذه، وان كان معروفاً ان اللواء فؤاد شهاب الرئيس اللبناني قد تفاهم مع المصريين حول نشرها واحباطها. بعد القطيعة الدموية ما بين البعث والناصريين في سوريا، بات النظام الذي ولد من رحم حركة 8 مارس 1963 ، والذي كان الناصريون يصفون مثل تلك القطيعة بثورة الثامن من مارس، يحمل اسم النظام الانفصالي باعتباره امتداداً للنظام الانفصالي السابق، فالمعيار هنا كان هو العودة إلى الوحدة لكن البعث كان يشهد صراعات معقدة بدوره، ادت إلى حسم القطريين المسيطرين على اللجنة العسكرية وعلى المواقع الاساسية في التنظيم المدني إلى المعركة ضد القوميين (القيادة القومية) فيما عرف بحركة 23 فبراير 1966، التي تبنت خطاباً يسارياً، ومفهوماً لمنظمة حزبية يسارية متطلعة، واسلوب حرب التحرير الشعبية لتحرير فلسطين. وادى تقارب عبدالناصر مع الفلسطينيين باعتبار تخلصهم من عفلق، إلى جانب دوافع اخرى، اذ اعتبر قبول القاهرة سفيراً سوريا لديها هو الاستاذ البعثي الدكتور سامي الدروبي بمثابة اعتراف من القاهرة بنظام الانفصال السوري. في الوقت نفسه الذي حاول فيه القوميون «الناصريون» في العراق القيام بمحاولتين انقلابيتين فاشلتين ضد حكم عبدالسلام عارف ثم ضد حكم اخيه عبدالرحمن عارف. وقعت النكسة (النكبة الثانية) في 5 يونيو، ووضعت التطور القومي العربي في مرحلة جديدة تتسم بالتراجع، وبتركيز القاهرة الاولوية لازالة آثار العدوان واعادة بناء القوات المسلحة التي كان القبول بمشروع روجرز تغطية لعمليتها، ومحاولة بناء الحركة العربية الواحدة، عبر تنظيم الطليعة العربية الذي شكله عبدالناصر كي يقوم بتثوير الاطر التنظيمية الناصرية في الوطن العربي وشكل رحيل عبدالناصر المفاجيء في 28 سبتمبر 1970 نكسة فاجعة للمشروع القومي الناصري خصوصاً، بل للمشروع القومي العربي برمته، بحكم ان عبدالناصر كان مركز المشروع الناصري، بعقدر كان مركز الاجتماع السياسي للجامعة العربية. وبحركة مايو 1971 في مصر، تعرضت الناصرية إلى نكسة في مصر. لقد استمرت الحركة الناصرية رغم النكسة، ومر فيها اجيال من المبادرين والمكافحين، وتطورت الحركة القومية العربية عموماً في فضاء الديمقراطية والحوار القومي الاسلامي. الا ان ما يبقى من ثورة يوليو في الجوهر هو ذلك الزلزال الذي تطورت فيه، والذي اكدت فيه العرب كأمة، يمكنها ان تعمل على السيطرة على مصيرها وحماية استغلالها، وان يكون لها رأي في هذا العالم