لقد رمى الرئيس الأميركي بوش في خطابه الأخير الكرة في الملعب الفلسطيني، فأصبح الحل الدائم وقيام الدولة بغض النظر عن مدى تقزمها، وافراغها في سيادتها وقدسها، ولاجئيها أمراً بيد الفلسطينيين، وهو إجراء الاصلاحات اللازمة، وبشكل أكثر تحديداً تغيير الرئيس ياسر عرفات عاجلاً، والاطاحة به كخطوة لانهاء الصراع العربي الاسرائيلي. والسياسة الرسمية العلنية الأميركية تشطب ارادة الشعب الفلسطيني في اختيار قيادته وزعامته، وها هي تصادر نتائج انتخابات جرت بين الشعب الفلسطيني وأسفرت عن انتخاب الرئيس ياسر عرفات قائداً ورئيساً للسلطة، بشهادة نحو ثلاثمئة مراقب دولي بينهم أكثر من أربعين مراقباً أميركياً تقدمهم الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر وشهد الجميع بأنها كانت انتخابات ديمقراطية إلى حد كبير. وكما هو معلوم فإن قوة أي سلطة مستمدة من قناعتها اليقينية بحقها وبأهدافها وتمسكها بالمبادئ، ومن دون الرضوخ أو تنازل، وبالوحدة الوطنية بين الشعب وفصائله، والعدل بينها والتساوي في المصالح والنفوذ، أما التلاعب بالمبادئ والثوابت والرضوخ للمطالب الخارجية بحجج واهية فهو سر ضعف أي سلطة وسبب كبير في انهيارها واندحارها. ولقد نجح «شارون» في اضعاف السلطة الفلسطينية، وهدم مؤسساتها وتفتيت قدراتها على السيطرة، ووضع الأراضي الفلسطينية في حالة من الفوضى جراء الاحتلال وفرض الحصار والعقاب الجماعي، وتفريغ المؤسسات الأمنية الفلسطينية من عناصرها وحشرهم في معسكرات الاعتقال، وفرض شروطه المعلنة داخل اطار الرؤية الأميركية تحت عنوان الاصلاحات الادارية والأمنية والمالية والمناداة بانتخاب قيادة جديدة واقصاء الرئيس ياسر عرفات، حيث وجدت السلطة الفلسطينية نفسها غارقة في ورشة اصلاح داخلي مليء بالالغام والعقبات وأصبحت السلطة مقيدة ولا تملك القدرة على الحركة أو مواجهة نتائج التغيير والاصلاحات المطلوبة وقد لا يمكنها ان تتم عملية الانتخاب التشريعية والبلدية والرئاسية في ظل حراب وبنادق الاحتلال. فالاسرائيليون يطلبون من السلطة ان تقدم على هذه الخطوات في ظل هذا الواقع، لاشغال العالم عن جرائم الاحتلال ولفت الانظار إلى مشاكل السلطة الفلسطينية الداخلية، وهذا سيمنح «شارون» الفرصة التاريخية، والوقت الكافي لفرض الأمر الواقع الجديد والبدء في تنفيذ أجندته ومخططه ومشروعه الخاص. كذلك فإن الولايات المتحدة وبتصريحات رئيسها ووزير خارجيتها بدت مصممة على اقصاء الرئيس ياسر عرفات، الزعيم التاريخي للنضال الفلسطيني، عن قيادة شعبه في هذه المرحلة الحاسمة في نضاله، وذلك بالرغم من معارضة أو تحفظ معظم دول العالم، وقد أصبح معلناً ان الادارة الأميركية والكونغرس والاعلام ومراكز صنع القرار أو جماعات الضغط، تنادي بصوت واحد حاسم بضرورة الاتيان برئيس جديد وقيادة جديدة. والطبيعي في مثل هذه المواقف ان الدولة التي تعلن عن سياسة لها هدف لابد وان تضع توقعات للنتائج التي ستترتب على هذه السياسة وان تكون النتائج استكمالاً للمقدمات، لكن ما حدث وهو نتيجة طبيعية للسياسة التي أعلنها الرئيس بوش، كان عبارة عن دفع الفلسطينيين لمزيد من الالتفاف حول الرئيس عرفات، والتمسك بقيادته من منطلق الرفض لتغيير مفروض من جهة أجنبية، وتشجيع شارون على مزيد من تصعيد هجماته العسكرية ضد الفلسطينيين في واقع القاء اللوم عليهم، دون أي توازن في الخطاب الموجه إلى طرفي الصراع. تناقض استراتيجي ان الصيغة التي أعلنتها الادارة الأميركية هي صيغة لادارة الأزمة وليس لحلها لا سيما في المرحلة الراهنة التي تمر بها القضية، وفي الظروف التي تعيشها الآن الأراضي الفلسطينية، ذلك انها تتعامل مع المشكلة بأسلوب العلاج التكتيكي قصير المدى، وليس الاستراتيجية، الأمر الذي يجعل لنتائج هذه الخطة نوعاً من التصعيد في الموقف المتفجر وليس احتواءه، وفي ذلك رؤية متواضعة بالنسبة للتعامل مع أزمة في خطورة أزمة الشرق الأوسط، وحين تتواضع الرؤية في مثل هذه الظروف، تكون النتيجة أشد تواضعاً وتهافتا وضعفاً. وهذا الاخفاق السياسي نابع أصلاً من اخفاق في فهم طبيعة الصراع الفلسطيني الاسرائيلي، جذوره، وأسباب استمراره كمشكلة مزمنة وقد أسهم في هذا الاخفاق إلى حد كبير، صانعو القرار في الادارة الأميركية، باعتمادهم في بناء رؤيتهم للمشكلة في استلهامهم فكر اليمين (الاسرائيلي) الذي يقيمون معه تحالفاً منذ سنوات، حتى غدا التسليم بأفكار ومقولات وسياسة الليكود والمشروع الصهيوني أمراً قائماً، وهو ما عمل «شارون» على توطيده وتركيزه، فهو مشروع مضاد تماماً للسلام، والتعايش، وحسن الجوار، وجوهر فكره قائم على التوسع والاحتلال والاستيطان في عقيدة «اسرائيل» الكبرى. وفي السياسة عندما تتحكم العقائدية ويغيب المنطق السياسي، فإن الزمام يفلت حتى لو كانت التي تقودهم القوى العظمى لأنها أصلاً ارتكبت تناقضاً استراتيجياً تقود به الاحداث لا سيما وان تلك الاحداث في صنع حكومة (اسرائيلية) متطرفة تسيطر عليها أفكار لمشروع مقبور، وترسم وتخطط بعيداً عن أية شرعية أو عدالة أو انصاف. وهكذا تسير الأمور وتتوالى التطورات في اتجاه يشير إلى ان الوضع الفلسطيني في لحظته الراهنة، قد بدأ عملية عبور بين مرحلتين، مرحلة آخذة في الأفول، وأخرى قيد التبلور، ومفتوحة على شتى الاحتمالات، فالمعطيات والمستجدات التي شهدتها الايام الأخيرة، حملت مدلولات قوية في هذا الخصوص، وكان أبرزها التخبط الذي ساد في ساحة القيادة الفلسطينية وما رشح عنها من تذبذب وتضارب في الموقف، ناهيك عن الاشارات التي صدرت من هنا وهناك والتي تصب في تعزيز الاعتقاد بأن التركيبة القائمة على هذه الساحة منذ أكثر من خمسة وثلاثين عاماً تعيش فصولها الأخيرة. وبنظرة سريعة على ما يجري في الأراضي الفلسطينية المحتلة وعلى ما يجري على المستوى الدبلوماسي والسياسي فلسطينيا وعربياً ودولياً يظهر بجلاء حقيقة النجاح الذي حققه «شارون» ومعه حكومة واشنطن، حيث نقلا الصراع من صراع على الوجود الى صراع على بقاء الرئيس ياسر عرفات رئيساً للسلطة الفلسطينية وليس الى صراع على الحدود فقط. بمعنى آخر نقل قضية الصراع العربي ـ الاسرائيلي من صعيده التاريخي ومستواه السياسي والميداني والقانوني الى صعيد (شخصي)، وكأنما ما يمنع السلام في المنطقة والمسئول عن تعطيل مباديء مؤتمر مدريد واتفاق أوسلو هو الرئيس الفلسطيني شخصياً وليس (نتانياهو وباراك وشارون) وبهذا فإن الاسرائيليين همّشوا القضية الحقيقية التي تم اختزالها حسب الرغبة (الاسرائيلية)، فتارة يجري الحديث عن اصلاحات في السلطة وتارة عن تغييرات في قيادتها، وايجاد نظام ديمقراطي يتماشى مع الخطوط (الاسرائيلية)، وكل ذلك لوضع مزيد من العقبات أمام أية مفاوضات جدية ومنع أية رؤية سياسية تبحث في موضوع دولة فلسطينية حتى ولو كانت هذه الرؤية أميركية وقريبة الى الطرح (الاسرائيلي). البديل الأصعب والحقيقة التي لا تغيب ولا تحتاج لتأكيد ان الشعب الفلسطيني وأمام كل الوقائع التي مرت، يرفض التدخل في شئونه الخاصة أو اختيار من يحكمه أو فرض الوصاية عليه بعد أكثر من نصف قرن من النضال والتضحيات، ولن يخدع أحد هذا الشعب بأن القضية أصبحت تتلخص في من يذهب أو من يبقى في السلطة، ويعلم الفلسطينيون ان (شارون) ومن معه، لا يهمهم هذا الأمر بقدر ما يهمهم تحقيق أهدافهم في السيطرة والتوسع وضمان أمن (اسرائيل). ولذلك فإن الواقع السياسي تجاه الأوضاع العامة والقضية الفلسطينية بشكل خاص مرتبكة وتعبر عن أفكار ومواقف متباينة، وبالتالي فهي مربكة للمنطقة برمتها والتي تمر في اخطر مراحلها، ذلك ان اطلاق واشنطن يد شارون في تصفية الأوضاع الفلسطينية بكل هذا القتل والتدمير والمهانة والإذلال، لن يجلب السلام والأمن الذي تحلم به (اسرائيل) ولن يحقق التسوية التي تتطلع اليها واشنطن، بل انه يدفع بالمنطقة الى بركان متفجر لا يمكن ادراك حجم دماره ونتائجه. فالرؤية التي تطلقها واشنطن تأتي مصداقاً للقول ان ليس لأميركا سياسة في الشرق الأوسط، بل هناك سياسة اسرائيلية تتبناها أميركا، وهذا مكمن محنة العرب مع الدولة العظمى، فلم يجن العرب أية ثمرة من محادثات بعض حكامهم مع القيادة الاميركية، كما لم يكن للمبادرة العربية التي أقرتها قمة بيروت أي صدى، مع ان العرب ذهبوا في هذه المبادرة بعيداً في تقديم التنازلات التي ظهر انها طرحت أنصاف حلول فيما كان من المفترض ان يصل العرب الى (تسوية أو نصف حل) بعد المفاوضات، وبهذا تتردد عبارة (السياسة العربية في مأزق) وان كان لا جديد في ذلك، لأنه لا يوجد ما يقال عن هذه السياسة، حيث لا يتصرف كل السياسيين العرب كما لو كانوا في مأزق. فالمأزق يعني الوصول الى وضع الاختيار الصعب بين البدائل، بينما الانفراج يعني قرب وقوع الاختيار بالاختيار، أو بالفرض والقسر. وفي حال ان الساسة العرب أو أغلبهم، قرروا ان يتعايشوا مع وضع بالغ الدقة صنعته القوى المسيطرة في العالم وتحالفها الدولي، فلابد لهم من التصدي لهذا الوضع ومواجهة القوة التي تفرضه بدلاً من الاستمرار في الوضع القائم، فالحكومات العربية بأغلبيتها لا ترغب ولا تشجع على رحيل الرئيس الفلسطيني الذي يعتبر قابضاً على توازنات سياسية وعشائرية وفصائلية بعد خبرة سنوات طويلة في هذا العمل، ولن يقدر البديل أو القادم على تحقيق شيء مماثل قبل سنوات، بجانب فوضى عارمة لمدة قد تطول قبل ان يجد (حلفاء التسوية) بديلاً للرئيس الفلسطيني يستطيع فرض النظام والأمن والتسوية معاً. من ناحية اخرى، فإن نجاح الاميركيين و(الاسرائيليين) في عزل أو اقصاء الرئيس عرفات سيقوي ساعد هؤلاء الذين فشلوا حتى الآن وسيفشلون في اعادة هذا النموذج على قادة آخرين، لذلك فالمصلحة العربية ألا ينجح هؤلاء في هذه المهمة. استهداف الجميع ويبدو ان المشكلة تزداد صعوبة، خاصة بعد ان صارت الولايات المتحدة أقل حساسية تجاه مشاعر بعض الدول العربية حيث تطالبها ان تشترك علانية في الحرب ضد كافة أشكال المقاومة الفلسطينية، ولكتم أنفاس أية محاولة لقيامها مجدداً في المستقبل القريب أو البعيد، اضافة للمشاركة في حملة اقصاء الرئيس الفلسطيني بل وتدخلهم في وضع وتنفيذ برامج اعادة هيكلة حكومة فلسطين. ولكن في هذا الاتجاه، تعلن الحكومات العربية رفضها للضغوط الاميركية لاعفاء الرئيس عرفات وتغيير القيادة الفلسطينية، فذلك شأن يخص الشعب الفلسطيني وحده وبجانب ذلك فالكل بات يدرك انه مستهدف، وان تمكين الرئيس الاميركي من ازاحة الرئيس عرفات سيكون بمثابة فتح لعهد جديد في حياة المنطقة يجعل استقرارها وبقاءها رهناً بالارادة الاميركية وبمصالح اميركا، الأمر الذي يسلب الدول سيادتها ومشروعية نظمها في الحكم، وفي ذلك معادلة جديدة ومقيتة، وحقيقة جائرة وغير عادلة لسبب أساسي هو ان النظام العربي تجاهل وعلى مدى سنوات طويلة ان الاستقرار الحقيقي لا يتوقف على مدى توفر أداة القمع والقوة، ولكن على ارادة الشعوب والرضا العام، ووجود احترام وتقدير متبادل وحقيقي بين الشعوب والانظمة. التوازن هو أساس الاستقرار، فالتوازن بين ثورة التوقعات المتزايدة والنزوع الفطري للحرية والديمقراطية والعدالة والمساواة وبين قدرة النظام السياسي على ان يفي بالتزاماته قدر استطاعته، ان استطاع ان يحقق ذلك، فإن الشعب سوف يدفع عمره ويضحي بالنفس والروح لبقاء النظام، ودفاع الشعب في ذلك الوقت عن النظام سيكون دفاعاً عن النفس وذوداً عنها. وعندما تدافع الشعوب بجد عن نفسها فإن ارادتها ستكون الغالبة ولن يستطيع أعتى الطغاة ان يحقق انتصاراً على شعوب مقهورة، والآن الدور للشعب الفلسطيني وللقوى والمنظمات السياسية من الدعوة الاميركية لتغيير الرئيس عرفات الذي شغل نفسه بالوفاء لمطالب اسرائيل والولايات المتحدة وباصلاحات داخلية فلسطينية عقّدت من الموضوع، لأن ذلك يجب ان يكون استجابة لمتطلبات فلسطينية محضة، فتلك المطالب لا تجعل من الاصلاحات الفلسطينية موضوعاً داخليا نافلا، فالاصلاح مطلب داخلي فلسطيني قبل ان تكتشفه كل من (اسرائيل) والادارة الاميركية، وان تكون هذه الاصلاحات استجابة لمطالب الشارع الفلسطيني وليس استجابة الى املاءات خارجية ويجب ان تكتسي مضامين وطنية لمواجهة الاملاءات الأجنبية والتي هي مطلب حق يراد به باطل، ومازالت الفرصة قائمة ومؤكدة في الوحدة الوطنية الفلسطينية فهي السبيل الوحيد للدفاع عن الشعب الفلسطيني كله. وبعد ذلك كله، فإنه لا يمكن مواجهة مشروع شارون وافشاله بغير تمسك الشعب الفلسطيني بأرضه والبقاء بمواقعه في الداخل، فمهما بلغت وحشية الاحتلال، فالصمود وحده يفشل مشروع شارون الذي يخطط لهجرة فلسطينية جديدة ولتشريد الجزء الأكبر من أهالي الضفة الغربية، ولابد من دور للتنسيق بين الجانب الاردني والفلسطيني لأن ذلك سيدعم صمود الشعب الفلسطيني في الداخل ويمنع النزوح الجماعي، ويقضي بالتالي على أوهام رئيس حكومة (اسرائيل) الذي يبحث عن ثغرة للخروج من أزمته وتحقيق مشروعه في غياب أي دور للمجتمع الدولي. وعلى السلطة الفلسطينية ان تعي ما يدور حولها وما يحاك ضدها، وتتجه الى الاصلاح الداخلي المخطط له لا الاصلاح المبني على ردود الفعل على المطالب الاميركية، التغيير الذي يقوي الصف ويخرج المفسد من السلطة، وان يتحمّل الشعب الفلسطيني كله بجميع فصائله تبعة التحرير وضريبة النصر وفاتورة الاستقلال بصدق واخلاص. ـ كاتبة عراقية