ما أخذت القلم مرة لأكتب عن ثورة 23 يوليو سنة 1952 او عن قائدها جمال عبدالناصر حتى ارجعت القلم وهو حسير.. لان الكتابة عن هذه المرحلة لاتزال حساسة لدى الشاني والمحب. لانك ان تحدثت عن الايجابيات، وتوقفت اغضبت من لا يرى في ثورة يوليو وقائدها سوى العيوب وأنت بالتالي في نظر هؤلاء كاتب غير منصف وغير محايد وما كتبته يدخل في باب النفاق او الوعي الزائف. واذا ما حاولت ان تكتب عن سلبيات المرحلة فانك تغضب طالبان الناصري الذي لا يعترف بأي سلبية ويعتبر الاشارة الى اي سلبية هو انضماماً الى طابور العملاء واعداء الثورة. اما السبب الثاني لترددي عن الكتابة عن ثورة يوليو سنة 1952 انها حدث كبير، وزلزال ضخم وقد تضاربت في تقييمها الاراء وانضم منافقو الثورة الى منافقي اعدائها في التشنيع عليها كجواز مرور لركوب قطار السلطة التي تلتها. وقد يكون في الكتابة عنها من خلال عمود تقصير مخل فحدث مثل ثورة يوليو بنتائجها المذهلة يحتاج الى بحث متعمق قد يغطي ـ على الأقل ـ كتابا متوسط الحجم. حين اقترح علي الزميل عمر العمر ان يكون مقالي متعلقاً بهذه المناسبة انسجاماً مع ملف العدد المخصص بالكامل لهذه المناسبة وجدت ان ما من المحذور حيلة، الى جانب ان ثورة يوليو اليوم هي ملك الامة وجزء من تأريخها بتجاربها الايجابية والسلبية وبشكل خاص والامة في مرحلة انكسار وحكامها في مرحلة ضعف وهوان مما يدفع الى استلهام تلك الايام المجيدة التي كان فيها صوت العرب يهز الشارع العربي من الخليج الى المحيط، وكان شبابها وشيوخها رجالها ونساؤها يتجمعون في المنازل، والمقاهي والشوارع ليستمعوا الى قائد عربي شجاع يقول للمواطن ارفع رأسك ياأخي ويقول لاميركا «اللي ما يعجبوش يشرب من البحر». من ناحية مقابلة ينظر المواطن العربي الى اوضاعه المتردية وهوانه على قوى الاستكبار الخارجية وقوى الاستبداد الداخلية فيعيد النظر في دور الانظمة العسكرية الجاهلة الفاسدة التي اوصلت الامة الى ما وصلت اليه ويتذكر الدور الذي لعبته ثورة يوليو في تشجيع الانقلابات العسكرية بصرف النظر عن جهل وعجز الاداة التي تقوم بهذا الانقلاب وهل هي افضل ام اسوأ ممن تنقلب عليهم فتكون بذلك كالطبيب الذي يجري عملية لمريض بمشرط ملوث يؤدي الى قتل المريض. رغم فضل ثورة يوليو في احياء الحس القومي وترسيخه على مستوى كل الساحات العربية والذي نشهد اثاره في الحركات العربية الشعبية الداعمة لكل قضايا الامة العربية. الا ان المدخل السياسي لدعوة الوحدة العربية قد أضر بالوحدة وأتاح مناخاً للصراع في الساحة العربية مكن القوى الاجنبية المتربصة ان تستثمره لمصالحها فتعيق مسيرة الامة التي تبددت امكانياتها في صراعات كان يمكن تفاديها لو كان المدخل الاقتصادي هو المدخل الذي اعتمد لدعوة الوحدة العربية. وحتى تتعمق وحدة الصالح وتتسع قاعدتها وبذلك تمتلك الوحدة كادرها الوحدوي الذي يرتفع الى المستوى الحضاري لدعوة الوحدة بدلا من الاعتماد على الأجهزة الأمنية باساليبها البشعة التي كانت السبب وراء فشل النموذج الأول للوحدة بين سوريا ومصر. بقدر ما حققته ثورة يوليو 1952 من انجازات مهمة في مجال التنمية في الساحة المصرية وما رسخته من قيم التعاطف مع قضايا الامة المصيرية الا انها اعتمدت على «كاريزما» الفرد والنظام عنها كما لم توسع من قاعدة المشاركة والتداول السلمي للسلطة فكان نتيجة ذلك ان جاء فرد فنسف انجازات فرد بجرة قلم. كل تلك الانجازات ـ مع غياب الديمقراطية ومؤسسات المجتمع المدني السياسية والمهنية ـ تكون كمن بنى قصراً جميلا ووضع في أساس بنائه ما يمكن تفجيره وهدمه. وبالاعتماد على انظمة المخابرات تم التجاوز المنحل لحقوق الانسان ودخلت على سجوننا وسائل للتعذيب غير اخلاقية وبشكل لم يكن ليخطر على قلب بشر. لقد شكل ذلك ظلالاً قاتمة على الدور الوطني والقومي الناصع لثورة يوليو 1952، وكاد الناس ينسون الانجازات الهائلة التي حققتها الثورة في تحرير الامة من الاستعمار الاجنبي وهو من ابرز ادوار ثورة يوليو وقائدها جمال عبدالناصر الذي لا نجد اليوم احدا من خصومه او اصدقائه يشكك في نزاهته وترفعه عن الفساد الذي تعيشه الانظمة اليوم، ولا يوجد ايضا من يشكك في صدق توجهه الوطني والقومي لكنه بشر والعصمة لا تمنح للبشر ولا حتى للأنبياء والرسل خارج اطار الوحي، وستظل الامة تحن وتتطلع الى قائد شجاع وطني قومي مثل عبدالناصر مع اضافة النهج الديمقراطي الذي كان عبدالناصر قد اقترحه بعد نكسة يونيو كما قال محمد حسنين هيكل والعهدة عليه. ثورة يوليو حدث مهم ايقظ النائمين من سباتهم وعلينا اليوم ان نستفيد من ايجابياته وان نبتعد عن سلبياته، ان استلهام التأريخ لا يكون الا للعبرة وليس للتعلق بأهداب الماضي، ولا للتشنيع عليه.