الفنان رياض الخولي أحد النجوم الذين نشأوا في رحاب ثورة يوليو وتربوا على مبادئها واخلصوا لها، صحيح أن نجوميته تأخرت كثيرا لكنه كان يقول دائما أن الخطوات البطيئة، الواثقة أفضل كثيرا من الصعود المفاجئ ثم الإنزلاق إلى هوة سحيقة، كان مؤمنا بأن الجيل الذي تربى على الإشتراكية ومبادئ عبد الناصر لابد أنه سيحقق ذاته يوما ما وبمناسبة مرور خمسين عاما على ثورة يوليو سألنا رياض الخولى ما الذي تتذكره الآن بعد مرور نصف قرن على الثورة؟ - أولا لابد أن أؤكد أنني ابن جيل الثورة، ابن المد الاشتراكي، نشأت في جيل تربى على المساواة والعدالة والحرية، كنا على قناعة تامة بأن الزعيم جمال عبد الناصر هو البطل القومي الذي حقق حلم القومية العربية وهو المدافع الأول عن الطبقة المتوسطة والمنحاز دائما لطبقة الفقراء، نحن جيل تعلم بالمجان بفضل الثورة وحصل على العلاج بالمجان والسكن وصنعت الثورة وبقوانينها الاشتراكية جيلا ضخما من القادة والمفكرين والمثقفين هم الذين يتربعون الآن على القمة في كل المجالات ودعمت الطبقة الوسطى التي حملت على عاتقها مهمة الحفاظ على القيم والمبادئ والثورة أيضا اهتمت بالشباب وركزت على خلق كوادر جديدة، فقد كنا نشارك في المنابر من خلال الإتحاد الاشتراكي والمعسكرات الشبابية كنا نهتم بتثقيف أنفسنا ونجد من يساندنا لتحقيق أهدافنا. ـ وباعتبارك فناناً مسرحياً في المقام الأول ومديراً للمسرح الكوميدي أحد مسارح الدولة ما تقييمك للمسرح المصري بعد ثورة يوليو؟ الثورة خلفت حالة من التوهج في المسرح وفجرت طاقة الكتاب بعد أن هيأت لهم الفرصة من خلال مسارحها المختلفة وفي مقدمتها المسرح القومي ومسرح الجيب والطليعة والحكيم ومسرح التليفزيون وانفقت بسخاء على إخراج هذه المسرحيات للنور فكان من أبرز نجومها سعد الدين وهبة والفريد فرج ونعمان عاشور ورشاد رشدي ويوسف إدريس وميخائيل رومان كما أعدت لهم جيلا من المخرجين أمثال كرم مطاوع وسيد العصفور ونبيل الألفي والممثلين العمالقة أمثال عبد الله غيث وسميحة أيوب وسناء جميل، وكان من أهم مميزات الثورة في هذا المجال أنها وقفت على الحياد بين مدارس التعبير المسرحي المختلفة وهو ما مكن جميع المدارس من أن تجد الفرصة للتعبير عن نفسها الديكور أيضا كان له نصيب كبير من التطور في عهد الثورة بسبب عناية الدولة بالمسرح بوجه عام وتعبئة جميع الإمكانات الفنية لأحداث نهضة مسرحية واسعة النطاق ليس بالقاهرة وحدها وإنما بالأقاليم أيضا فأنشأت عشرات المسارح وظهر نتيجة لذلك نخبة من مهندسي الديكور الذين شاركوا مع زملائهم الفاسدين من الخارج في رفع مستوى الديكور وكان قبل الثورة مجرد مناظر تفتقر إلى الفن وتتسم بالسطحية والسذاجة . ـ هل معنى ذلك أن المسرح لم يكن له وجود قبل الثورة؟ لا ولكن وجوده كان مبعثرا يرتبط بقيام فرقة مسرحية، فإذا زالت زال المسرح معها، لكن الثورة عندما أنشأت فرقها الثابتة خلقت نوعا من الاستقرار ساهم في توهج إبداع المسرحيين وأنا استشهد هنا بالكاتب الراحل توفيق الحكيم كنموذج لما كان عليه حال المسرح قبل الثورة فقط ظل وحده على الساحة حوالي 25 سنة دون أن يظهر بجانبه كاتب آخر باستثناء الجهود الفردية لكل من محمود تيمور وعزيز أباظة ولكن جهودهم معا لا يمكن ان توصف بأنها حركة مسرحية مطردة النمو، أما الحركة الفعلية للمسرح فلم تحدث إلا بعد ثورة يوليو فقد بدأت الخيوط تترابط والدائرة تتسع وتزداد شمولا، ولم تكن النهضة التي أحدثتها الثورة مجرد مصادفة أو نتيجة لجهود الدولة فقط وإنما كانت نتيجة لإحساس الشعب بكيانه الجماعي بفعل الثورة وكان طبيعيا أن يعبر المسرح وهو الفن الجماعي المعبر عن روح الشعوب وتطلعاتها عن روح الشعب المصري، الثورة إذن كانت نقطة إنطلاق للمسرح لأنها كانت نقطة إنطلاق لروح الشعب ـ هل يعني ذلك أن الثورة خلقت تيارا متصلا في المسرح المصري؟ بالتأكيد فالمسرح مع الثورة أصبح تيارا متصلا بدأ بنعمان عاشور مع «الناس اللي تحت» و«الناس اللي فوق» ومعه يوسف إدريس بنصوصه الرائعة مثل «جمهورية فرحات» و«الفرافير» سعد الدين وهبة «بالمحروسة» و«السبنسة» و«سكة السلامة» و«كوبري الناموس» وألفريد فرج وعبد الرحمن الشرقاوي وإستمر هذا التيار حتى أواخر الستينيات ومازالت هذه المرحلة تمثل الآن أهم مرحلة في تاريخ المسرح المصري وهنا لابد أن أشير إلى دور ثروت عكاشة وزير الثقافة وابن الثورة الذي حمل مشعل الثقافة في فترة توصف بأنها أزهى عصور الثقافة المصرية فعلى يديه وصل المسرح إلى الكفور والنجوع والقرى عبر مسرح الثقافة الجماهيرية وهذا المسرح بالذات كان أحد مكاسب النظم الاشتراكية التي أوجدتها الثورة. ـ هل كان هناك إهتمام بالمسرح المدرسي؟ المسرح المدرسي لم يشهد إهتماما في تاريخه مثلما شهد في عهد الثورة فقد كان تطور هذا المسرح نتيجة حتمية بعد أن أجبرت المدارس على تقديم أكثر من عرض مسرحي خلال العام الواحد وتعددت الحفلات نتيجة للإنتصارات القومية والإصلاحات التي حدثت بالداخل وبدأ النشاط المسرحي منذ عام 1956 ينتشر في شتى الأقاليم المصرية بعد أن كان قاصرا على القاهرة والجيزة فقط وتم وضع نظام جديد لمسابقة تجرى بين المدارس الثانوية على مستوى الجمهورية. ـ هل كان للثورة دور في ربط المسرح بالمجتمع المصري؟ كان يخضع لمحاولات فردية ربما تصيب وربما تنحرف عن إهتمامات المشاهد فكان السائد في تلك الفترة مقولة تقديم الفن للفن من خلال تمصير النصوص الأجنبية لا ترتبط بأهداف عامة وكان الغرض منها هو الترفيه فقط ولكن بعد الثورة لم يعد المسرح مجرد ترفيه ولم يعد مجرد موضوعات مستوردة من نصوص أجنبية وإنما أصبح هناك حالة من الخلق الأدبي المرتبطة إرتباطا وثيقا بواقعنا المصري وتراثنا ومشاكلنا وأكبر دليل على ذلك هل تلك النصوص التي خلفها لنا نعمان عاشور ويوسف إدريس وسعد الدين وهبة، حتى على مستوى الإخراج أفرزت الثورة جيلا بأكمله من المخرجين بعد أن كانوا يعدون على أصابع اليد الواحدة قبلها فقد أتاحت الدولة لهم فرصة الدراسة بالخارج كما حدث مع كرم مطاوع وحمدي غيث وجلال الشرقاوي واحتضنت الدولة موهبتهم بعد عودتهم ـ بعد مرور نصف قرن على ثورة يوليو كيف ترى المسرح الآن؟ - للأسف هناك تراجع مستمر على جميع المستويات بداية من عدد الفرق التي اختفى بعضها مثل فرق التليفزيون العالمي والحكيم ومرورا بالميزانية المخصصة لإنتاج العروض ثم تراجع حركة التأليف وإنحسار البعثات التي أثرت بالطبع على مستوى التقنية في المسرح ونهاية بالجمهور الذي إبتعد عن مسرح الدولة بعد أن فقد دوره في تقديم خدمة ثقافية حقيقية، حتى مسرح الثقافة الجماهيرية تراجع أيضا بسبب الاعتمادات المالية والروتين وعلينا أن نبدأ من الآن في إعادة بناء الجسور مع الجمهور مرة أخرى بداية من المسرح المدرس والثقافة الجماهيرية ونهاية بمسرح الدولة فنحن مازلنا حتى الآن نعيش على مكاسب الثورة وظلالها وعلينا أن نعيد للمسرح دوره الثقافي والتنويري.