في شهادته على عصر عبدالناصر يقول حلمي شعراوي الباحث في الشئون الافريقية واحد الذين عملوا مع محمد فائق مسئول تسليح حركات التحرر الوطني الافريقية: إذا عدنا الى بعض الوثائق من يوليو 52 إلى 55 فسنجد أن الثورة كانت تستكشف عالم الاستعمار وعالم التحرر الوطني، حتى اكتشفت في باندونج طبيعة الاستعمار العالمي، ثم مع سنة 60 بدأت طبيعة الامبريالية العالمية تظهر بوضوح.. هذه الصورة لابد أن نستعيدها الآن لاننا ازاء العودة لهذا الشكل بالنسبة للمنطقة العربية. ومن هنا أقول ان يوليو كانت جزءا من حركة التحرر الوطني العالمي، وهذا في رأيى يضع فكر الدوائر نفسها التي تحدث عنها عبدالناصر محليا خلال السنوات الثلاث الأولى من عمر الثورة. والثقافة السياسية في مصر عموما أدركت أن المشكلة هي دائرة التحرر الوطني العالمي هذه، واننا لابد أن ندخلها بأشكال مختلفة، ومن الناحية الواقعية. وعندما دخلنا الدائرة الافريقية أصبحت هناك مجموعة الدار البيضاء وهي قوى تقدمية وثورة وقوى تحرر وطني، والقوى التقدمية التي تمثلها مجموعة الدار البيضاء كانت 6 دول، بينما كانت الدول الرجعية حوالي 20 دولة.ويضيف شعراوي: افريقيا ليست جغرافيا وانما مدى تحالفاتنا مع من ولأجل ماذا؟ هذا هو المنطق الذي يساعدنا على استحضار ماذا فعلت يوليو؟ اذ ان يوليو ساعدت في حركة التحرر الوطني بأكثر من شئ، وقد رأينا فعلته تجاه حق تقرير مصير السودان، رغم انه كان هناك حديث في مصر عن امبراطورية مصرية في افريقيا، وعن رسالة مصر في افريقيا، وهي أحاديث تختلف عن حديث حق تقرير مصير السودان وعن حديث تحرير الأوطان المجاورة وبالتالي التعبيرات اختلفت واصبحت تدور حول حق الشعوب في ثرواتها.. ومن المعروف ان معركة قناة السويس كانت معركة سياسية، ومعركة من أجل أن تمول الثورة المصرية المشروع التنموي المصري أو التطور المصري.. وهذه هي المبادئ التي لفتت نظر الشعوب الافريقية الينا.. واذكر ان سيكوتوري خلال مؤتمر للدول الافريقية وجد ان بعض التيارات تتحفظ على قرارات فلسطين والتحرير، فلجأ الى صيغة مبسطة تقول «اذا كان الاستعمار عالميا والامبريالية عالمية فمبادئ التحرر الوطني والاستقلال لابد ان تكون عالمية، وليس لنا حق في مراجعة ان تتحرر هذه المستعمرة - مثل فلسطين والجزائر وغيرهما - أم لا، وانما هو حق شرعي في الوجود العالمي». هذه هي الخلفية التاريخية لانطلاق الثورة الافريقية وللوجود القوى لمصر والجزائر.. ويجب ان نعترف هنا بان العرب كانت فكرتهم عنصرية تجاه افريقيا وتجاه الجنس الاسود الى حد كبير، لدرجة انهم كانوا يعيرونا كثيرا جدا بتجارة الرقيق التي سادت في المنطقة العربية، وكنا نرد دائما بأن العرب كانوا جزءا من الظواهر العالمية ومن الظواهر الاجتماعية العالمية ومن قوانين اجتماعية عالمية، فعندما كان هناك نظام اقطاعي ونظام رقيق في العالم كله ورؤساء القبائل الافارقة هم الذين كانوا يسلمون الرقيق للتجار، كان العرب جزءا من تجارة الرقيق وتاجرنا في الرقيق بالتأكيد، لكن أيضا في نفس هذه الشعوب هي التي انتزعت حق تقرير المصرير للسودان والجزائر وقررته بقوة السلاح وفرضته في العالم، وهي التي قطعت علاقتها ببريطانيا سنة 55 أيام روديسيا عندما اعلن سميث استقلال المستوطنين البيض بروديسيا، وبريطانيا كانت تريد تفويت الموضوع حتى يقوى النظام العنصري بهذا الشكل في الجنوب الافريقية.. الا ان مصر عبأت حوالي تسع أو عشر دول وقطعت جميعها العلاقة ببريطانيا فأين نحن الآن من كل هذا؟ اننا لا نستطيع طرد سفير ولا أن نكلم سفيرا ولا أن نناقش أحدا أو نضغط على أحدا.. هذا موقف نموذجي لمعنى ثورة يوليو وثورات التحرر الوطني معها في ذلك الوقت. النموذج الثاني الذي نشأ في فترة التحرر الوطني هو لجنة تحرير المستعمرات التي اشار اليها الاستاذ محمد فائق، وهي عبارة عن منظمة اقليمية مثل منظمة التحرير الافريقية تقرر الوقوف بجوار الشعوب المستعمرة، لكن هذه المنظمة شكلت لجنة تسمى لجنة التنسيق لتحرير المستعمرات، تقيم في دار السلام في تنزانيا على مشارف المنطقة المستعمرة بالنظم العنصرية، وفي هذا الصدد كانت تقيم معسكرات تدريب للتدخل العسكري في كل منطقة الجنوب الافريقي، فأين نحن اليوم من هذا ونحن ندافع اليوم عن سفينة ذاهبة أو قادمة لفلسطين، وكل الدول العربية لا تستطيع أن تتحمل انها ساعدت سفينة ذاهبة الى فلسطين، بينما كان السلاح المصري والجزائري يذهب من شمال افريقيا الى دار السلام ويسلم للثورة هناك وكان هناك ضباط مصريون اشتركوا في تدريب الوطنيين الافارقة للتدخل في موزمبيق وانجولا وروديسيا وزامبيا لتحرير المستعمرات وبالمناسبة كان يوجد وقتها أيضا قانون دولي فذهبت دول التحرر الوطني هذه الى الأمم المتحدة واقرت اعلان حق الشعوب في تحرير نفسها سنة 60 في وجود الاتحاد السوفييتي في ذلك الوقت، ثم سنة 65 اعلن حق الشعوب المستعمرة في تحرير أرضها بجميع الوسائل الضرورية وفي سنة 70 أعلن الحق في حماية المناضلين من ابناء حركات التحرير لتحرير بلادهم في الأمم المتحدة نفسها.. ومجلس الأمن الذي يرفض اليوم ارسال وفد للتحقيق في أي مصيبة حتى اذا كانت سفينة أو مركبا غرقت، هذا المجلس وهذه الجمعية العمومية هي التي اقرت مبدأ التدخل في المستعمرات ومدها بالسلاح، وحق الشعوب في استعمال جميع الوسائل.. أقصد ان هذا كان تقرر بفضل كتلة التحرر الوطني أما الذين يزعمون ان الظروف صعبة وان كذا وكذا فأقول لهم ان الظروف وقتها كانت أصعب وغير صحيح اننا كنا في رفاهية في الستينيات.. وغير صحيح ان الثقافة السياسية عن افريقيا كانت بهذا الارتفاع، فقد كان بيننا دائما جدل عن طبيعة الثقافة السياسية التي لم تتقدم في مصر كثيرا مع حركة التحرر المزدهرة بهذا الشكل. ودعوني أذكركم انه في سنة 70 عندما توفى عبدالناصر كان الميزان التجاري في مصر صفر: صفر، أي أن الواردات مثل الصادرات في الحجم تماما، بمعنى انه كانت هناك دولة تقيم نفسها وتريد أن تكون في معسكر حقيقي ولها مشروع وطني وتناقش الاخطاء.. دولة بهذا الشكل كان مجموع ديونها لا يزيد على ديون السلاح في ذلك الوقت - حوالي مليار دولار أظن - لا يمكن مقارنتها بحالنا الآن، فنحن صادراتنا لا تزيد على 4 مليارات والواردات حوالي 17 مليارا، ولا توجد دولة في العالم وضعها الاقتصادي هكذا أو أوضاعها الاجتماعية هكذا يمكن أن تفكر في موقف استقلالي كبير، لأنه لابد أن تكون هناك بنية اجتماعية وثقافية واقتصادية كبيرة بزعامة ترى ذلك جيدا من خلال مجموعة ومنطقة مثل المنطقة العربية كلها، وتتخذ موقف تحرر وطني. وهذا الموقف ليس مجرد أصوات مثلما يصور الآن، فكلنا وقتها ضحينا وكنا نتحمل من اجل بناء الموقف، وكان يوجد 22 حزبا سياسيا افريقيا وحركة تحرر وطني في الزمالك كنا نرعاها وكانوا يأكلون معنا.. وسكرتير عام خ.ء. والمؤتمر الوطني الافريقي عاش معي بجواري في المكتب في المبنى وأنا أروي هذا لنرى كيف كان يتم الصرف على هذه الحركات لكن الفكرة ليست في المال فقط ولا في الاعلانات التليفزيونية، وانما الفكرة أن الأمم تبنى من الداخل بشكل ما لتستطيع ان تدفع نفسها الى الأمام وليس صدفة أن تنزانيا وغانا والسنغال والدول التي كان لها صوت في الستينيات هي الدول التي تستطيع العيش الآن، وليس صدفة أن حركة التحرر الوطني في الكونغو التي وقف الناس بجوارها بهذا الحجم هي التي استطاعت - رغم وجود موبوتو حوالي 20 سنة - أن تندفع لتسقط موبوتو، ورغم مشاكلهم الآن لكن بالتأكيد فإن الكونغو تسير الآن في طريق اخر.. وأنا هنا أريد أن أجمع شتات تفكيرنا في معنى مرحلة التحرر الوطني وكيف كانت تولد في ظروف صعبة اذا احترمنا ان الشعوب لها أهداف ولابد ان يكون لها مشروع وطني لكي تصمم على شئ ما.