انطوت ثورة 23 يوليو 1952 على سلسلة من الثورات التي غيرت وجه الحياة على أرض مصر ولعل أبرز هذه الثورات مجانية التعليم في كل مراحله والتوسع في إنشاء المدارس والجامعات، ولم تكن مجانية التعليم كما أقرتها ثورة يوليو أداة لتحرير المصريين من الجهل فقط، وإنما كانت ملحمة خاضها أبناء الفقراء ولعبوا فيها أدوارا بطولية هدفها الخروج من دائرة الفقر المتردية، فقد وفرت المجانية للملايين من أبناء الطبقات الشعبية الحلم بحياة أفضل عندما يتخرجون من الجامعة مهندسين وأطباء ومحاسبين ومدرسين فيغادرون حياة الفاقة والعوز بكل ما تنطوي عليه من تشوه وبؤس واحتقار إجتماعي. وإذا كانت ثورة يوليو قد تفجرت عام 1952 فإن معظم الآراء ترى أنها إنتهت مع عقد السبعينيات حيث يرى البعض أنها انتهت برحيل عبد الناصر عام 1970 فيما يرى البعض الآخر أنها إنتهت عندما إنتهج السادات سياسة الإنفتاح الاقتصادي والصلح مع إسرائيل في النصف الثاني من السبعينيات وبالإجمال فإن السياسات والإجراءات التي جاءت بعد هذا التاريخ كان معظمها مناقضا لسياسات وإجراءات الثورة وأهدافها. مع ذلك فإن مجانية التعليم كما أقرتها الثورة لم تسلم من نقد حيث يرى البعض أنها غلبت الكم على الكيف وحاولت تطعيم المؤسسات التعليمية والمناهج الدراسية بخطابها السياسي الأيديولوجي، غير أن الندوة التي اقامها مركز «رامتان الثقافي» بعنوان «ثورة يوليو والتعليم في نصف قرن» حاولت الإجابة على سؤال أساسي هو: ماذا حدث للتعليم في نصف القرن الأخير، وما هي الأوضاع السياسية والاقتصادية التي غيرت من شكله ومضمونه وأهدافه، وهل ساهمت إجراءات الثورة نفسها في جعل الباب مواربا لدخول مثل هذه التغيرات بكل ما لها من آثار. هذه الأسئلة وغيرها طرحتها ندوة رامتان التي شارك فيها شيخ التربويين المصريين الدكتور حامد عمار أستاذ إجتماعيات التربية بجامعة عين شمس، والدكتور وليم عبيد رئيس الجمعية المصرية لتربويات الرياضيات، والدكتور شبل بدران رئيس قسم أصول التربية بجامعة طنطا. في البداية تساءل د. حامد عمار: ماذا جرى للتعليم بعد طه حسين الذي قال عنه إنه كالماء والهواء؟ هل مازال الماء والهواء نقيا أم أصابه شيء من التحول والتلوث.. في نصف القرن الأخير حدثت حركة تحولات للتعليم، هذه الحركة كان جذرها أكثر من مدها، وكان انكماشها أكثر من اتساعها، وكانت إمداداتها الخطية أكثر من تشكيلاتها الكلية الحقيقية، وهذه الفترة تمثل ثلاث مراحل أولها المرحلة الناصرية والمرحلة الثانية هي: مرحلة الإنفتاح الاقتصادي والثالثة هي المرحلة الراهنة. وسوف أركز حديثي على المرحلة الناصرية لأنها الفترة التي عايشتها وعايشت ما قبلها ورأيت نظام التعليم قبل الثورة، وتعلمت وفقا له. تبدأ المرحلة الناصرية بالأيديولوجية المعروفة التي تتمثل في مبادئ الثورة الستة، ثم تطبيق الاشتراكية في الستينيات، وأهم ما إرتبط به التعليم في هذه المرحلة عنصران: الأول عنصر القضاء على احتكار كبار ملاك الأراضي والرأسمالية لكل المغانم التي كانت واردة في المجتمع من قبل ومن بين هذه الموارد مورد التعليم، حيث كان التعليم كله بمصروفات ماعدا المرحلة الإلزامية وهذه المصروفات لم تكن في مقدور معظم الشعب وكان يقال أن الطبقات الفقيرة لها التعليم الإلزامي فقط حتى يعرفوا مكانتهم في المجتمع ولا يتجاوزوها. أما الموضوعات التي كانت تدرس في المدارس الإبتدائية قبل الثورة فأتذكر أننا كنا ندرس في كتاب القراءة الرشيدة موضوعات مثل: هل رأيت النيل يا حبيبي؟ وكانت المدارس الإبتدائية تتحدث عن الحدائق الغناء والمباني الهندسية النظيفة التي كانت الغالبية الساحقة محرومة منها بالطبع. وأول ما فعلته الثورة يضيف د. حامد عمار هي أنها وحدت التعليم الإلزامي والإبتدائي وتغيرت المناهج بحيث أصبح التعليم نوعا من التعبئة الثقافية العامة في إطار يوحد بين شرائح الشعب ويستفيد منه الشعب كله أما النقلة الثانية فكانت في أقرار المجانية في كل مراحل التعليم من الإبتدائي إلى الجامعة وكان هذا مكسبا من المكاسب الشعبية التي حققتها الثورة بحيث فتحت الباب أمام الشرائح المختلفة في المجتمع لكي تتطلع إلى هذا النوع من التعليم وتتطلع إلى حياة أفضل، إرتبط التعليم أيضا بمجموعة الإجراءات والسياسات التي إتخذتها الثورة وتم وضع قواعد صارمة لمنع كل من يحاول الخروج على النظام حيث حدثت في الجامعة بعض التنظيمات من بينها ما حدث في منتصف الخمسينيات من دخول الأمن إلى الجامعة «حرس الجامعة» وبدأ وضع القواعد والقوانين لتنظيم تعامل الأساتذة مع أي هيئة أجنبية وكان يجري محاسبة أي خروج على هذه القواعد وبالنسبة للجامعات أيضا تم إنشاء المجلس الأعلى للجامعات وكانت الأهداف الشكلية وراء إنشاء هذه المؤسسة هو التنسيق بين الجامعات لكن الخطاب المؤسسي هو الذي ضبط الجامعة ووضعها في نظام واحد يمكن السيطرة عليه وكان ذلك بهدف التعبئة العامة وفقا لأيديولوجية الثورة وفي مجمل تقديري الكلام لحامد عمار فإن ما قدمته الثورة على مستوى الكم والكيف لايمكن أن ينكر فقد توسعت في بناء المدارس وإنشاء الجامعات وتضاعفت مرات عديدة أعداد الطلاب والطالبات في المدارس والخريجين من الجامعات ومن حسنات الثورة في هذا المجال هو التوسع في تعليم الإناث فقد كن محرومات من التعليم قبل الثورة ولم يكن يتعلم من الإناث سوى بنات الطبقات الإرستقراطية، وهي نقلة نوعية في مجال التعليم حيث وصل عدد الإناث المتعلمات بعد سنوات من الثورة إلى ستة أمثال ما كان عليه قبلها وفيما يتعلق بالمناهج فقد قامت الثورة بالتعبئة لأهدافها من خلال مضامين هذه المناهج وعرف الطلاب أن مصر جزء من الوطن العربي الكبير وعرفوا القومية العربية وأن الإنجليز كانوا استعمارا بغيضا يحتل مصر وأن قناة السويس حفرها المصريون، والمصريون فقط لهم الحق في خيراتها كما تعرفوا بصورة أعمق على المشروعات القومية العملاقة مثل السد العالي وعرفوا الاشتراكية وتذويب الفوارق بين الطبقات. وأخيرا فإن الحكم على التعليم في المرحلة الناصرية يشير إلى أن إتجاهه الإيجابي كان بارزا ومطردا فيما أتاحه من فرص هائلة في التعليم وفي الطلب عليه من مختلف الشرائح وأحدث التعليم حراكا إجتماعيا من نوع حراك الطبقات الدنيا والوسطى تأسيسا لمبدأ العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص. وفي كلمته انتقد الدكتور وليم عبيد التعليم في السنوات الخمسين الماضية بشكل عام مؤكدا على أن ما يضعف العملية التعليمية هو محاولات أدلجتها ناحية اليسار أو ناحية اليمين، وإذا كانت الأدلجة تمثل خطورة بهذا الشكل فإن «الدبلجة» حسب تعبير الدكتور عبيد أكثر خطورة وتعني «الدبلجة» حسب طرحه نقل النموذج التعليمي من الخارج إلى الداخل، فالنظم التعليمية في البدان المتقدمة ارتبطت بظروف وسياق التطور في هذه البلدان وعندما تنقل النموذج فإنك تقلده أي لا تعطي الفرصة للإبداع الذاتي وهذه هي أكبر معاناه مر بها التعليم في مصر في السنوات الخمسين الماضية. وفي نقده للعملية التعليمية أشار الدكتور عبيد إلى أن مظاهر الخلل بدأت تتفاقم منذ السبعينيات ومنها إتباع المنهج الخطي في وضع المناهج وعدم الربط بين المواد وعدم اكتشاف التماسك بينها، فواضعو المناهج لم يضعوا في الاعتبار تنمية المهارات والقدرات عند الطلاب مثل تنمية ملكات الإبداع والخيال والتفكير والنقد ولكن كانت المناهج تهتم أكثر من أي شيء آخر بعملية الحفظ والترديد فلا يستطيع الطالب أن يرى حديقة المعرفة. أما الدكتور شبل بدران فقد ركز في كلمته على نقد التعليم في المرحلة الناصرية والتي امتدت حسب قوله إلى عام 1974 وأشار الدكتور شبل إلى أن الخلل في هذه المرحلة ينبع من اختيار منهج التوازن واستبعاد منهج الصراع، فقد طبقت ثورة يوليو نوعا من الاشتراكية لكنها لم تكن الاشتراكية العلمية وكانت مناهج التعليم تهدف إلى خدمة شعارات النظام السياسية ورؤاه الايديولوجية، وأن الاختلال في نظام التعليم لم يبدأ بعد المرحلة الناصرية وإنما بدأ مع المرحلة الناصرية وأن ما جاء بعدها هو إمتداد لها فنحن حتى الآن مازلنا نحكم برجال الستينيات في كل مجال، ولم تكن مجانية التعليم على إطلاقها ولم تأت هذه المجانية مع بداية مجئ الثورة وإنما جاءت مجانية التعليم الجامعي مثلا عام 1961 والمرحلة بمجملها غلبت الكم في التعليم على الكيف. وفي تعقيبه قال الدكتور حامد عمار: هناك قضايا لاتزال تمثل ثنائيات في أفكارنا وتمثل ردودا قاطعة منها مسألة الكم والكيف، فالكم ليس بالضرورة ضد الكيف، بل قد يصبح الكم في غاية الأهمية وما حدث في عهد عبد الناصر لم يكن ثورة كمية في التعليم فقط وإنما كان ثورة كيفية والدليل على ذلك التوسع في تعليم الإناث. أما قضية التوازن والصراع فهي تمثل ثنائية أخرى في أفكارنا، فالتوازن والصراع ليسا طرفي نقيض بالضرورة أو طرفي ثنائية لانهما متواجدان معا ومختلطان في حركة المجتمع بإستمرار وكل صراع يصل إلى توازن في النهاية وكل توازن يفرز بعد فترة تناقضاته وصراعاته ليصل إلى توازن أفضل وعبد الناصر لم يكن هدفه إقامة الإشتراكية العلمية وإنما الاشتراكية العربية المنبثقة من الواقع العربي والمرتبطة بقضاياه ومشاكله. وفي رده على سؤال حول ما حدث للتعليم الأزهري من تطوير وتغيير في المرحلة الناصرية حيث يدور حول هذه القضية جدل واسع وجاد بين مؤيدين لما حدث ورافضين له قال الدكتور عمار في عام 1961 حدث تطوير للتعليم الأزهري وقبل هذا التاريخ كان الأزهر يدرس الشريعة وأصول الدين واللغة العربية من خلال مناهج عتيقة ولم يكن لهذه المناهج علاقة بعصرها، فوجدت الثورة أن الازهر الذي يمكن أن يترجم الدين إلى عمل معزول عن الحياة والدراسة فيه تخضع للمنطق الصوري وقياس الحاضر على الماضي، وكان علينا أن نجعل الأزهر ليس مجرد معاهد وكليات وإنما جامعة يشتبك فيها الدين بالحياة، جامعة تعيش عصرها ولا تنعزل عن العالم فتم تطوير الكليات النظرية التي تدرس الدين واللغة وأضيفت الكليات العملية التي تدرس الطب والهندسة واللغات وغيرها ويدرس طلابها إلى جوار هذه المواد العملية مواد دينية ولغوية تربطهم بدينهم من خلال رؤية مستنيرة.