تنشغل المؤسسات الفكرية والسياسية والثقافية في مصر هذه الأيام بذكرى مرور خمسين سنة على الثورة المصرية التي بدأت في شهر يوليو 1952، ومازالت قائمة في مصر بمخرجاتها وافرازاتها وانجازاتها واخفاقاتها. وتمتليء الصحافة المصرية هذه الأيام بالتحقيقات والدراسات التي فيها الكثير من التجاذب بين متحمس وبين ناقد موضوعي، وبين كافر بكل أبعاد المنظومة الثورية. ويهمني في هذا المقال تناول علاقات الثورة مع دول مجلس التعاون، وهو موضوع ليس معقداً اذا ما حصرناه في علاقات القاهرة بدول الساحل الكويت والامارات وقطر والبحرين، لكنه اكثر تعقيداً اذا ما تجاوزنا الاطار الساحلي ليشمل العلاقات السعودية ـ المصرية، والعلاقات المصرية ـ العمانية. هناك ثوابت مستمدة من واقع التاريخ لا يمكن ان يطمسها الحماس للثورة، ولا يظللها العداء لها، لان الثورة، أصبحت فلسفة كبيرة في داخل مصر وفي خارجها. وبصرف النظر عن قدرة مصر على النهوض بأعباء هذه الفلسفة، فان الذين حكموا مصر فرضوا عليها هذا العبء الفلسفي السياسي الطموح، الذي انتهى تقريباً مع عام العبور في 1973، بعد انجازات كبيرة واخفاقات اكبر. ولن يفيد مصر الحديث عن امجادها السابقة ولا عثراتها اللاحقة، وإنما المهم الادراك بأن لكل حقبة ظروفها ورجالها وفلسفتها. ويهمني جدا الدفع نحو النهج الذي هندسه الرئيس حسني مبارك في الداخل والخارج أقرب الى طبيعة مصر وأكثر ملاءمة مع قدراتها، وأكثر انسجاماً مع خامتها التراثية، ومع طبائع شعبها، ولا أعتقد بأن مصر المستقبل قادرة على الخروج عن الخطوط العامة للنهج الذي تمارسه الان، فقدر مصر ليس الالتباس الثوري ولا السلوك الراديكالي المأزم والمقوض، وانما خطها التاريخي يدفعها نحو الاعتدال والتوافق والتصالح، ولم تمر مصر بعصور كلها توترات وتأسيس خصومات لا ضرورة لها، لأن أبرز خصائص مصر وداعتها وعمق رقتها. ولا يمكن لمن يشاهد نهر النيل وهو يحتضن العاصمة المصرية ان يتصور بأن القاهرة كانت حلبة واسعة لمبارزات في الملاكمة السياسية مع الجيران ومع العرب ومع الغرب وأحياناً مع الشرق، ولم تترك محطة خالية من مشاغباتها السياسية والايديولوجية ومحاولاتها فرض منظورها على الاخرين احيانا بالحوار ومعظم الاحيان بالأساليب الدعائية والمصطلحات الاعلامية، التي ادخلتها الصحافة المصرية وابواق دعاياتها وابرزها صوت العرب،.. هذا تاريخ لا يمكن الجدل فيه. وكنت أتابع جولات الصدامات المصرية مع الاردن والعراق وسوريا والسعودية وشمال افريقيا بشعور المتعاطف مع الشعب المصري الذي ارهقته تلك الفلسفات غير الناجحة التي انتهت بكارثة 1967. نحن نتحدث عن الثورة المصرية والخليج، وسأحصر حديثي في المسار المصري ـ الخليجي في الخمسينيات والستينيات، مع ابداء الملاحظات التالية: اولاً: في اوج صراعات الثورة المصرية مع الأنظمة العربية، وعند توظيفها لدبلوماسية الاعلام، لم تكن دول الخليج مستقلة، باستثناء المملكة العربية السعودية، وكان النفوذ البريطاني قوياً في جنوب الخليج، متواضعا في الكويت، ذلك النفوذ هو حصيلة معاهدات وقعت في القرن التاسع عشر مع الامارات الخليجية، تولت بموجبها بريطانيا الشئون الدفاعية والخارجية. وادركت الثورة المصرية بان حساباتها مع بريطانيا ليست محصورة في الجلاء عن السويس، وانما تشمل ملاحقة النفوذ البريطاني في جنوب اليمن، وفي الخليج الذي وصفته صوت العرب بالخليج الثائر. وصار اهتمام السلطات المصرية مطاردة الوجود البريطاني اعلاميا وسياسياً، والبحث عن تنظيمات معارضة لدعمها ان تواجدت، وتشكيلها ان سمحت الظروف. تبنت في جنوب اليمن المجموعات المعارضة ورفضت التعامل مع انظمة السلاطين، ودخلت مع رابطة الجنوب، ومع اتحاد العمال، ومع الجبهة القومية في حوارات من أجل القضاء على الوجود البريطاني وتقويض اتحاد الجنوب الذي تشكل من السلاطين الذين توارثوا السلطة في مختلف مناطق جنوب اليمن. ثانياً: تبنت الثورة المصرية مجموعة امام عمان بقيادة الامام غالب بن علي في صراعه مع السلطان سعيد بن تيمور سلطان عمان، ورأت فيه الحليف الذي يشاركها العداء لنظام السلطان في مسقط. يقول فتحي الديب مستشار الرئيس عبدالناصر للشئون العربية في مذكراته التي نشرها حول سياسة عبدالناصر العربية، «بأنه فوجيء بشخص طويل القامة يدخل عليه في مكتبه في القاهرة طالباً النجدة والمساعدة ضد السلطان في مسقط، وتبين بأن الشخص المذكور هو طالب بن علي شقيق الامام غالب، الذي صار ممثلا للامام لدى الدول العربية. استجابت الثورة المصرية لطلب الامام غالب، وارسلت المقدم جمال خشبة الملحق العسكري المصري في جدة الى عمان، عن طريق دبي، حيث نزل في سواحل مسقط محملاً بالأسلحة التي نقلت الى جماعة الامام غالب. استمرت اقامة الملحق العسكري جمال خشبة اربعين يوما مع جماعة الامام غالب واصيب بمرض الملاريا خرج بعدها الى دبي ثم نقل بالطائرة الى الدمام. اصبح المقدم جمال خشبة سفيرا بعد ذلك في الجزائر، وقابلته هناك في بداية الثورة الجزائرية، ثم نقل الى باكستان. تكشف مذكرات فتحي الديب الكثير من مداخلات الثورة المصرية مع القضايا العربية في مختلف الدول. واصلت الثورة المصرية دعم الامام غالب ضد السلطان سعيد بن تيمور الى عام 1967، وتبنت قضاياه ومشاكله في الجامعة العربية، وسمحت له بفتح مكتب في القاهرة، كما تبنت ايضا جبهة تحرير ظفار التي بدأت تعمل في جنوب عمان من منطقة ظفار مدعومة من قبل اليمن الجنوبي والجبهة القومية. لم يسأل المستشار فتحي الديب عن أهداف الامام غالب وهي تقسيم عمان الى دولتين، سلطان مسقط على السواحل، واقامة عمان في الداخل. ولحسن حظ عمان ان عهد السلطان سعيد انتهى عام 1970، وتوحدت عمان واختفت الامامة التي كان يشيد بها صوت العرب. ثالثاً: كانت العلاقات الكويتية ـ المصرية في عهد الثورة طبيعية وودية، رغم ان الكويت مازالت تحت الحماية البريطانية الا انها تفاعلت مع نداءات التحرير وانضمت الى قافلة الداعمين للثورة في ازمة السويس، واتخذت اجراءات غير مسبوقة في رفضها للاجراءات البريطانية. في عام 1961 اعلن استقلال الكويت، وكانت الجمهورية العربية المتحدة من اوائل المهتمين والمؤيدين، ورفضت ادعاءات قاسم في الكويت، واتخذت موقفاً فيه شيء من الغموض بعد نزول القوات البريطانية في الكويت بطلب من حاكمها الشيخ عبدالله السالم الصباح. لكن العلاقات ظلت متميزة بالمتانة والاستقرار مع مشاركة الجمهورية العربية المتحدة بقوات رمزية في اطار الجامعة العربية. ورغم الحاح الشيخ عبدالله السالم امير الكويت في بقاء هذه القوات، الا ان الرئيس عبدالناصر اتخذ قراره بسحبها بعد الانفصال في سبتمبر 1961، مبررا خطوته بعدم توفر الانسجام مع القوات العربية المكونة من قوات اردنية وسعودية وقوات من السودان بسبب العلاقات المتوترة بين القاهرة وكل من الرياض وعمان. ساندت الكويت الثورة المصرية في كارثة 1967، وتقبلت تبعات الدعم في مؤتمر الخرطوم، وسعت لتحسين العلاقات بين المملكة العربية السعودية والقاهرة خلال زيارة المغفور له الشيخ صباح السالم الى القاهرة في ابريل 1966، وكنت ضمن الوفد الكويتي، وشعرت بأن الرئيس عبدالناصر يحيط الوفد الكويتي وبالذات الشيخ صباح السالم بمودة خاصة لكن المساعي لم تحقق شيئاً. رابعاً: في منتصف الستينيات، قررت الجامعة العربية ايفاد بعثة عربية الى الامارات الخليجية، دولة الامارات العربية المتحدة حالياً، تتكون من الكويت، المملكة العربية السعودية، العراق برئاسة عبدالخالق حسونة، وارادت مصر الانضمام اليها مما ادى الى تدخلات بريطانية التي كانت تتصور بأن المشاركة المصرية ستثير المتاعب. ورغم ان بعثة الجامعة العربية اقترحت تخصيص مساهمات مادية لمساعدة الامارات الخليجية في مشاريع التنمية، الا ان البعثة لم تحقق ما ارادته، باستثناء العائد السياسي والاعلامي الذي كسبته من تلك الرحلة غير المسبوقة، لان السياسة البريطانية لم تترك مجالا لغير دول الخليج للتواصل مع الامارات المتصالحة كما يسمونها في ذلك الوقت. لاشك بان حادثة الانفصال اصابت الثورة المصرية في مقتل في منظومة تصوراتها واحلامها وفلسفاتها، ويمكن القول بان الخيوط العصبية تسللت الى رشد الثورة منذ ذلك التاريخ، مما ادخلها في دوامة القرارات الخاطئة بما فيها مشروع اليمن، الذي أدخل القاهرة في صدام مباشر مع المملكة العربية السعودية، وافرازات ذلك الصدام في العلاقات المصرية ـ العربية، والمصرية ـ الدولية. وكلنا عارف بالنتائج الوخيمة التي حصدتها الثورة من ذلك المشروع الخائب، توجته هزيمة 1967 ودخول الثورة دائرة الانحسار بعد ضمور الانبهار بها. ليس موقع هذا المقال تحليل المسببات التي أدت الى تلك الاخفاقات بعد الانجازات الباهرة في الخمسينيات، ولكنني اتحدث عن الثورة والخليج، ولا الوم رجال الثورة على قصر ثقافتهم الخليجية لان المنطقة معزولة وبقوة، وبعيدة، ولم تكن من هموم الثورة في مراحلها الاولى، كما ان محدودية الثقافة لم تؤثر في عزيمة الثورة المصرية على استقطاب ما يمكن الحصول عليه في منطقة الخليج. لم تتمكن الثورة المصرية من ترسيخ قواعد لها في منطقة الخليج، لمسببات كثيرة، العزلة المفروضة عليه من بريطانيا، اولويات الثورة المصرية في السعي لترسيخ اقدامها في العراق والشام والسودان وشمال افريقيا، وباستثناء التدخلات في عمان، لم تتحالف مع قوى معارضة او جماعات مناهضة للوضع السائد في الخليج. يمكن القول بأن العلاقات الخليجية ـ المصرية، اذا ما استثنينا الشأن السعودي ـ اليمني، والمداخلات في عمان، سارت رغم عنفوان المد الجماهيري الناصري، بدون هموم وخرجت نظيفة من لائحة الاتهامات التي وجهت الى الثورة المصرية من معظم دوائر العمل العربي.