تشهد مصر هذه الأيام إحتفالات ضخمة بمناسبة اليوبيل الذهبي لثورة يوليو سواء على المستوى الرسمي أو الشعبي والحزبي. فعلى المستوى الرسمي يوجه الرئيس حسني مبارك غداً الاثنين خطابا سياسياً مهماً، إلى الشعب المصري بهذه المناسبة يعكس فيه اهتمام مصر بالثورة، كما سيحضر مساء نفس اليوم احتفالا فنيا يقام بدار الأوبرا يشارك فيه نحو 40 فنانا. كما بدأ التليفزيون المصري احتفالات منذ عدة أيام ببث العديد من البرامج والحوارات واللقاءات التي تتناول الثورة وبمشاركة الكثير من المثقفين والسياسيين وبعضا ممن شاركوا في الثورة. في دار الأوبرا بدأت صباح أمس الأول وقائع ندوة موسعة تقيمها دار الكتب والوثائق القومية عن ثورة يوليو. تستمر الندوة ثلاثة أيام وتركز على الابعاد العربية للثورة وأثرها في دعم حركات التحرر العربي ويشارك فيها إلى جانب الباحثين المصريين عدد كبير من الباحثين والمفكرين والسياسيين العرب من (السودان)، و(الجزائر) و(سوريا) و(اليمن) و(سوريا) و(ليبيا) و(فلسطين) و(لبنان). وكان من المقرر أن يدلي أحمد بن بيلا الرئيس الجزائري الأسبق بشهادته غير أن ظروف مرضه قد حالت دون حضوره، ومن المقرر أن يحضر الشاعر العراقي مظفر النواب ويلقي عددا من قصائده. وتتضمن الندوة عدة محاور منها الظروف الموضوعية للمجتمع المصري في الأربعينيات وموقف الثورة من الجهاز الإداري القديم، والتيارات الوطنية التي تمثلت في تنظيم الضباط الأحرار ودور ثورة يوليو في بلورة فكرة القومية العربية ونظرة السوريين إلى ثورة يوليو وتحولاتها و موقف الثورة من قضية الإمامة في عمان وصدى الثورة في سوريا ولبنان ودورها في بناء الكيان الفلسطيني ورؤيتها للصراع العربي الصهيوني وصورة الثورة في الأرشيف الجزائري ودعمها لثورة المليون شهيد وغيرها من القضايا التي يتم تناولها في جلسات علمية وحلقات نقاشية وشهادات لعدد من المعاصرين للثورة منهم د. عبد القادر حاتم وزير الاعلام الأسبق ود. إسماعيل صبري عبد الله وزير التخطيط الأسبق ود. حكمت أبو زيد وزيرة الشئون الاجتماعية السابقة وأحمد حمروش عضو تنظيم الضباط الأحرار، ويشارك في الندوة عدد من الكتاب والمفكرين والفنانين منهم د. ثروت عكاشة ود. يونان لبيب رزق وطاهر البشري ومحفوظ عبدالرحمن ومحمد عمارة واحمد سعيد وعلى ناصر محمد ومحمود المراغي وأسامه أنور عكاشة وحمدين صباحي ود. عاصم الدسوقي وحلمي شعراوي وغيرهم. وفي الجلسة الإفتتاحية القى الدكتور صلاح فضل رئيس دار الكتب كلمة عن دلالات ثورة يوليو وأهدافها وإنجازاتها التي غيرت مجرى التاريخ المصري وامتدت بآثارها إلى البلدان العربية لتدعيم ثورات التحرر التي قوضت الاستعمار والنظم الرجعية القديمة المتعاقبة معه وقال صلاح فضل «علمتنا الثورة أن نقدس الحرية والكرامة ونعتبرهما روح الفرد والوطن، تلك الحرية التي كان لابد للثورة أن تؤسس بها عدالة إجتماعية بين الطبقات وتعيد الكرامة والإنسانية للطبقات التي أهدرت حقوقها الاقتصادية والاجتماعية إلى درجة الاستعباد، وتمنح هذه الطبقات حقها». أما اللجنة المصرية للتضامن فقد عقدت ندوة بالمناسبة دعا فيها أحمد حمروش رئيس اللجنة أحد الضباط الأحرار الذين قاموا بثورة يوليو وهو الآن رئيس اللجنة المصرية للتضامن إلى الوقوف ضد الأخطار والكوارث التي تمثلها محاولات الهيمنة الأميركية المنفردة على الساحة الدولية وما ينجم عن ذلك من مآس تصل إلى المنطقة العربية حيث تدعم الإدارة الأميركية حكومة شارون في عدوانها الوحشى على شعب فلسطين وإهدار كافة الإتفاقيات الموقعة بين إسرائيل للتفاوض من أجل تحرير الجولان ومزارع شبعا. وأكد حمروش على أن يرتفع صوت العرب في القاهرة وهم يحتفلون لثورة يوليو، حيث حضر الاحتفال ممثلون عن رؤساء عرب وأحزاب عربية وشخصيات عامة وثلاثة ممن عملوا مع جمال عبد الناصر. وفي كلمته أمام الإحتقال التي القاها سفير اليمن بالقاهرة نيابة عنه قال الرئيس اليمني على عبد الله صالح أن الشعوب العربية إستلهمت من عظمة يوليو دروسا هامة في النضال التحرري ولعل قيام ثورة اليمن في 26 سبتمبر 1962 ضد الحكم الأمامي وتواصلها بقيام ثورة 14 أكتوبر أسطع دليل على ذلك، وتذكر الرئيس اليمني الدعم والتأييد الذي قدمته ثورة يوليو بقيادة الزعيم جمال عبد الناصر للثورة اليمنية ضد الأمامية والاستعمار وتواصل المساندة حتى تمكنت من التغلب على كل التحديات وعلى مخالب الثورة المضادة التي حاولت حتفه الثورة اليمنية في مهدها، وقال الرئيس اليمني أن الشعب اليمني الذي سيبدأ إحتفالاته بعد شهرين بالعيد الأربعين لثورة 26 سبتمبر و14 أكتوبر لن ينسى التضحيات الجسيمة التي قدمها أبناء مصر إلى جانبه في الدفاع عن الثورة والجمهورية. وقال الرئيس اليمني أننا نغتنم مناسبة الاحتفال لنعرب عن امتنان الشعب اليمني لتلك المساندة والدعم الذي قدمه الشعب المصري، ولنترحم على أرواح الشهداء الأبرار من ابناء الشعبين اللذين امتزجت دماؤهم وأرواحهم لتشكل مثالا خالدا للتلاحم الاخوي البناء ورمزا ساطعا للنضال والتضامن وعمق البذل والسخاء. وفي كلمته أمام الاحتفال التي القاها السفير محمد صبيح مندوب فلسطين في الجامعة العربية قال الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات أن الاحتفال بمرور 50 عاما على ثورة يوليو يأتي في ظروف بالغة الخطورة والدقة والأهمية تستهدف كسر إرادة العرب وثباتهم وصمودهم في وجه المحاولات المستمرة والرامية إلى بث بذور الفرقة والخلاف والفتنة بين صفوف أبناء الأمة. وقال عرفات أن ثورة يوليو التي انبعثت في رحم المجتمع المصري بحركة نخبة من الضباط الأحرار في وقت لم يكن قد مضى على نكبة الشعب الفلسطيني سوى بضع سنوات ومنذئذ فقد قدمت مصر التضحيات الكبيرة من أجل فلسطين أرضا وقضية وشعبا، ومازالت تقدم الدعم والمؤازرة والتأييد والتضامن ومناصرة لشعبنا، وأهاب عرفات بكافة الأمة العربية العمل على وقف الحرب الدموية الدائرة ضد الشعب الفلسطيني وإعادة الاعتبار للأمة ومكانتها ودورها وتعزيز صمود الشعب الفلسطيني في أرضه. وقال عمرو موسى الأمين العام لجامعة الدول العربية في كلمة القاها السفير أحمد عادل: إن ثورة يوليو كانت رمزا للتحول التاريخي ليس في الشرق فقط دائما في العالم عندما فتحت مجال التغير وأن عبد الناصر عبر عن أهمية الدائرة العربية في (فلسفة الثورة ) عندما قال: إنها منا ونحن منها، وأن دستور 1956 أكد في مادته الأولى على عروبة مصر. وقال الدكتور عزيز صدقي رئيس وزراء مصر الأسبق: دعونا نعترف ان الثورة التي قام بها مجلس قيادة الثورة وتنظيم الضباط الاحرار ولكن تنفيذ أهداف الثورة الحقيقية هي التي قام بها جمال عبدالناصر، وهذا هو العمل الحقيقي الذي أسميه ثورة، (وأضاف صدقي: عندما قامت الثورة كانت كل افريقيا محتلة، وعندما قامت الثورة في مصر وقامت بدورها في محاربة الاستعمار استقلت كل افريقيا وليس كل الدول العربية، ولم يكن في مصر أو الدول العربية شيء اسمه صناعة، وأنا بدأت وزيرا للصناعة في غرفة صغيرة. وقال صدقي: ان كل شئ تغير الى نقيضه، ماكنا نبنيه لتحقيق أهداف الثورة تم التفريط فيه أو بيعه، عندما وضعنا القطاع العام كان من أجل أن يقود التنمية، الآن نقول: ان القطاع الخاص يقود التنمية. وطالب صدقي بإعادة النظر كاملا في كل مانعيش فيه الآن ونقول اننا نعيش في ظل ثورة يوليو. وقال محمد فائق الوزير الأسبق في عهد عبدالناصر والأمين العام الحالي للمنظمة العربية لحقوق الإنسان: ان عبدالناصر عندما ذهب الى باندونج تعرف على اسيا وقادتها، واكتشف اهمية آسيا وتمثله من حقل، وسمع القادة الاسيويون في قائد عربي لغة لم يسمعوها من قبل، وتحررت جميع شعوب الأرض في العنصرية والاستعمار الا شعبا واحدا مازال يعاني استعمارا وعنصرية هو شعبنا العربي في فلسطين ولا عجب ان جميع مشروعات التسوية المطروحة هي مشروعات عنصرية ومهينة لامتنا العربية، بينما مازال مشروع عبدالناصر صالحا للتحرر في الوقت الحاضر والمستقبل، وماسقط هو نقيضه لأن عبدالناصر كان قادرا على تجسيد امال امته مخلصا لها نجح وحقق لكنه استحوذ على ثقة الجماهير. وتشهد الاحتفالات تسابقا حزبيا سواء من الحزب الناصري الذي حرص على توجيه الدعوة للعديد من الشخصيات العربية القومية للمشاركة في الاحتفالات التي يقيمها، أو من الأحزاب الأخرى ومنها الحزب الوطني. كما نظم حزب التجمع المصري سلسلة من الندوات شارك فيها العديد من المفكرين والمثقفين والسياسيين. في حين ينظم الناصريون المستقلون سلسلة ندوات لمناقشة مستقبل الناصرية والدولة الفلسطينية بين الواقع والمستقبل.