«كيف تربح المليون؟» السؤال يحتل العالم العربي ارضاً وفضاء، والعروض لا تقتصر على مسابقات التلفزيون وحدها بل تجاوزتها الى البنوك وحتى محلات السوبر ماركت، وباتت هناك قناعة شعبية راسخة بأن اقصر طريق الى حل المشاكل هي ان تربح المليون، ولكن التقرير الأول للتنمية البشرية في المنطقة العربية يرمي بهذه القناعة في سلة المهملات، عندما يؤكد ان العربي، وعلى مدى الثلاثين عاما الماضية، كان يربح المليون باستمرار، ولكنه مع ذلك لم يبارح عصور الظلام، فخسر نفسه ومعه المليون ايضا؟ كيف؟ يقول التقرير وقد صدر عن برنامج الأمم المتحدة الانمائي بالتعاون مع الصندوق العربي للانماء الاقتصادي والاجتماعي ان العالم العربي، مقارنة مع سواه من مناطق العالم اكثر غنى قياسا الى مؤشرات الدخل ولكنه الاكثر فقراً قياسا الى مؤشرات التنمية، اي ان هذا العالم العربي ازداد غنى على مدى العقود الثلاثة الماضية، ولكنه ازداد تخلفا ايضا؟ اذن يمكنك ان تربح المليون، ولكن ما الفائدة منه اذا لم يتحول الى قاطرة تنقلك من عصور الظلام الى عصر التنمية والتنوير؟ ومن كهوف الجهل الى سهول المعرفة؟ يالثارات المأمون نقرأ معا بعض الارقام الواردة في التقرير وقد صدر بتاريخ 27 يونيو الماضي: لقد شهدت اعمال الترجمة والتعريب تراجعا كبيرا خلال العقود الثلاثة الماضية، اذ لم يتجاوز عدد الكتب المترجمة في العالم العربي (330) كتابا سنويا، اي ما يعادل واحداً على خمسة من الكتب المترجمة في اليونان مثلا، وبينما يبلغ عدد الكتب المترجمة منذ ايام الخليفة المأمون حوالي (100) الف كتاب، فإن هذا العدد من الكتب تترجمه اسبانيا في عام واحد!! ولا ننسى ان المأمون كان يدفع للمترجمين وزن كتبهم ذهبا، وان اسبانيا هي مستعمرة عربية سابقة (!) وربما ليس جديدا ما يكشفه التقرير من ان العرب شعب لا يقرأ فقد قالها وزير الدفاع الاسرائيلي موشيه دايان بعد هزيمة العام 1967، عندما كشف ان خططه العسكرية لضرب الجيوش العربية كانت منشورة في دراسة نشرها هو شخصيا، ولكن لعل الجديد هو ان التقرير يكشف ايضا ان الشعب العربي لا يقرأ ولا ينتج. ففي العام 1960 كانت انتاجية العامل الصناعي تصل الى (32) بالمئة، اي تقترب من مستوى اميركا الشمالية، ولكن هذه الانتاجية انخفضت في العام 1990 الى (19) بالمئة.. كما ان معدل النمو لم يتجاوز خلال العقدين الماضيين النصف بالمئة، واذا استمر هذا الاتجاه فإن الدول العربية تحتاج الى (140) عاما لمضاعفة الدخل الفردي في حين تحتاج الدول الاخرى الى (10) سنوات فقط. أعمدة التخلف ـ ما هي المشكلة مع هذا العربي المتخلف؟ قبل ان تطرح الاجابة، لابد من التأكيد على ان التقرير وضعه باحثون ومتخصصون من العالم العربي، وليس من الغرب، وبالتالي ليس هناك مجال لسوء فهم او تفاهم، وكما يقول مدير برنامج الأمم المتحدة مالوك براون ان هذا التقرير يتضمن تقييما محايدا وموضوعيا يسهم في تعيين المشاكل التي تعانيها المنطقة العربية وهي تمر في مفترق طرق حاسم في مسيرتها التنموية، وقد اعده خبراء من ابناء المنطقة، وهو بذلك ليس نموذجا خارجيا يقدم للمنطقة بقدر ما هو «نظرة في المرآة» ربما تكون مثيرة للجدل ولكنها صادقة. يؤكد التقرير ان التخلف في العالم العربي يقوم على ثلاثة اعمدة هي: الحرية، وعمل المرأة ومشاركتها ثم المعرفة، والتعليم هو ابرز مقوماتها، ففي مجال الحرية تعاني اغلب دول المنطقة من انظمة حكم تصعب محاسبتها، وتحاصر مؤسسات المجتمع المدني او تمنع قيامها، كما ان مشاركة المرأة في العمل وفي الحياة السياسية والمهنية هو ادنى من المعدلات المسجلة في دول العالم قاطبة، اما على صعيد المعرفة والتعليم فإن هناك نحو (65) مليوناً من البالغين لا يزالون يعانون من الامية، بينهم اكثر من الثلثين من النساء. اذن وبلغة اهل الاقتصاد، فإن هناك عجزا في ميزانية الحرية، وعجزا في ميزانية حقوق المرأة، وعجزا في ميزانية التعليم والمعرفة، وكل هذا سوف يؤدي في نهاية المطاف الى خسارة العربي للمليون الذي ربحه، وخسارة نفسه ومستقبل الاجيال ايضا. فالمنطقة العربية، كما يقول التقرير، هي الاكثر تخلفا عن جميع اصقاع الارض، في تقديرها لقيمة التعبير عن الرأي وفي المحاسبة (أي محاسبة المسئولين). وهذا يعني ان العربي الذي لا يستطيع اليوم ان يفتح فمه ليقول كلمته ويحاسب المسئولين عن تخلفه لن يستطيع عاجلا، وليس أجلا، أن يفتح فمه ليتناول الطعام، لأنه لن يكون هناك أي طعام، فالتخلف قادر ان يقضم ثروات الارض كلها فلا يعود يسكنها سوى جراد الفقر والمجاعة. العرب .. وحدة من ورق المفارقة الغريبة التي يطرحها التقرير هي ان المنطقة العربية هي اكثر المناطق اندماجا على الورق من خلال عشرات الاتفاقيات في مجالات الاقتصاد وحرية تنقل الافراد ورؤوس الأموال والسياسة والدفاع المشترك، ولكنها الأقل اندماجا من الناحية العملية لان هذه الاتفاقيات اما انها لم تنفذ واما ان الدول التي وقعتها لم تصادق عليها، وبالتالي ليس مستغربا ان تكون نسبة التجارة البينية بين الدول العربية لا تتجاوز (10) بالمئة من اجمالي التجارة العربية الخارجية، وهي النسبة نفسها لم تتغير منذ العام (1950). ومع ذلك فإن التقرير يعتبر ان قيام منطقة التجارة العربية الكبرى هي خطوة مهمة نحو انشاء السوق العربية المشتركة التي يمكنها التعامل مع التكتلات التجارية الدولية مثل الاتحاد الأوروبي. ومن الواضح ان واضعي التقرير لا يعرفون اليأس، وكما تقول مساعدة المدير العام ومديرة المكتب الاقليمي للدول العربية في الامم المتحدة ريما خلف هنيدي: «إن التشخيص السليم للمرض يشكل عنصرا اساسيا في معالجته، وان التحليل المحايد المتضمن في التقرير هو مساهمة يقدمها برنامج الأمم المتحدة الانمائي لشعوب المنطقة وصناع القرار لدعم جهودهم في بناء مستقبل مشرق». هل قلت «مشرق» ياريما؟