يلقي حسني مبارك رئيس مصر اليوم خطاباً سياسياً مهماً إلى الأمة بمناسبة اليوبيل الذهبي لثورة يوليو خلال الاحتفال الذي تقيمه القوات المسلحة بالكلية الحربية، كما يشهد الرئيس المصري مساءً الاحتفال الذي تقيمه وزارة الثقافة ويحضره عدد من الوزراء والسفراء وكبار رجال الدولة وأعضاء من مجلس قيادة الثورة ومن تنظيم الضباط الأحرار وعدد كبير من المثقفين ورجال الأحزاب المصرية والفنانين وممثلين لجميع طوائف الشعب المصري. في الوقت نفسه واصلت دار الكتب والوثائق المصرية ندواتها احتفالاً بالعيد الخمسيني وكانت ندوة أمس عن دور ثورة يوليو العربي والأفريقي والتي شاركت فيها مجموعة من الباحثين والمفكرين والمعقبين منهم الدكتور أحمد صدقي الدجاني (فلسطين) الذي تحدث عن جمال عبدالناصر ودور ثورة يوليو في بلورة فكرة القومية العربية، والدكتور جمال باروت (سوريا) الذي تحدث من خلال مجموعة جديدة من وثائق الثورة عن نظرة السوريين الى ثورة يوليو وتحولاتها من (1952 ـ 1955). أما الدكتور السيد فليفل عميد معهد الدراسات الافريقية بالقاهرة فقد تناول ثورة يوليو ودور مصر الافريقي. وأثار الدكتور قدري حفني أستاذ علم النفس مجموعة من القضايا الساخنة حول علاقة جمال عبدالناصر بالتنظيمات السياسية المستقلة سواء قبل الثورة أو بعدها، وكذلك أجهزة الأمن التي لاحقت المشاركين في التنظيمات السياسية المستقلة، وهو ما دفع الدكتورة هدى عبدالناصر للرد عليه كاشفة بالوثائق مجموعة من المؤامرات التي تعرض لها عبدالناصر حتى من أقرب الأقربين له، مما جعل فكرة تأمين الثورة من الداخل والخارج في بعض الأحيان ضرورة ماسة. بدأت الندوة بحديث الدكتور أحمد صدقي الدجاني عن دور عبدالناصر في بلورة فكرة القومية العربية فقال «كان من أهم ما حققته الثورة العربية التي قادها عبدالناصر بلورة فكرة القومية العربية وتحديد أهداف النضال العربي المنطلق منها والمعبر عنها. ففي ظل هذه الثورة وبجهد من عبدالناصر استقرت فكرة القومية العربية على أسس علمية واقعية موضوعية وتبلورت بصورتها الصحيحة. وكانت الدعوة الى القومية العربية بمفهومها الحديث قد بدأت مع تفتح حركة اليقظة العربية أواخر القرن الماضي وأوائل هذا القرن، ولو نظرنا في هذه الدعوة آنذاك لرأينا فكرة القومية العربية فيها لم تتبلور، فكانت فكرة أقرب الى العاطفة وتعاني من ابهام وتناقضات فيها ولرأينا الدعوة أيضاً محصورة في أجزاء عربية دون بقية الأجزاء. ففي مصر كانت الفكرة تعاني، فعلى الرغم من ان مصر لعبت دوراً كبيراً في تفتح حركة اليقظة العربية إلا انها كانت منذ عام 1882 تعاني من تسلط الاستعمار البريطاني عليها ومحاولته اغلاقها سياسياً في الدائرتين العربية والاسلامية، ومن هنا واجهت مصر ـ كما يقول جمال حمدان ـ فترة متميعة مليئة بالتناقضات ومن ثم بالحيرة، فقد كان ثمة أربعة أبعاد متصارعة». وحدد الدجاني هذه التناقضات الأربعة التي حالت دون بلورة الفكرة القومية العربية في التاريخ المصري الحديث بصورة صحيحة كما يلي: التناقض الأول مبعثه الوطنية المصرية الضيقة كما فرضها عليها الاستعمار كأمر واقع وكما أرادتها الرجعية الحاكمة كمصلحة ذاتية انفصالية ثم على النقيض من هذه المحلية المفرطة كانت العالمية الأوروبية التي جلبتها معها قوة اغراء الحضارات الجديدة الكاسحة، يلي هذان بعدان احدهما خارجي قريب العهد هو الاسلامية التي كانت تمثلها تركيا لقرون عدة والثاني قديم تمثله مصر القديمة. وعلى مستوى العالم العربي ـ كما يطرح الدجاني ـ عانت الفكرة القومية قبل بلورتها النهائية على يد عبدالناصر وثورة يوليو من تناقضات ومشكلات أخرى منها تناقض تاريخي تمثل في الصدام بين الفكرة والتاريخ البعيد للمنطقة ونتج عنه موقف عدائي متشنج من تاريخ المنطقة القديم وحضاراتها فيه مصرية أو سورية أو عراقية.. الخ. وعجز هذا الموقف عن تحديد الصلة بين الأمة العربية وتاريخها، وهي مرحلة التكوين، كما نتج عن هذا التصادم التاريخي تصادم بين الوطنية والقومية. أما التناقض الثاني فكان تناقضاً روحياً تمثل في الصدام بين الفكرة وعقائد الأمة، ونتج عنه موقف عدائي متشنج من الدين اسلاماً كان أو نصرانية، ومن القيم الروحية عموماً وعجز هذا الموقف عن اكتشاف أو تحديد موقع البعد الروحي في الفكرة القومية نفسها. ومن التناقضات التي عاقت تقدم الفكرة القومية ـ كما يرى الدجاني ـ تناقض طبقي تمثل في الصدام بين الفكرة ومفهوم الثورة الاجتماعية ونتج عنه اغفال كامل ممن وقعوا فيه من حملة الدعوة القومية للبعد الاجتماعي للثورة. وبعد ثورة يوليو تم حل هذه التناقضات لتتبلور الفكرة القومية وتأخذ بهاءها، فقد أوضحت ثورة يوليو بجلاء البعد التاريخي لفكرة القومية العربية وذلك من خلال النظرة العلمية لتاريخ المنطقة الذي يؤكد بأن مراحل نضال الأمة العربية فيه متصلة ومتتالية ومن ثم فإن جذور هذا النضال تمتد عبر الزمان الى الماضي البعيد. ومن هذه العملية التي انطلق منها الميثاق الوطني لثورة يوليو في حديثه عن المنطقة ومصر شدد الميثاق على الموقف الايجابي من حضارات المنطقة جميعها وتاريخها القديم عموماً. كذلك أوضحت الثورة البعد الروحي في فكرة القومية العربية فخلصت الفكرة من تناقض بارز عانى منه بعض دعاة القومية في المرحلة العاطفية وأكد الميثاق أهمية القيم الروحية في اسعاد الانسان وصنع التقدم ونظر الى رسالات السماء في جوهرها فكشف عن حقيقتها الثورية وأوضح دور الاسلام في تكون الأمة العربية وتحقيق انطلاقاتها. أما التناقض بين الفكرة القومية والظلم الاجتماعي فقد تم حله بتبني الثورة هدف تحقيق العدالة الاجتماعية منذ البداية، وقال عبدالناصر عام 1962 «الاشتراكية هي الكفاية والعدل، هي العدالة الاجتماعية، التخلص من الاستغلال، الاشتراكية بهذا المعنى هي شريعة العدل، شريعة الله، وشريعة الله تأبى أن يكون الغنى إرثاً والفقر ارثاً». وعن علاقة الثورة في سنواتها الأولى بجماعة الاخوان المسلمين المصرية والسورية قال الدكتور جمال باروت معتمداً على مجموعة من الوثائق أفرجت عنها الجماعة السورية وحسبما يقول باروت فإن حسن الهضيبي مرشد الاخوان في مصر بعد حسن البنا كان العقبة المنيعة في مواجهة محاولات عبدالناصر والتيار الراديكالي الاخواني في السيطرة على الجماعة، وقد تعقد هذا الصراع بشكل حاد حين واجه عبدالناصر ومجلس قيادة الثورة عصياناً داخلياً في تنظيم الضباط الأحرار تصدره في يناير 1953 سلاح المدفعية، لقد طلب الضباط الثائرون عقد جمعية عمومية للضباط تكون قراراتها ملزمة والحد من انفراد المجلس وعبدالناصر بالقرار، واتصل هؤلاء بالهضيبي الذي فاتحهم بأزمة الثورة، ويبدو ان ذلك ـ كما يقول باروت ـ أدى الى اتخاذ قرار بتحطيم سلطة الهضيبي في الجماعة وتكتيل معارضيه لاقالته من داخل الجماعة، فوجه عبدالناصر انذاراً شديد اللهجة ضد الهضيبي ودفع أنصاره في الجماعة وما أكثرهم بالشروع في اجراءات اقالته، غير ان عبدالناصر وأنصاره لم يتمكنوا من اقالة الهضيبي لكنهم تمكنوا من الناحية الفعلية من تمزيقها، وما لم تكشف عنه الدراسات العربية بصورة كافية هو ان عبدالناصر قاد معركته الداخلية ضد الهضيبي على مستوى التنظيم الاخواني العربي وليس المصري، وتمثل ذلك بشكل خاص في سوريا ولبنان. وكان رجل عبدالناصر القوي والفعال بهذه المهمة هو «نجيب جويفل» أحد قادة الجهاز الخاص الذي نزل في سوريا وتميز سلوكه بالطهرانية، وقد عمل جويفل على خلق انشقاق في الجماعة السورية ضد قيادة المراقب العام السوري الدكتور مصطفى السباعي عضو الهيئة التأسيسية للجماعة وتمكن المنشقون من السيطرة على ترخيص حكومي اضطرت الحكومة فيما بعد الى سحبه. أما على مستوى الدائرة الافريقية فقد رصد الدكتور فليفل تطورات العلاقات المصرية الافريقية قبل الثورة وبعدها، فقبل الثورة كانت سياسة مصر في افريقيا تقوم على دعامة واحدة هي وادي النيل وقد تم تلخيص افريقيا في السودان وتم تلخيص السودان في نهر النيل وتم تلخيص الأمن القومي المصري في افريقيا في الأمن المائي، كما اتسمت السياسة المصرية في افريقيا قبل الثورة بنزعة من التعالي على أساس ان مصر هي الدولة الرائدة التي لا حاجة لها بالدول الأخرى في افريقيا. وبعد الثورة أصبح الفارق هائلاً في الأداء وفي السياسات وفي الأهداف والتوجهات وتحولت مصر الى معسكر لتدريب المناضلين الافريقيين ضد الاستعمار وأصبحت الجمعية الافريقية المكان الذي تدار منه الخطط الافريقية ضد الاستعمار وأعوانه وقدمت الثورة الدعم للدول الافريقية بعد الاستقلال ولعبت دوراً رفيع المستوى في صيانة الدول الافريقية وعدم تقسيمها، وقد عادت هذه السياسة كما قال د. سيد فليفل على المصالح المصرية والعربية بفوائد جمة، فقد وقف الأفارقة ضد الدولة الصهيونية وأكدوا تضامنهم مع الأهداف القومية العربية. وقال الدكتور قدري حفني عن التكوين السياسي لجمال عبدالناصر ومن ثم التكوين الثقافي والنفسي انه دخل تنظيمين أساسيين قبل الثورة واعتبره كل منهما عضواً أساسياً فيه الأول هو تنظيم الاخوان المسلمين، والثاني هو تنظيم «حدتو» الشيوعي لكنه لم يستمر في أحد من التنظيمين، وشكل تنظيمه الخاص الذي جند فيه عدداً من أهم كوادر حدتو والاخوان معاً، وهو تنظيم الضباط الأحرار. وحسب رؤية الدكتور حفني فإن عبدالناصر قد دخل هذين التنظيمين لاختبار مدى قوتهما أو بالأحرى مدى قدرتهما على تحقيق الثورة، وخلص الى ان أي منهما عاجز عن القيام بالثورة لعدم تمكنه من امتلاك القوة التي تؤهله للقيام بها، تلك القوة التي كانت من نصيب تنظيم الضباط الأحرار وهي القوة العسكرية. لكن عبدالناصر ـ حسب رؤية حفني أيضاَ ـ أدرك خطورة التنظيمات السرية وقدرتها الفائقة على التخفي والتغلغل لدى الجماهير، فكانت ريبته بعد الثورة من وجود أي تنظيم سري مستقل وهو ما جعل أجهزة الأمن ترصد التنظيمات السرية وتنكل بها وهو ما جعله أيضاً يسعى الى حل الأحزاب، بل الى حل تنظيم الضباط الأحرار نفسه بعد أن انتهت مهمته بقيام الثورة، ذلك لأنه أي تنظيم الضباط هو في نهاية المطاف تنظيم. وينطلق تحليل الدكتور حفني لهذه المسألة في الوعي السياسي والسلوك العلمي عند عبدالناصر من انه كان يحمل أهدافاً عظيمة ويخشى من أية عوائق تحول دون تحققها، ولم يكن منطلق عبدالناصر في قمعه للتنظيمات السرية وعلى رأسها تنظيمات الشيوعيين والاخوان منطلقاً دكتاتورياً رافضاً للديمقراطية والتعددية بدليل انه كان يعد في أواخر الستينيات لاطلاق حرية تكوين الأحزاب. وكانت كلمة الدكتور قدري حفني قد لاقت تعقيبات عدة وردود أولها تعقيب الدكتورة هدى جمال عبدالناصر التي قالت «كان عبدالناصر محاوراً جيداً من أول أيام الثورة وكان يحض الناس على المشاركة، لكن الثورة نظراً للمؤمرات التي واجهتها من الداخل والخارج كانت بحاجة الى تأمين، ولم يكن هذا التأمين من أجل أن يستمر عبدالناصر جالساً على كرسي الحكم ولكن من أجل أن تستمر الثورة ذاتها وتحقق أهدافها. ومنذ البداية واجه عبدالناصر مؤامرة من سلاح الفرسان بقيادة خالد محيي الدين ثم مؤامرة من محمد نجيب من أجل ازاحة عبدالناصر من السلطة، ولم يكن للانجليز أي مشكلة مع محمد نجيب، ولكن مشكلتهم، كما قال «ايدن» كانت مع عبدالناصر، كان الانجليز جاهزين وكان نجيب جاهزاً والوثائق موجودة، ثم كانت مؤامرة الانفصال والوثائق موجودة أيضاً بخط يد مجموعة من الشيوعيين السوريين وخالد بكداش الذي كان يتحدث وكأنه حمل وديع. إذن مسألة تأمين الثورة كانت مسألة حيوية.