في بيانه الذي أعلن فيه رؤيته لحل القضية، أكد الرئيس بوش ضرورة تغيير القيادة الفلسطينية الحالية لأن وجودها يعوق التوصل إلى هذا الحل، والملاحظ أنه ومنذ إعلان هذه الرؤية الأميركية هناك، حديث لا ينقطع عن هذا الموضوع حول عدم جواز تدخل الولايات المتحدة بهذه الصورة في الشئون الداخلية للفلسطينيين وأن الرؤية الأميركية جاءت متطابقة تماما مع سياسات شارون، وإمكانية أن يؤدي تغيير القيادة الفلسطينية من الخارج إلى فتح الباب لنهج جديد في تغيير الأنظمة بالمنطقة،وطبيعة الموقف العربي من موضوع عزل عرفات أو أعتزاله وخاصة في ضوء التحركات العربية التي تمت خلال الفترة الماضية لتوضيح وجهة النظر العربية للإدارة الأميركية والتي ترى بضرورة وجود عرفات في هذه المرحلة، وتعدد البدلاء وهل هي ظاهرة صحية أم شرخ في جدار الوحدة الوطنية وتماسك السلطة الفلسطينية .. «الملف» التقى د. جمال الدين مظلوم مستشار مركز الخليج للدراسات الإستراتيجية، ود. جمال عبد الجواد الخبير بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، لإلقاء الضوء على ما يثار حاليا من حديث عن تغيير عرفات . بداية يرى د. جمال الدين مظلوم أن الخطاب الأميركي الخاص بضرورة رحيل عرفات وأنه لا تعامل معه حيث لم يعد الشخص المرغوب فيه، وأنه آن الآوان لقدوم قيادة فلسطينية جديدة يمكن التفاوض معها للوصول لحلول للمشاكل العالقة بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي، بل والأدهى أن هذا الخطاب يؤكد أنه حتى لو تم إعادة انتخاب عرفات فإن الولايات المتحدة لن تتعامل معه، كل ذلك لا يعكس سوى شيء واحد هو أن الإدارة الأميركية الحالية تتعامل مع القضية الفلسطينية بل ومع مختلف القضايا العربية بعنجهية غير مسبوقة وبصورة لم تحدث من قبل من أي إدارة سابقة وأن هذا يتم من منطلق الحرص على تأييد شارون وتبني مواقفه وسياساته العدوانية تجاه الفلسطينيين وكل الدول العربية . ويضيف د. جمال الدين مظلوم أن هذا الموقف الذي تتبناه الإدارة الأميركية غاية في الخطورة، حيث أنه إذا كان الحديث يتم الآن عن ضرورة تغيير القيادة الفلسطينية بحجة وجود بعض التجاوزات أو الممارسات غير المقبولة من جانب الولايات المتحدة وغياب الديمقراطية، وكذلك عن ضرورة تغيير القيادة العراقية واعداد الخطط العسكرية اللازمة لذلك، فما الذي يمنع إذن من قيام الإدارة الأميركية في وقت لاحق بالعمل على الإطاحة بقيادات عربية أخرى وخاصة أنه لا توجد صعوبة في الحصول على مبررات أو أسباب للقيام بمثل هذا العمل؟. ومن هنا فلابد أن تحاول كل الدول العربية إجهاض هذا التوجه والمخطط الأميركي والعمل على إبقاء عرفات في موقعه لأن رحيله بالطريقة التي تريدها واشنطن فيه خطورة كبيرة على كل الأنظمة العربية مهما حصلت هذه الأنظمة على وعود وضمانات من الولايات المتحدة، فقد ثبت وبما لا يدع مجالا للشك أنه لا جدوى من السير وراء الإدارة الأميركية مهما كانت الوعود والضمانات وخاصة في ظل هذا الانحياز غير المسبوق للكيان الصهيوني. خبرة طويلة ويرى مستشار مركز الخليج للدراسات الاستراتيجية أن الشعب الفلسطيني وحده وليس أي طرف آخر، هو الذي من حقه اختيار القيادة التي تمثله، وطالما أن هذا الشعب قد اختار عرفات فليس من حق أحد أن يفرض عليه شخصا أخر، وعموما لو كان هذا الشعب غير راغب في عرفات ولا يريده لكان أقدم على تغييره فالرجل تعرض للكثير من المحن خلال الأيام الماضية وتمت محاصرته ولو كان شعبه لا يحبه ولا يريده لسارع بتنصيب غيره، ولكن الواضح أن الشعب الفلسطيني يرى أنه لا أحد يستطيع سد الفراغ الذي يمكن أن يتركه عرفات لو رحل عن السلطة فهو صاحب خبرة طويلة سواء في لم الفصائل الفلسطينية من حوله، أو في التفاوض والتعامل مع الكيان الصهيوني، عرفات من وجهة النظر الشعبية الفلسطينية بل والعربية والدولية هو الرجل المناسب في الوقت الحالي لإتمام مرحلة التفاوض وصولا لإقامة الدولة الفلسطينية . ولكن مع ذلك يعتقد د. جمال الدين مظلوم أن كثرة البدلاء الجاهزين لتولي المسئولية هو أمر صحي ولا اعتراض عليه، طالما أنهم سوف يتمسكون بالحقوق الفلسطينية في حال اضطلاعهم بالسلطة بعد تجاوزهم مرحلة الانتخابات، ولكن إلى أن يتم ذلك فعرفات هو الممثل الشرعي للفلسطينيين ولا مجال للحديث عن إزاحته حتى ينالوا رضا الأميركان أو الإسرائيليين، فهو إختيار شعبي تم من خلال هيئات ومؤسسات فلسطينية وانتخابات، وأي كلام أو أفعال تخالف ذلك هو تدخل في الشئون الفلسطينية دون وجه حق . مختلف التيارات ومن جانبه يرى د. جمال عبد الجواد الخبير بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية أنه من الخطير جدا اختفاء عرفات في هذه المرحلة وخصوصا بالطريقة التي تقترحها الولايات المتحدة، فعرفات يمثل قيادة وطنية للشعب الفلسطيني استطاعت أن تجمع مختلف التيارات حولها في الوقت الذي لا توجد فيه قيادات أخرى بديلة تتمتع بنفس الشروط والميزات، فاختفاء عرفات دون وجود هذه القيادات البديلة يهدد بتشرذم المجتمع الفلسطيني. ويرى د. جمال عبد الجواد أن المقترحات الأميركية التي تضمنها خطاب أو بيان بوش الأخير تصب في مصلحة حكومة شارون والتي تريد ابعاد عرفات على أمل أن يؤدي ذلك إلى إنقسام الشعب الفلسطيني وظهور أكثر من قيادة محلية فلسطينية،واحدة في الضفة، وأخرى في القطاع، هذا كله يخدم حكومة شارون التي ستقوم في هذه الحالة بالتعامل مع هذه القيادات المحلية وبما يضر بالمصلحة الوطنية الفلسطينية، فشارون لا يريد أي حل للصراع في المنطقة يقوم على وجود دولتين فلسطينية وإسرائيلية . ويشير د. جمال عبد الجواد إلى أنه ليس من حق أي أحد أن يفرض على شعب قيادته حتى ولو كانت الولايات المتحدة والتي يجب عليها أن تتعامل مع القضية في ظل ظروفها الحالية بوجود عرفات على أساس أنها وسيط ،وعرفات هو الممثل الشرعي للفلسطينيين، وعموما فالتحركات التي تقوم بها بعض الدول العربية مثل مصر والأردن والسعودية حاليا والزيارات المتعددة التي قام بها بعض المسئولين العرب للولايات المتحدة، ساهمت في نقل وجهة النظر العربية للإدارة الأميركية والمتمثلة في ضرورة وجود عرفات في هذه المرحلة الخطيرة، ويبدو أن هذه التحركات قد آتت ثمارها بالفعل حيث جاءت تصريحات مستشارة الأمن القومي الأميركي كوندليزا رايس منتصف الأسبوع الماضي إيجابية وتشير لأول مرة منذ بيان بوش الأخير إلى عدم ممانعة الولايات المتحدة في التعامل مع عرفات إذا اختاره شعبه، ويجب الاستمرار في هذه الجهود. إصلاحات كبيرة ويعتقد د. جمال عبد الجواد أن الموقف الأوروبي الداعم لعرفات خلال الأيام الماضية قد ساعد بدوره على وجود بعض التراجع في الموقف الأميركي الخاص بإستبعاد عرفات، لقد ظهر من خلال التطورات الأخيرة أن الأوروبيين والأميركيين قد وصلوا إلى نقطة التقاء تتمثل في تكثيف الضغوط على عرفات من أجل القيام بإصلاحات كبيرة في هياكل السلطة، في مقابل تركه يمارس مهامه وعدم التركيز على موضوع استبعاده. وفيما يتعلق بكثرة البدلاء لعرفات والذين أثير حولهم جدل خلال الفترة الماضية، يقول د. جمال عبد الجواد: المشكلة ليست في كثرة البدلاء ولكن في الإخراج النهائي الذي سيتم به هذا الأمر، فاذا جاء من خلال توافق فلسطيني ودولي على شخصية بعينها لن تكون هناك مشكلة ولكن إذا تم ذلك من خلال الانتخابات ففي الغالب أي تحمس دولي لشخص بعينه لن يفيد هذا الشخص بل سيضره كثيرا ويضعف فرص فوزه في الإنتخابات ، إلا إذا نجح في توظيف التأييد الخارجي وتحويله إلى رصيد جماهيري داخلي . ويعتقد د. جمال أن الوحيد القادر على القيام بهذا الدور هو مروان البرغوثي، فهو الأقوى وابن الضفة الغربية وفتح وينتمي لأسرة وعشيرة عريقة، وله تاريخ مشرف في الانتفاضة الأولى والثانية، أي أنه يمتلك العديد من المؤهلات التي تساعده على أن يكون بديلا لعرفات. ولكن يبقى التساؤل مطروحا كيف سيخرج مروان من محبسه في إسرائيل ليطرح نفسه كقيادة فلسطينية؟!