أصدر الرئيس الاميركي جورج بوش الابن في خطابه الأخير حول الصراع العربي الصهيوني أو «قضية الشرق الأوسط» كما يفضل البعض تسميتها، ما اعتبر حكماً بالاعدام السياسي ضد الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات. ومنذ أصدر بوش فرمانه هذا في الرابع والعشرين من يونيو الماضي وأركان ادارته يتعاقبون على تأكيد هذا الوقف وتسويقه، الى درجة بدا فيها هذا الصراع المزمن الممتد على مدى قرن كامل، وكأنه مجرد إشكال شخصي مرتبط ببقاء عرفات أو اقصائه من السلطة الفلسطينية. لكن الأمر لم يتوقف عند اعضاء الادارة الاميركية، بل بدأ يجد بعض التجاوب والقبول لدى بعض الاطراف الأخرى وإن بحذر وتحفظ واضحين. غير ان معظم ردود الفعل العربية والدولية حتى من بعض حلفاء أميركا المقربين، جاءت منتقدة ومنددة أحيانا بهذا المطلب الغريب من بلد ديمقراطي ويدعي الدفاع عن الديمقراطية، باقصاء قائد منتخب من قبل شعبه تحت مراقبة دولية وبحضور أميركي! منطق التعالي انطلقت الدعوة بداية من اسرائيل على لسان مجرم الحرب الارهابي ارييل شارون الذي عبر عن ندمه بعدم القضاء على عرفات اثناء الاجتياح الاسرائيلي للبنان وحصار بيروت عام 1982، وبعد تسويقها أميركياً أصبحت هذه الدعوة موقفاً رسمياً معلناً لادارة بوش وصل الى حد الاعلان بأنه حتى لو أعاد الشعب الفلسطيني انتخاب عرفات رئيساً فإن تلك الادارة لن تتعامل معه مجددا. لكنه منطق الاستعلاء والغطرسة الاميركية هذا ليس مقصوراً على الفلسطينيين وحدهم، بل أصبح سياسة عامة في تعامل الولايات المتحدة وادارتها الحالية مع مجمل القضايا الدولية، والعربية خاصة. غير ان المطالبة بازاحة عرفات، وان لم تكن ازالته كلياً، وفي هذه المرحلة بالذات، يطرح العديد من التساؤلات حول الدوافع والأهداف الحقيقية لهذا الدعوة. لماذا لم تتخلص اسرائيل من عرفات، وهي صاحبة الدعوة أصلاً، اثناء حصارها المتكرر لمقره منذ مارس الماضي وحتى اليوم؟ ثم من هي القيادة البديلة التي تتوقعها اسرائيل وأميركا، خاصة من خلال انتخابات حقيقية بعيداً عن حصار الدبابات الاسرائيلية؟ هل تريد الولايات المتحدة واسرائيل ان يكون خليفة عرفات مثلاً من بين قادة «حماس» أو الجهاد الاسلامي؟ وهل تتعاملان مع هذه القيادة البديلة إذا تم انتخابها من قبل الشعب الفلسطيني؟ إن معظم ردود الفعل والتحليلات حول خطاب بوش ومطالبه، وكذلك التصريحات والتسريبات الصادرة عن الادارة الاميركية، تدور حول اقصاء الرئيس الفلسطيني كلياً أو اعطائه دوراً رمزياً في المرحلة المقبلة كحد أقصى. بمعنى سحب سلطاته الفعلية في قيادة العمل السياسي الفلسطيني مع القبول أو عدم الممانعة في ابقائه كغطاء شكلي لزعامة أخرى تختارها اميركا واسرائيل وتكون بالتالي طيعة لشروطهما وأهدافهما، وعلى رأسها وأد ما تبقى من الانتفاضة وضرب كل فصائل المقاومة، وحرب أهلية فلسطينية كهدف نهائي. ولاشك في ان حبل الود مقطوع، بل غير موجود أصلاً بين عرفات وكل من بوش وشارون، غير ان التمعن في الأهداف الحقيقية وراء الدعوة الاميركية الاسرائيلية لقيادة فلسطينية جديدة، وعدم وجود بدلاء في مستوى تجربة الرئيس عرفات ورمزيته التاريخية في مسار النضال الفلسطيني، بغض النظر عن الخلاف حول تقييم دوره وممارساته، اضافة الى الرفض ـ المعلن على الأقل ـ من أطراف عربية ودولية وفلسطينية ايضاً لازاحة عرفات قسرياً وبأوامر خارجية، كل ذلك يدعو للتساؤل عما إذا كان هناك هدف اميركي اسرائيلي آخر في الجانب غير المرئي من الصورة. دعاية مجانية! فهل أراد بوش من وراء هذه الدعوة الشارونية ان يلمع عرفات بدلاً من توديعه كما يبدو للوهلة الأولى؟ بالطبع لا نملك اجابة قطعية عن هذا التساؤل، وإذا كان هناك من يمتلك مثل هذه الاجابة في الدوائر الضيقة لصنع القرار الأميركي الاسرائيلي، فإنه بالتأكيد لن يسفر عنها في هذه المرحلة على الأقل. لكن أميركا واسرائيل تدركان حتماً، وأكثر منا كثيراً، مدى مشاعر السخط والغضب الممتدة عبر كل الشوارع والمدن العربية من المحيط الى الخليج، وليس في الشارع الفلسطيني فحسب، وبالتالي فإنه من السذاجة البالغة أن يكون الرئيس الاميركي قد تصور انه سينفر الشعب الفلسطيني على أبواب انتخابات رئاسية من خلال المطالبة بتنحيته واستبداله بقيادة جديدة. فمثل هذه الدعوة من جهة يكن الشعب الفلسطيني وكل الشعوب العربية الأخرى، مشاعر الكراهية والغضب تجاه مواقفها وسياساتها، لن تكون إلا بمثابة ورقة جديدة ودعاية مجانية لعرفات تجعل الشعب يلتف حوله أكثر ويحرص على بقائه، إن لم يكن حباً وتقديراً له، فلا أقل من ان يكون ذلك تعبيراً عن الرفض الشعبي للسياسة الاميركية وانحيازها الأعمى للعدوان الصهيوني المتواصل، وهذا ما ظهر فعلاً من مختلف القوى الفلسطينية بما فيها القوى المعارضة أو المحسوبة على المعارضة للرئيس عرفات وتعامله السياسي مع الأوضاع الراهنة في المناطق الفلسطينية المحتلة. وربما يدعم هذا التصور ايضاً ما بدا مؤخراً وكأنه تراجع، تخفيف اللهجة الاميركية بخصوص القبول بدور رمزي أو فخري للرئيس عرفات في المستقبل. فقد لمح وزير الخارجية الاميركي كولن باول الثلاثاء الماضي قبيل اجتماع اللجنة الرباعية الدولية الى امكانية بحث «ترقية» الزعيم الفلسطيني الى موقع رئاسة فخرية، مضيفاً انه «من شأن الشعب الفلسطيني ان يتخذ قراراً في نهاية المطاف حول الدور الذي يجب ان يقوم به عرفات أخيراً». وإذا كانت أميركا تدرك حقيقة المشاعر الشعبية الفلسطينية والعربية عامة تجاه سياساتها ومواقفها، فإنها بالتأكيد تدرك كذلك ان عرفات، بكل تجربته وخبرته وسوابقه ايضاً، هو الأقدر على التعاطي مع المطالب الاميركية والشروط الاسرائيلية، وما لم يتمكن عرفات من اعطائه أو الاستجابة له فإن أي بديل آخر يخلفه لن يكون قادراً عليه بالتأكيد. لذلك فإن المطلوب والملح فلسطينياً وعربياً، هو ان يتم التعامل بجدية مع المطالب الاميركية الاسرائيلية هذه، ولكن بعيداً عن التلهي بها أو استخدامها لتغطية جرائم اسرائيل ضد الشعب الفلسطيني أو تحقيق أهدافها بمنع هذا الشعب من حقه المشروع في مواجهة الاحتلال ومقاومته بكل ما أوتي من قوة وما لديه من وسائل وامكانيات. إن القضية ليست رحيل عرفات أو بقاءه بأي شكل كان، بل أصل المأساة ومصدر العنف والارهاب الحقيقي هو الاحتلال والاستيطان الاسرائيلي. وإذا كانت أميركا أو غيرها تريد انهاء «العنف» ووقف «الارهاب»، فما عليها سوى ان تنهي الاحتلال وترفع الظلم والعدوان عن الشعب الفلسطيني.. وإلا فلتتحمل النتائج!