تشهد العلاقات السورية الأميركية حركة تجاذب واضحة في هذه الفترة بالذات وهي باتت مرشحة لنوع من التصعيد الجديد وذلك على الرغم من بروز معطيات وعناصر معينة تقود الى الاستنتاج بأن هذه العلاقات يفترض فيها أن تدخل في مرحلة الانفراج والتوافق. ففي أعقاب الكشف عن قيام تعاون أمني بين سوريا والإدارة الأميركية أدى - وفق مصادر البيت الأبيض - الى إنقاذ أرواح بعض الأميركيين. توقعت الأوساط المراقبة والمصادر الدبلوماسية أن ينعكس الأمر - بصورة إيجابية - على حركة الاتصال والتعاون بين دمشق وواشنطن ولكن الذي حدث هو العكس تماماً لأن العلاقات السورية - الأميركية تمر الآن في أسوأ حالاتها وفق تقدير هذه المصادر، فهناك حملة سياسية وإعلامية واسعة جداً ضد سوريا تقودها جماعات الضغط اليهودي والصهيوني سواء في وزارة الخارجية أو البيت البيض أو الكونغرس. وترتكز هذه الحملة الى عنصرين بارزين: الأول توجيه تهمة مساندة الإرهاب الى سوريا والثاني رفض دمشق العودة الى مفاوضات السلام مع إسرائيل إلا من خلال توافر عدة شروط. ويبدو أن هذه الحملة في تصاعد مستمر وصلت الى حد أن نحو 120 من أعضاء الكونغرس تقدموا بمشروع قانون الى الإدارة الأميركية يطالبون فيها بفرض عقوبات تجارية واقتصادية على سوريا تتوقف الشركات والمؤسسات الأميركية بمقتضاها عن تقديم أية مساعدات أو قروض الى الحكومة السورية وذلك باستثناء الأدوية والمواد الغذائية. وكانت قد جرت مؤخراً عدة اتصالات بين مسئولين سوريين وأميركيين ولكن النتائج كانت محدودة للغاية لأن الجانب الأميركي استمر في توجيه الاتهامات الى دمشق بشأن مساندة ما يسمى بالإرهاب. ومن المتوقع أن يقوم رئيس لجنة الاستخبارات في الكونغرس الأميركي بزيارة سوريا في إطار جولته الحالية على عدد من دول الشرق الأوسط من اجل البحث في زيادة التعاون الأمني مع سوريا والطلب مجدداً من القيادة السورية وقف تقديم الدعم والمساندة لحزب الله. وكانت جولة الحوار غير الرسمي التي عقدت الشهر الماضي في واشنطن بمبادرة من معهد جيمس بيكر وأشرف عليها إدوارد جيرجيان السفير الأميركي السابق قد شهدت حوارا مع وفد سوري رفيع المستوى برئاسة الدكتور وليد المعلم معاون وزير الخارجية السوري وعضوية الدكتورة بثينة شعبان والدكتور محمد عزيز شكري أستاذ القانون الدولي في جامعة دمشق غير انها فشلت في إخراج العلاقات السورية - الأميركية من دائرة الأزمة رغم أن بعض الأوساط عبرت عن تقييم إيجابي لذلك الحوار، ولكن جماعة الضغط اليهودي في الولايات المتحدة مارست نفوذها واستطاعت أن تمنع حدوث أي تقارب أميركي حقيقي إزاء سوريا. وتؤكد المصادر السورية أنه لا توجد مشكلة مباشرة بين دمشق والإدارة الأميركية الحالية ولكن الذي يحدث هو أن الولايات المتحدة لا تقوم بالدور المطلوب منها في الشرق الأوسط. وفي أعقاب «الرؤية» التي طرحها الرئيس جورج بوش لتسوية الصراع العربي - الإسرائيلي بادرت الصحف ووسائل الإعلام السورية الى شن حملة مركزة ضد السياسة الأميركية في المنطقة وأجمعت في تعليقاتها وتحليلاتها على أن ما طرحه بوش كان عبارة عن صياغة أميركية لبرنامج إسرائيلي في حين أكدت صحيفة «تشرين» الحكومية أن الرئيس الأميركية انضم الى حزب الليكود بعد أن طرح «رؤيته» الأخيرة. وقد اتهمت بعض الأوساط السورية حكومة شارون باستغلال أحداث 11 سبتمبر والحرب الأميركية ضد الإرهاب من أجل التحرش بسوريا وتوجيه ضربة عسكرية اليها بحجة أنها دولة مساندة للمنظمات الفلسطينية واللبنانية التي أدرجت على قوائم الإرهاب الأميركية والأوروبية. وتشير المصادر السورية الى أن استمرار الأزمة بين دمشق وواشنطن أخذ يعرقل الكثير من الجهود المبذولة لإحياء عملية السلام خاصة وأن هناك انحيازا أميركياً سافر الى جانب إسرائيل. وفيما تؤكد المصادر نفسها أن دمشق ليست راغبة بتصعيد الموقف مع واشنطن وأن إسرائيل تتحمل الدور الأكبر في دفع العلاقات بين الجانبين الى دائرة الأزمة إلا أن سوريا تبدو غير مرتاحة تماماً للأداء الأميركي الراهن في الشرق الأوسط في ضوء إصرار الولايات المتحدة على ربط كل شيء بموضوع الإرهاب الأمر الذي يفجر الكثير من المشكلات والأزمات المستمرة والمعقدة. وتحاول الولايات المتحدة عبر تكثيف ضغوطها على سوريا أن تدفع هذه الأخيرة نحو اتخاذ مواقف معينة من منظمة حزب الله في لبنان والفصائل الفلسطينية المعارضة بحجة أن كل هذه التنظيمات والحركات إرهابية. وتخشى الأوساط السورية أن يكون رئيس الوزراء الإسرائيلي - أرييل شارون- قد حصل على موافقة من الإدارة الأميركية لمهاجمة سوريا سواء في لبنان أو داخل الأراضي السورية الأمر الذي يضع المنطقة برمتها فوق برميل بارود قابل للانفجار في أية لحظة. وعلى الرغم من أن المصادر السورية تأمل ألا يصل الموقف الأميركي الى هذا المستوى إلا أن بعض الأوساط الدبلوماسية في دمشق تبدي قلقاً واضحاً إزاء التحركات العسكرية المكثفة التي تقوم بها إسرائيل على امتداد طول الحدود مع جنوب لبنان والجولان. وكانت عدة أطراف غربية قد نقلت بعض التحذيرات الى الإدارة الأميركية من أن أي عدوان قد تشنه اسرائيل ضد سوريا أو لبنان سيؤدي الى تفجير أوضاع الشرق الأوسط. ويلمس الزوار الأميركيون للعاصمة السورية دمشق مدى الغضب الذي يبديه الرأي العام والشعب السوري إزاء الانحياز الأميركي لإسرائيل حيث يجري التعبير عن ذلك من خلال الدعوات الى مقاطعة السلع والمنتجات الأميركية والمطالبة بضرب مصالح الولايات المتحدة في المنطقة. هذا الغضب عبر عن نفسه حينما قام أحد الصحفيين الأميركيين البارزين بزيارة دمشق الشهر الماضي وألقى محاضرة في المركز الثقافي الأميركي أثارت عاصفة من الاحتجاج لدى الأوساط السياسية والإعلامية السورية حيث عكس النقاش الذي دار بين الطرفين مستوى وحجم الأزمة في العلاقات السورية الأميركية الراهنة. ولكن بعض المصادر الدبلوماسية الغربية تتوقع أن تشهد العلاقات بين دمشق وواشنطن نوعاً من التهدئة والانفراج خلال الفترة القادمة خاصة بعد أن فشل الرئيس جورج بوش في إقناع الطرف العربي بنزاهة ومعقولية «الرؤية» التي طرحها حول الشرق الأوسط الأمر الذي تعتبره الإدارة الأميركية مؤشراً على تراجع نفوذ التيار المتشدد داخل هذه الإدارة والذي يدعو الى مقاطعة سوريا وضرب حزب الله وإطلاق يد إسرائيل في شئون الفلسطينيين والمنطقة عامة. وتضيف هذه المصادر بأن الإدارة الأميركية الحالية بدأت تكتشف بالتدريج عدم جدوى سياسة استخدام القوة ضد دمشق بعد أن أكدت سوريا بأنها لاعب إقليمي بارز في الشرق الأوسط وبالتالي فإن مسألة الرضوخ لإملاءات شارون لن تستمر الى مالا نهاية. ويقول الدبلوماسيون الغربيون في دمشق : إن عدم قيام فاروق الشرع وزير الخارجية السوري بزيارة واشنطن الشهر الماضي بعد انتهاء زيارته لنيويورك قد أعطى انطباعاً سلبياً للغاية بأن العلاقات بين الجانبين قد وصلت بالفعل الى مرحلة ما قبل القطيعة لأن اجتماعاً كان سيعقد بين الشرع ونظيره الأميركي كان يمكن له أن يجلب الكثير من التفاهمات الى الحوار السوري - الأميركي. وهناك الآن محاولة لإعادة تقييم الوضع من جديد خاصة وأن سوريا لم تعلن رسمياً رفضها للأفكار التي طرحها بوش في رؤيته وإذا ما نجحت جهود الوساطة والاتصالات في تغيير معالم الصورة فإن العلاقات السورية الأميركية ستدخل من الآن وصاعداً في حالة مد وجزر الى حين بروز معطيات دولية جديدة على مسرح الشرق الأوسط وتوقف الدعم الأميركي لإسرائيل عند حدود معينة وهو أمر تعتبره دمشق بأنه غير وارد واقعياً في عهد الإدارة الأميركية الحالية