تبدو المسافة بين جنين ونابلس في الضفة الغربية وقندهار وكابول في شرق آسيا هي اقرب ما تكون في هذه الايام، التي تواجه فيها القيادة الفلسطينية رياحا امريكية عاتية تسعى لتغيير ياسر عرفات الرئيس الفلسطيني بآخر قادر على إبداء مرونة اكثر تتيح التوصل ولو لشبه اتفاق ينهي سنين طويلة من الصراع العربي الاسرائيلي. ويرى مراقبون انه وفي خضم الانفجارات التي تخلفها صواريخ الطائرات الاسرائيلية في قطاع غزة وضجيج الدبابات الاسرائيلية التي تجول في المدن الفلسطينية في الضفة الغربية يبقى المشهد السياسي في الشرق الاوسط مفتوحا على كل الاحتمالات والتي تسير كما يبدو لصالح الاسرائيليين وليس للفلسطينيين. ويقول محللون ان وضع ياسر عرفات الرئيس الفلسطيني هو الاكثر حرجا من كل الفلسطينيين الذين دفعوا اكثر من ألف وخمسمئة شهيد وعشرات الالاف من الجرحى وفقدوا منازلهم ومزارعهم ومصانعهم وحرية تنقلهم واعتقل منهم نحو ستة آلاف شخص بينهم مئات النشطاء خلال واحد وعشرين شهرا فقط هي عمر الانتفاضة الفلسطينية الحالية. ويبقى السؤال المطروح حول مصير القيادة الفلسطينية الحالية وشكل النهاية المتوقعة للازمة وهو السؤال الملح على لسان كل فلسطيني خاصة وان كافة الجهود والاتصالات العربية والاوروبية والاميركية لم تأت بأي حل سوى بمزيد من الضغوط على الفلسطينيين الذين تحولت مدنهم إلى ساحات حرب حقيقية. وتعيد مشاهد المدن الفلسطينية المدمرة والمباني المهدمة في جنين وأعمدة الكهرباء والانارة الممددة في ميدان المنارة برام الله والمحلات المغلقة جراء حظر التجوال المستمر صور قندهار وكابول المدمرة والتي لن ينساها العالم بسهولة. غير ان الكثيرين يرون في هذا المشهد كما يبدو تمهيداً لطبع صورة «قرضاي الفلسطيني» بدل صورة الرئيس الفلسطيني المحاصر في مقره منذ ثلاثة اسابيع للمرة الرابعة في غضون اربعة اشهر والذي يشغل العالم ببياناته وتصريحاته التي ينتظر منها الجميع ان تحمل رياح التغيير والاصلاح الداخلي لتخفيف الضغط الخارجي. ويقول العديد من الساسة الفلسطينيين ان عرفات الذي صافح أربعة رؤساء للحكومات الاسرائيلية منذعام 1993 وعجز عن مصافحة الخامس وهو أرييل شارون، فقد منذ مفاوضات كامب ديفيد الثانية كل أوراق التفاوض التي كانت بيده ليعود إلى ما قبل المربع الاول وهو ما يراه الجميع باعتباره انتصارا إسرائيليا أمريكيا وفي مدة قياسية. فعرفات «72 عاما» الذي فاوض على القدس وما فوقها وتحتها في كامب ديفيد ووقف بوجه بيل كلينتون الرئيس الاميركي السابق وفتح بطون الاتفاقيات وخاض غمار معركة اللاجئين والحدود والمياه والاتصالات ليصل إلى حدود 95 في المئة من مساحة دولته يجلس اليوم محاصرا بين جدران مكتبه برام الله محاطا بالدبابات الاسرائيلية بينما تصول طائرات إف-16 الاسرائيلية على مواقع مدنية فلسطينية وقطاع غزة والضفة الغربية التي باتت محتلة بالكامل. وبينما ينشغل عرفات اليوم بمتابعة تصريحات المسئولين العرب والاجانب لقياس درجة حرارة الموقف اليومي، يواجه كل لحظة ضغوطا من التنظيمات الفلسطينية الراديكالية قبل الاصولية منها والتي باتت عملياتها الفدائية في القدس وتل أبيب هما وعبئا ينوء عرفات وحكومته الجديدة بحملها. وبينما يبحث أصدقاء عرفات في العالم عن مخرج ولو مؤقت له من المأزق الراهن، يجمع الاعداء والاصدقاء على أن المطلب الاميركي المستمر بتغيير عرفات والتلويح بعدم التعامل معه في حال انتخابه مجددا هو المشكلة الاكبر التي تحتاج لحل ولو بتغيير طبيعة النظام السياسي المعقد أصلا. ويخشى الفلسطينيون أن يصبح مصير الدولة الفلسطينية وأرضها وحدودها ومياهها وحق لاجئيها بالعودة وسيادتهم فوق الحرم أو تحته والاستيطان ـ وهي الامور التي كان عرفات يفاوض عليها في منتجع كامب ديفيد الاميركي قبل وقت ليس بالطويل ـ هي الثمن الذي سيدفعه الفلسطينيون لضمان عدم تنصيب قرضاي جديد في الاراضي الفلسطينية. د. ب. أ