يقف المرء حائراً أمام الكلمات التي تصاغ بها الافكار الرامية نحو اجراء التعديلات الجذرية على مستوى السلطة الفلسطينية انها أفكار تشبه ترتيبات كيسنجر الكلية المنحى، ولا يستبعد ان يكون هو الذي أرسى مكوناتها الاساسية، تاركاً مهام اخراجها لغيره من السياسيين أو الدبلوماسيين الاميركيين والاسرائيليين. الكلمات التي تصاغ بها الافكار تبدو مباشرة أو فجة أو خشنة في غاية الخشونة، كما تجيء على لسان الرئيس الأميركي بوش، ثم تجيء لطيفة في غاية اللطف والرقة عندما ترد على لسان وزير الدفاع الاسرائيلي بنيامين بن اليعازر الذي قال ان عرفات لا يعمل لمصلحة شعبه وان القصد الأساسي لاسرائيل هو دعم ومساعدة الفلسطينيين في مساعيهم لاختيار الحل الصحيح لنزاعهم مع اسرائيل، ولو تمادى فقال في نضالهم ضد اسرائيل لربما بلغ بالمجاملة والرقة إلى الحدود القصوى! وفي مواجهة المعارضة التي ستقابل بها فكرة الاطاحة بعرفات في المداولات الرباعية الاخيرة بنيويورك دعا مسئول أميركي مشارك في المداولات إلى تجنب ورود اسم عرفات في المحادثات، لأنه ليس المقصود شخصياً بالاطاحة، وهكذا بدا المسئول الأميركي وكأنه يتقمص شخصية عرفات المراوغة التي سبق ان أطلقت تصريحا مثل ذلك، ولا شك ان تصريح المسئول الأميركي «الدبلوماسي» سيؤتي أثره في تهدئة الخواطر في الاجتماعات الرباعية، وربما نال استحسان عرفات. ولكن مقصود ذلك المسئول الأميركي الذي لا يخفي هو الا يتركز النقاش على مسألة عرفات وحدها وانما يشمل جميع طاقم القيادة الفلسطينية في الاطاحة بكامله، والاتيان بطاقم جديد مرضي عنه ومذعن تماماً لرغبات الأميركيين والاسرائيليين. وللالتفاف حول الحجة القوية المرفوعة ازاء الدعوة الأميركية لاجراء انتخابات لاختيار قيادة فلسطينية في يناير المقبل وهي الحجة التي تأسست على استحالة قيام انتخابات حرة في المناطق الفلسطينية تحت الاحتلال أو اعادة الاحتلال الاسرائيلي، دعا وزير الخارجية الاميركية كولن باول إلى ان تبدأ الاصلاحات في القيادة الفلسطينية فوراً وليس في يناير المقبل، وان تتركز تلك الاصلاحات في المجال الاقتصادي قبل السياسي، وان تتوالى حسب خطة فريق العمل الدولي (اختارته الولايات المتحدة) لاعادة تنظيم الادارة المالية للسلطة الفلسطينية. ولا شك ان تصريح كولن باول دبلوماسي للغاية، وقد يبدو مقنعاً لأطراف الاجتماع الرباعي لكن المقصود بمباشرة الاصلاح في المجال الاقتصادي قبل السياسي لا يعني من حيث الواقع تنازلاً ولا تساهلاً، وإنما يعني الشروع الفعلي في تفكيك السلطة الفلسطينية وتجريدها من مصدر عظيم من مصادر قوتها، فالمعروف ان أبا عمار يسيطر على جميع المصادر المالية للسلطة الفلسطينية، ومن قبل مصادر تمويل الثورة الفلسطينية، ويتخذ من تلك المصادر وسيلة للسيطرة على الآخرين وللبقاء في سدة القيادة والآن فإذا جرد الزعيم من تلك القوة فأنى له ان يسيطر حتى على الفريق العامل معه، دع عنك الفريق المحايد أو المعارض، وكيف يمكن ان يدير انتخابات يفوز فيها مجدداً بمنصب القيادة!! الاغتيال المعنوي ومن الناحية العملية ترافقت مع تصريحات كولن باول تسريبات من تل أبيب، لعلها وصلت إلى كولن باول أولاً قبل ان تذاع، ومهدت له السبيل لكي يدلي بتلك التصريحات، وهي التسريبات التي نشرتها صحيفة «يديعوت أحرونوت» عن فساد مالي مزعوم في ادارة عرفات، حيث ذكرت الصحيفة ان عرفات قام بتحويل مبلغ خمسة ملايين دولار من تبرعات جمعت من المملكة العربية السعودية إلى حساب خاص بزوجته التي تقيم مع طفلتها منذ عامين بباريس، وطالت اتهامات «يديعوت أحرونوت» زعيماً آخر مغضوباً عليه هو أبو مازن، حيث ادعت الصحيفة انه قام بتحويل مبلغ مهول في حدود السبعين مليون دولار إلى حساب يخص شقيقه الملياردير، ولا شك ان تلك التسريبات ستدعم حجة اسرائيل التي تبرر بها تجميد أكثر من ستمئة مليون دولار من مستحقات السلطة الفلسطينية من الجمارك، وهي حجة الفساد المالي لدى السلطة الفلسطينية. وكما أثرت تلك التسريبات عن الفساد المالي على كولن باول، حتى جعلته ينادي بالتركيز على الاصلاح الاقتصادي قبل الاصلاح السياسي، فإن ذات التصريحات ستؤثر ولا شك كثيراً على أقطاب القمة الرباعية بنيويورك، ولعلها كانت موجهة أساساً للتأثير على مواقف هؤلاء لأنهم أبدوا بعض الممانعة والتردد في تأييد مشروع بوش للاطاحة بعرفات، كما أبدوا بعض المساندة السياسية لعرفات، وستسبب تلك التسريبات والتصريحات اضعافاً شديداً للطرف العربي في تلك الاجتماعات، لا لمصداقية تلك التصريحات، ولا للأدلة والمستندات التي ستعرض حولها، وإنما للسذاجة الشديدة، والبدائية الاعلامية المتناهية التي تصدى بها بعض مساندي عرفات للرد على المزاعم الاسرائيلية، فجاء ردهم في لغة ديماغوغية ممجوجة لست أدري متى سيمجها هؤلاء الأعوان الذين يضعفون ظهر كل من يستند إليهم من الزعماء. وهكذا بقي الطرف العربي في نيويورك من غير ما حيلة أو حجة، لأن الحجة القوية التي كان يمكن ان يستند إليها حول عدم امكان اجراء انتخابات فلسطينية قد تم الالتفاف عليها، فهي حجة من القوة بحيث يجب ان يجردوا منها، فلو استمرأ الطرف العربي استخدام تلك الحجة «المشروعة» لطالبوا منطقياً بالانهاء الفوري للاحتلال الاسرائيلي للأراضي الفلسطينية، وايقاف القصف الاسرائيلي لغزة، وهو أمر لا يمكن ان يقبله شارون ولا ان يقبل نقاشا فيه، ولذا لابد ان يخمد صوت تلك الحجة ابتداء. وازاء مصادرة الصوت العربي لم يبق لممثلي العرب في رباعية نيويورك الا ان يتوسلوا بامتداح خطاب بوش ومشروعه للحل، وان يعترضوا عليه بذات الأسلوب الاعتراضي الذي صادر حججهم، وذلك بالدعوة إلى الابقاء على عرفات كزعيم فخري لفلسطين، على أمل ان يقبل الأميركيون بانحناءة مؤقتة من جانب عرفات لعاصفة بوش وشارون، ومع مضي الوقت ـ ان كان ثمة وقت اضافي ـ يستعيد عرفات سلطته، وحينها ربما يصبح كل من بوش وشارون خارج السلطة، فالديمقراطية تطيح بأصحابها فقط! عشرة أعوام للحل! ان الأميركيين قد يقبلون بهذا الحل الوسط «الخداعي» الذي قد يرضي كرامتهم وغرورهم الاستعلائي وفي كل الاحوال لا يملك افراد الفريق العربي ان يتنازلوا اكثر من ذلك لأن أي تنازل يقدمونه ربما كان محسوباً سلبياً عليهم من قبل شعوبهم، وقد لا يملك أفراد الفريق العربي ان يزايدوا بعرفات، رغم ما في ذلك من مصلحة أكيدة لبعض الدول، خصوصاً مصر التي يتحالف معها عرفات تحالفاً وثيقا، قد تتضرر مصر كثيراً بقدوم قيادة فلسطينية جديدة غير منسجمة معها، ولذلك تتشدد القيادة المصرية في سبيل الابقاء على عرفات، ولكن تشددها قد ينهار بسبب فجائي يتعلق بعرفات نفسه، الذي ربما بادر بمحض ارادته بالتنازل، وذلك أمر غير مستغرب، فكم من زعيم تنازل حتى عن سلطته بسبب من الوعد والوعيد الأميركي. مهما يكن فإن كل المؤشرات تفيد بضعف الموقف العربي عموماً وضعف عرفات خصوصاً، وهو أمر يرجح امكانية تضاعف ضعف عرفات مما قد يشله سياسيا أو ربما يزيحه من السلطة، ويكون ذلك هو الهدف الاسرائيلي في حد ذاته وقد تحقق، فالهدف الاسرائيلي الشاروني في صياغته الاميركية قدم للعالم على انه مقدمة ضرورية لحل سياسي وعسكري تتسارع خطواته لتتمخض عنه نشأة دولة فلسطينية ديمقراطية متطورة للشعب الفلسطيني. ولكن ازاحة ابو عمار ـ كما يقول شارون ـ ليست سوى خطوة في طريق طويل نحو الحل قد يستغرق عشرة أعوام والحل النهائي ليس متاحاً في الاجواء الراهنة اطلاقاً، والتراجع الاسرائيلي إلى حدود 1967 ليس وارداً أبداً، وهكذا فحسب فهم شارون ـ والفهم الأصلي للجانب الاميركي ـ فإن إزاحة عرفات هي عملية مقصود بها تشتيت الجانب الفلسطيني وشغله بهموم أخرى غير هموم استعادة الأرض وتحريرها. ان السلطة الفلسطينية المقبلة لن يكون فيها محارب قديم، أو بطل تاريخي، أو شخصية طاغية كشخصية أبي عمار، وقد يأتون للسلطة بخبراء أو ـ تكنوقراط ـ من هارفارد وغيرها من مراكز العلم والبحث في أميركا، وهؤلاء هم جزء من النظام الأميركي أولاً وأخيراً، يحسنون التفاهم مع واشنطن واسرائيل ويتعالون عن العالم العربي وعن شعبهم أو ربما وفد إلى السلطة خليط متشاكس من الزعماء يستعينون على بعضهم البعض باسرائيل أو بأميركا في أفضل الاحوال، وتصبح غاياتهم العليا هي البقاء في السلطة، مع تناسي أو تجاهل الاجندة الوطنية في الصراع مع اسرائيل. ـ كاتب مقيم بأميركا