قبيل ورود الانباء المتواترة عن اقتراب توقيع الحكومة السودانية والحركة على «اطار سلام» في نيروبي تحت مظلة الايغاد والشركاء بدأت الحركة السياسية السودانية ، وكأنها تحاول اللحاق بالترتيبات الجارية في لهاث غير منتظم يبدو اقرب للاجتهادات الفردية غير المنتظمة او الصحوة السياسية المتأخرة او مجهودات الساعات الأخيرة وليس استثناء من ذلك المنتدى الذي شهدته الخرطوم امس بدعوة من المنتدى القومي المدني الذي انعقد بقاعة فريدرش ايبرت تحت عنوان «مباحثات نيروبي الواقع والتطلعات» وأدار النقاش فيها ابراهيم منعم منصور مع حضور من تمثيلات حزبية شمالية وجنوبية وشخصيات عامة واكاديميين من الجامعات وشباب وطلاب ونساء واعلاميين وممثلين لمنظمات طوعية غير حكومية عاملة في مجال السلام وحقوق الانسان والديمقراطية والتنمية والبيئة. وكانت الخرطوم في الايام الماضية قد شهدت صحوة سياسية مفاجئة بعد وصول البروفيسور الالماني رودقر ولفورم الذي تعرفه بعض الاوساط بناسخ الدستور الجديد للسودان عبر معهده «ماكس بلانك» وعبر تفويض الخارجية الالمانية والمجموعة الاوروبية حيث دار نقاش طويل عبر حلقات الحوار الاربع التي اجراها في الخرطوم مع شخصيات عامة من المجتمع المدني وممثلين حزبيين وحكوميين علاوة على لقاءاته مع زعماء احزاب واخرين. ويبدو ان هؤلاء المشاركين في الندوات وغيرهم من القوى السياسية والناشطين قد شعروا مؤخراً بأن اتجاه مفاوضات الايغاد التي تتكتم كل الاوساط الرسمية المشاركة فيها بمجرياتها يسير في خط يهتم بوقف الحرب واجراء ترتيبات للسلام من غير اهتمام في هذه المرحلة بقضية الديمقراطية أو التحول الديمقراطي الذي تعده رؤية هذه الاطراف الشرط الاول لاقامة السلام واستدامته. وقد كان اكثر الجدل يتجه نحو قضايا الايغاد الشائكة وهي علاقة الدين بالدولة، تقرير المصير، الفترة الانتقالية وشكل الدولة السودانية ودستورها خلال فترة الانتقال وحتى الاستفتاء وقد بدا واضحاً للمهتمين في السودان ان كل الاشارات السياسية الصادرة من تقارير دانفورث وتصريحات الادارة الاميركية واحاديث المبعوث الالماني تصب في خيار الدولة السودانية الموحدة وقد لاحظ المراقبون ان استراتيجية الحكومة قد اصبحت تتجه بقوة نحو تغليب خيار الوحدة ورفض انفصال الجنوب وهو ما يعده كثير من المراقبين انقلابا على الاستراتيجية السابقة للاسلاميين الحركيين في السودان ويربط بعض هؤلاء المراقبين هذا التحول بحرص النظام في الخرطوم على الثروة البترولية القائمة في الجنوب. وبعد ان اشتعلت «حرب الفاكسات» في السودان تدفقت على الايدي المسودات والمقترحات والاوراق التي يحمل بعضها مطالبات لم يكن الواقع السياسي والصحفي يتداول حولها بجدية مثل الدساتير الثلاثة في الفترة الانتقالية: الدستور الاسلامي للشمال، والدستور الديمقراطي للجنوب، والدستور «الديمقراطي العلماني» لدولة الاتحاد ومثل الحديث عن الكيانات السياسية الخمسة كيان الجنوب، كيان الشمال، كيان جبال النوبة، كيان جنوب النيل الأزرق، وكيان الدولة الاتحادية. ولفت هذا التصور الاخير الاذهان الى الفيدرالية السويسرية ونظام الكانتونات التي تؤلف بين التنوع الاثني والثقافي في سويسرا بين مجموعاتها ذات التعددية اللغوية العائدة للالمانية والفرنسية والايطالية والرومانش خاصة وان المبعوث الاميركي جون دانفورث فرغ لتوه من زيارة لسويسرا وهو في طريقه قريباً للسودان وفي سويسرا اجرى دانفورث مفاوضات ومحاورات ومدارسات ذات معنى لسياق ما يدور في نيروبي حيث تسلم من سويسرا جملة مقترحات لسلام السودان وتحاور مع الخارجية السويسرية مطولاً وكما جاء في الانباء سلم السفير جوزيف بوشر رايس وفد الوسطاء السويسريين الى السودان مقترحات لاقرار تسوية شاملة في السودان شملت قضية اقتسام السيادة ذات الطابع العسكري بين شمال وجنوب السودان، واتفق دانفورث مع الخارجية السويسرية بأن النجاح الكبير لوقف النار في جبال النوبة يعد بمثابة تجربة يجب ان تشمل كل الاراضي السودانية وسويسرا هي الأرض التي تم عليها في «19» يناير الماضي توقيع اتفاق وقف اطلاق النار في جبال النوبة تحت آلية الرقابة الدولية وقد أكدت ماريان انفلر رئيسة البعثة السويسرية للسودان نجاح وقف اطلاق النار ومشروع التهدئة في جبال النوبة واحترام الهدنة من الجانبين وعودة الحياة الطبيعية الى الجبال وتنقل الاشخاص في سلام وحرية علاوة على تكريس حضور المنظمات غير الحكومية التي اصبحت قادرة على ممارسة نشاطها. وعندما يقترح جون دانفورث اكثر من مرة بأن تجربة جبال النوبة يجب ان تشمل جميع الاراضي السودانية فان ذلك يعني بشكل مباشر انتقال التجربة الى جنوب السودان وان القطار لن يتوقف في جبال النوبة. وبدأت الاطراف السياسية في السودان تحاول ملاحقة ما يجرى وتتحسس مواقفها حيث ان الترتيبات المتوقعة تحمل في ثناياها عناصر قد تكون خارجة عن المألوف «السائد السياسي». وقد تكون هناك ترتيبات بانشاء حكومة اتحادية في عاصمة بديلة للخرطوم. وهناك مطالبات من الاطراف قد تنسجم مع خط اتفاقية جبال النوبة بفصل القوات والزامها بالبقاء في مواقع بعينها من خطوط العرض وهناك مطالبات بالاستفتاء في مناطق اخرى غير جنوب السودان وقد تكون هناك آليات دولية وربما قوات دولية لمراقبة وقف اطلاق النار هنا وهناك. وقد تكون هناك مطلوبات بايقاف التنقيب عن البترول في الفترة الانتقالية. ومن الغريب في المواقف السياسية المتوقعة من الفرقاء السودانيين تجاه مسيرة مفاوضات نيروبي ان حزب الأمة لايبدو رافضاً لهذه الترتيبات وربما يعدها من التدخل الدولي «الحميد»، وان الحكومة بطبيعة الحال وهي الطرف صاحب التوقيع لا ترفض مجمل الترتيبات وان الاتحادي الديمقراطي يتحفظ على الجزئية التي تتعلق بتقرير المصير في حين ان المؤتمر الشعبي يعارض بقوة دانفورث وتقريره ويحذر بشدة لكل ما يجري في نيروبي ويرى فيه استئصالاً لشأفة الاسلاميين والدستور الاسلامي. ويتحفظ معظم الجنوبيين في احزابهم على تقرير دانفورث في حين تبقى بقية مواقف القوى السياسية الأخرى متحفظة لكن من غير حراك مباشر يعلن المعارضة او الحشد ضد دانفورث ونيروبي وفي ذات الوقت يحاول المجتمع المدني ومنظماته ان يلاحق بنيروبي المبعوثين الدوليين بمذكرات مستعجلة تستفسر عن اوضاع حقوق الانسان والديمقراطية في الاطارات الدستورية التي يجب ترتيبها.