فور استكمال نيابة الصحافة والمطبوعات اليمنية استجواب الروائي وجدي الأهدل فر خارج البلاد بسبب تهديدات بقتله بعد أن اتهمته بالإساءة للدين الإسلامي والعادات والتقاليد، في روايته قوارب جبلية تستعد إحدى محاكم العاصمة للفصل في الدعوى المقامة ضد الأهدل من قبل وزارة الثقافة التي صادرت الرواية ورفعت الدعوى . وكانت الحكومة اليمنية العام الماضي قد تبنت موقفاً مغايراً تجاه موضوع مشابه فاستنفرت كل قوتها الى جانب رئيس تحرير صحيفة الثقافية الذي اتهمه قياديون في الاصلاح بالإساءة للذات الإلهية وجمدت القضية المرفوعة ضد رئيس تحرير الثقافية حتى اللحظة . إذن ما هي الابعاد السياسية لهذا الإجراء ومن يمتلك تقييم الأدب ومن له حق اصدار فتوى التكفير وتحديد ماهو الأخلاقي من عدمه؟ تلك الأسئلة وغيرها كانت محور لقاء استضافة مكتب «البيان» في صنعاء، وشارك فيه عبد الباري طاهر عضو المجلس المركزي لاتحاد الأدباء والكتاب اليمني ونبيل الصوفي رئيس تحرير صحيفة «الصحوة» الناطقة بلسان التجمع اليمني للإصلاح وعمر محمد عمر رئيس تحرير صحيفة الثقافية الصادرة عن وزارة الثقافة والقاصة أروى عبده عثمان والشاعر والقانوني محمد عبدالسلام المنصور. وزارة الثقافة من جانبها رفضت ارسال من يمثلها واكتفى الوزير عبدالوهاب الروحاني بالتأكيد على أن موقف الوزارة يمثله الوكيل المقال علي بن علي الذي رفض قرار المصادرة والإحالة الى المحاكمة وهو أمر محير لأن الوزير هو من اتخذ قرار مصادرة الرواية وأوقف وكيله عن العمل لذات السبب.بدأ اللقاء الدكتور فارس السقاف بالسؤال عن مغزى إثارة مثل هذه القضايا وفي هذا التوقيت بالضبط خصوصاً في الأدب وهل هناك جهة معنية وهل هنا تعمد في الإثارة ، الإجابة لدى عبدالباري طاهر: طاهر : ليس على سبب اختيار هذا التوقيت لكني عندي شيء من الحذر من أن أجهزة الإعلام العربية عموماً واليمنية خصوصاً عندما تكون في أزمة شديدة أو تقدم على عمل كريه تفتعل أشياء شديدة الحدة مثل ماحدث عند عملية التفاوض حول الحدود مع المملكة العربية السعودية حيث أثيرت قضية قتل عدد من الطالبات في كلية الطب وعظمت هذه القضية على أكثر من «سلخانة». أجهزة الدعاية والإعلام الحكومية تفتعل المشاكل لتغطي على مسائل أكبر فأنا لدي هذا الحدس ولا أملك ما يؤكد حقيقة ما يعتمل الآن ولكن المصادرة كريهة في أي زمان وأي مكان . أن يفرض البعض أنفسهم قيمين على مكارم الأخلاق وسكوت الناس أو الإدعاء بأنهم من يحددون الفضيلة والرذيلة شيء سيئ . الرواية لا يمكن أن تحاكم بمقياس الفضيلة فقط لأنها عمل إبداعي وهي شكل للمجتمع وتعكس ما فيه من خير وشر وتناقضات وسلبيات وكل الممارسات الخاطئة . وفي اعتقادي أن وزير الثقافة الحالي لو وجد أيام هارون الرشيد كيف سيتعامل مع «ألف ليلة وليلة». لو وجد أيام الصحابة أو أيام عمر بن ابي ربيعة الذي كان يتكلم بإباحية شديدة جداً وحفظ لنا علماء الحديث والتفسير قاعدة أن يفسر القرآن الآية بالآية والآية بالحديث الصحيح وفسر القرآن أيضاً بالشعر الجاهلي بإعتباره لغة العرب ونزل بلسانهم وقد حافظوا على أشعار أمرئ القيس بما فيها من مجون واباحية وأشعار أعشى قيس وأشعار أعشى همدان طرفة بن العبد، كل الشعراء التي كانت معلقاتهم تعلق بأستار الكعبة كانت قصائدهم تتكلم عن المجون عن الفسوق ولم ينظر اليها على أنها تهدد مكارم الأخلاق هذا كان في صدر الإسلام . ـ السقاف : برأيك لماذا لم يعترضوا عليها ؟ ـ طاهر : لأنها جزء من التاريخ وجزء من التراث وجزء من الثقافة ، عبدالله بن عباس حبر الأمة يقف مابين أذان الفجر وصلاته ليقول : وهو يمشي بلا أنيسا أن يطلع الفجر تك لميسا قال هذا وقام يؤذن ويصلي بالناس لدينا تجربة في التاريخ أن المغالين هم أقل الناس أخلاقاً ومن ينصبون أنفسهم مسئولين عن مكارم الأخلاق والشرف والفضيلة هم أقل الناس التزاماً بالشرف وعلما بالفضيلة فالذي يحفظ للناس مثلهم وتقاليدهم هو تقديم القدوة الحسنة والأنموذج الأفضل وعدم محاربة مواهب الناس وإبداعاتهم. الرواية ازدهرت في العصور العباسية كلها ولدينا ارث كبير للجاحظ ومقامات الهمذاني والحريري وعشرات من شعراء العصر الاسلامي كلهم يتكلمون عن هذه الأشياء . كعب بن زهير مطلوب للإعدام وهجا الرسول فاستأذن ووصل الى الرسول صلى الله عليه وسلم فألقى قصيدة بانت سعاد .. يتكلم فيها من أرقى ما يمكن أن يقال في الغزل وعن الخمر ألقى عليه الرسول بردته وأعفاه من القتل فنحن نتكلم الآن بينما يضعف الدين ويشتد القمع وكلما ضعف الدين ضعفت القيم واشتد سعار الناس الموجودين في قمة السلطة للدفاع عن الأخلاق والفضيلة التي يريدونها هم . ـ السقاف : هل نفهم مما قلت أنه ليس من حق أحد أن يحدد ماهي الفضيلة أو الرذيلة؟ ـ طاهر : الدولة ليست هي الكافلة للأخلاق المجتمع قيم الناس تقاليدهم وأخلاقهم مؤسسات المجتمع المدني العلماء الأجلاء هم القيمون وليس وزارة الداخلية أو الأمن السياسي او مخبريه . ـ السقاف : أي أن المجتمع المدني نفسه هو المسئول ؟ ـ طاهر : قيم أي مجتمع هي التي تحدد وضمائر الناس ووجدانهم والثقة بضمائر الناس . ـ السقاف : إذن قيام شخص بتقديم شكوى ضد وجدي الأهدل كما حصل في الواقعة الحالية . هل يصح ؟ ـ طاهر : من حق أي شخص أن يبدي رأيه لأنها رؤيته الخاصة لكن كذلك ليس مقياساً للحكم . وليس وزير الثقافة أو غيره هو مقياس للحق لقد وضع في هذا المنصب نيابة من الشعب ليرعى هذا الحقل ويعزز حريته ويدافع عن حقوقه لا أن يقمعه . وزارة ثقافتنا أقدمت على خطوة غير مسبوقة تغلق دار نشر وتصادر رواية قبل أن تصل الى يد القارئ وواضح جداً أن المسألة مرتبطة بصراع داخل الوزارة ولكن ضحيتها حرية الرأي وأشخاص قد يكونون بريئين . مجتمع وثني ـ السقاف : الحديث للكاتبة أروى عبده عثمان . كيف نضمن مستوى الرواية في اليمن وهل هناك إمكانية لتطبيق فنيات الرواية على قصة «قوارب جبلية» خاصة وأن المعارضين يقولون انها هابطة فنيا وتبحث عن الشهرة . ـ أروى عثمان : أولاً لا أحب أن أقيم أدباً أنا ما زلت ناشئة فيه وثانياً أظن أنه ليس من حقي ولا من حق غيري الافتاء في أمر الرواية والقول انها كذا وأن صاحبها يبحث عن أمر ما . لكن من ناحية النقد فالرواية في اليمن لا تزال تجريبية ولدينا الآن خمس أو عشر روايات وهي في مرحلة تأسيس . ـ السقاف : علي المقري قال ان رواية الأهدل تنتمي الى مدرسة الواقعية القذرة كيف ترينها أنت ؟ ـ عثمان : كل من أراد أن يصنف الرواية فعل ذلك وفق ما يرغب به هو. ـ السقاف : ولكنك وصفت ما يكتبه بأنه «يجلب» لك القرف ودافعت عنه . ـ عثمان : مقالي كان واضحاً جداً أنا مع حرية التعبير في كل ألوان الأدب ولست مع رواية وجدي الأهدل أو ضدها . بعض القصص التي يكتبها فعلاً لا أطيقها. لكن ليس معنى ذلك أنني أقول انها تحرم أو تصادر . فرواية الخبز الحافي لمحمد شكري مثلاً جعلتني اتقزز، حرية التعبير يجب أن تأخذ حقها ومساحتها الحقيقية . ـ السقاف : في إطار هذا التوصيف لو قام أحدهم بتصوير مشاهد فاضحة بتقنيات عالية وقام بتوزيعها فأقدمت الحكومة على مصادرة هذا الفيلم أو شكا عن صورة آخرين . هل يمكن ان يثير ذلك الأدباء والفنانين ويرون في ذلك مصادرة للإبداع؟ ـ عثمان : هناك نقطة أريد التحدث بها فمن خلال تجربتي مع الأغاني الشعبية والتراث وجدت أن هناك محاكاة للجسد بشكل غير عادي ولم يقل أحد أن هذا محرم . بل ان النساء كن يقفن على سطوح المنازل أو في الحقول ليغنين بهذه الاشعار التي يوجد فيها أحياناً مكاشفة الى حد لا يصدق . وقد يدفعك ذلك أحياناً لتقول هل من المعقول أن يسكت الناس على هذه الأغاني . ـ السقاف : ربما صح ذلك ولكن لأنه لم يخرج بشكل عمل أدبي متداول كالرواية والأفلام المصورة . ـ عثمان : لا أنا لا أقصد أن هذا الأمر هو دليل على وجود ثقافة من هذا النوع . بغض النظر عما إذا جاء ضمن كتاب أم لا . ـ السقاف : لكن يظل الأمر غير محدد. هذه أغنية فلاحة من هي هذه الفلاحة لا يعرفها أحد ولا يمكن محاسبة العمل الا حينما تحول الى فعل مادي مثل أن يتحول الى رواية او فيلم . ـ عثمان : خذ عندك العادات والتقاليد وهي جزء من الممارسة هناك عادات اذا ما قيست بما تقوله أنت فيمكن القول أنها اباحية .. لقد زرت أنا منطقة منبه «حسيت» أننا في مجتمع وثني . الطفل الصغير يسمونه العاشق ويذهب يقابل فتاة ويمارسان الحب بل ويتزوجها بعد أن تكون قد خلفت طفلين أو ثلاثة . لماذا لا اسمي هذا انحلالاً رغم انه موجود وقائم .. خذ عندك ما كان يحصل قبل الثورة فالرجل الذي كان يأتي اليه ضيف ويرغب صاحب البيت في اكرامه يقوم بإعطائه زوجته لتنام الى جانبه حتى يتدفأ من البرد ولكن مستحيل أن يقوم الضيف بلمسها لأن ذلك سيكلفه حياته . وكانت تعبر عن مجتمع . حدود الحرية ـ السقاف : محمد عبد السلام المنصور أين تنتهي حرية الإبداع وأين هو دور القانون في ضبط القيم والأخلاق حتى لا تظل أمراً مشاعاً ؟ ـ المنصور : يجب أن نفرق بين ثلاثة أشياء رأيي ورأي القيمة الأخلاقية الدينية العامة وحدود الأديب . بالنسبة لرأيي سأكون مثل رأي من تقدم ببلاغ ضد الكاتب وجدي الأهدل وروايته أو مثل رأي الأخت أروى عثمان أو غيرهما بمعنى سيكون ضمن المكونات التي تجعل الجمهور يقدم على الرواية أو يعزف عن قراءتها فلا يهم حينها الحديث عن هذا الرأي في ندوتنا لأن مجاله صفحات الصحف والمجلات . القيم الأخلاقية بالمجتمع العربي نعرفها جميعاً تكونت عبر الموروث والتعليمات الدينية وعبر التراكمات الاجتماعية خلال فترات التخلف والتطور وكان عندنا هذا الذي لا يصلح والذي لا يجب والحلال والحرام لكن هل يستطيع أحد من العلماء أو النقاد أو من الشرطة أن تحدد هذه الدائرة وأن تضع عقاباً لمن يتعداها أو يقيمها، لا يوجد في الدين ما يدل على ذلك على الإطلاق . الدين الاسلامي أتى بتعاليم تخص العبادات وأخرى تخص علاقة الانسان والثالثة السلوك الأخلاقي ذا الأفضليات الإسلامية التي يحث الناس على اتباعها ووضع عقوبات أخروية لعلاقة الانسان بربه وبعض عقوبات دنيوية أما علاقة الإنسان بالإنسان فقد وضع لها عقوبات محددة وسماها بالحدود وجعلها مبينة للناس ترتكز على الحرص على الدم والعرض وما عدا ذلك فإنه يدخل في هذا الإطار . أما في الأشياء التي دعا للالتزام بها فقد وضع لها عقوبة من المجتمع وهي الاستهجان وأظن أن الاستهجان من المجتمع هو أبلغ العقوبات التي يتحاشاها جميع الناس . ـ السقاف : وما قولك في ان الحلال بين والحرام بين ؟ ـ المنصور : الأشياء الثلاثة تدخل في هذا القول . فالحرام أن تترك الصلاة، والحلال أن تأكل لحماً حلالاً بين ما بينهما المشتبهات جعلك أنت تقدر ونصحك بأن لا تقتحمها هروباً من الحمى . والعقوبات هي المبينة في القرآن وما عداه فهو اقتحام للشرع الاسلامي . ـ السقاف : ولكن إذا ما ارتكب فعل حرام من يعاقب ؟ المنصور : أي حرام تقصده فإذا كان من المحددة فعلى ولي الأمر ايقاع العقوبة وهذا أمر موكل للإمام العادل وهو ماجعل بعض المذاهب تسقط الحدود لعدم وجود الإمام العادل ، الدولة لها حق الأخذ بالعقوبات المبينة فقط . ـ السقاف : في القانون اليمني ما هي عقوبة النشر ؟ ـ المنصور : ما قلته كان رأياً ولا يعني أن احداً لم يهتم بالزندقة في التاريخ الإسلامي ولكن اتهم الحلاج وغيره كثيرون منهم أبو العلاء المعري والدمشقي ولكن هل وجد عالم او مذهب يعتد به ليقول ان هذه هي الرؤية الاسلامية الصحيحة لتنفيذ حدود الله لا . وبكل ما قال لا أقصد الدعوة لأن يخرج الناس عرايا الى الشوارع بل ان هذا في القانون اليمني يعد «عملاً فاضحاً» ويعاقب عليه . ـالسقاف : ولكن كيف تسقط هذا الأمر على جرائم النشر ؟ ـ المنصور : الأدب رمز وليس حقيقة وفي أصح الأقوال ان النظر الى عورة المرأة أو عورة الرجل لا يجوز لكن في المرآة وفي سطح الماء لا يحرم لأنه لا تنظر الى الحقيقة ولهذا قيل ان الأشياء في التلفزيون ليست الحقيقة . ولهذا يجب ان يكون لدينا فهم دقيق للدين حتى نحاسب الآخرين . أنا قرأت رواية وجدي الأهدل وأقول ليس من حق أحد حتى العلماء لا يستطيعون ان يحددوا . لو قال الأستاذ عبدالباري طاهر ضمير المجتمع لقلت معه . ـ السقاف : كيف سيجتمع ضمير الناس ـ المنصور : ان يستهجنوا العمل .. لا يقرأوه والكاتب وغيره عندها لن يكتبوا . ليس أمام المجتمع غير هذا . ـ السقاف : هل ماقامت به وزارة الثقافة صحيح وماذا يقول القانون عن ذلك ؟ ـ المنصور : لا أعلم ان كان القانون الحالي ما يمكن به محاسبة الأهدل ولا الشريعة يجب ان تحاسبه ولكن ما أعلم أنه يجب على الأهدل كإنسان من داخل المجتمع ان لا يكتب هكذا . ـ السقاف : والرقابة اللاحقة مادورها ؟ ـ المنصور : الدستور يقول ان الادب لا يحب ان يمس احداً في عرضه . وإذا كان شخص ما وجد في الرواية ما يمس عرضه فله الحق في المقاضاة عندما يقول الكاتب إمراة زيدية أنا اقول أنه يرمز للإمامة وليس للطائفة . بل انه يحترم الطائفة ولا يقصدها . بل كان يرمز للإمامة التي دمرت البلاد . وهكذا اقراها كأديب . ثم رمز للسلطة الحالية وقال أنها أسوا وتدمر البلد أكثر هكذا رايتها . كيف يجوز لي وانا أؤول الرواية هذا التأويل ان أحضر الكاتب الى محكمة أو أحاكمه . الى جانب ذلك فإنه لولا ان الكاتب استخدم عبارات لا تعجبني كشخص لكانت الرواية صفعة في وجه كل حكام البلاد الذين لم يحترموها . ـ السقاف : والحسبة أليس من حق أحد؟ ـ المنصور : بعد ان انتظمت الدولة الاسلامية أوجد نظام المدعي العام وسقطت الحسبة من يومها ولم يؤيدها أي قانون حتى الآن . لأنها في هذا الوقت ستؤدي الى فوضى عارمة . المضمون المبهم ـ السقاف : نبيل الصوفي أين أنت مما قيل ؟ ـ الصوفي : أظن أننا في مشكلة تظهر مشكلة أخرى فنحن لو لنا الرواية وقعنا ان المقصود بها الحكام نكون قد ألقينا بالرجل في'' ستين داهية '' المحرمات السياسية هي الفاعلة اليوم وغيرها من المحرمات غير موجود حتى وان ارتكزت على دين . لقد سمعت ان الرئيس علي عبدالله صالح قد طلب رأي الدكتور عبدالعزيز المقالح في الرواية بعد ان بلغه ان بها اسقاطات سياسية حيث تحدث الكاتب عن تحالف حرب 1994 م وما بعدها والأميركيين الذين جاءوا لتغطية عورة '' سعيدة '' فالقيم السياسية اليوم فعلها أشد داخل المجتمع وهي تؤكد لنا وللأسف الشديد ان السياسيين هم الأكثر فاعلية ومن يتحدثون في الأدب والشعر والثقافة يقعون ضحية لمن يمارسون الفعل السياسي . ستكون المشكلة الظاهرة الآن هو خلافنا حول دور الدولة دور المواطن دور المجتمع المدني سننسى المشكلة الآن فالمشكلة ليست مشكلة المحرمات الدينية لأنه في النهاية سيرد عليك بانه لم يقصد الاساءة للدين ويضع تأويلات محددة . مشكلتنا ان لدينا سلسلة من الترابطات تبدأ من المواطن العادي الذي له حق الانتخابات وإذا كان له حق اختيار نائب أو رئيس فله الحق في قول رأيه في الأطر الثانية هو خلافنا حول دور السلطة الحكومية دورها ماهو هناك من يريد ان يعيد للدولة كل شيء وآخرون يريدون تجريدها من كل شيء وغيرهم يستخدمون المسألة بحسب المزاج. مثلاً عندما تدخل مسجداً وتسمع خطيباً لا يعجبك تصرخ أين وزارة الأوقاف من أين يأتون بهؤلاء الخطباء . وإذا نقلت المسألة الى كاتب رواية تقول لا وزارة الثقافة ليس لها علاقة في التدخل في العمل الأدبي وما أقصده ان هناك خللاً تجاه هذه القضايا . ما يتصل برواية قوارب جبلية فأنا لم أقرأها وإن كنت قرأت رواية '' إضبارة جمهورية الانتفاخ '' شخصياً شعرت بالتقزز الشديد . وأكثر من عمل قرأته لوجدي الأهدل فوجدته بنفس الصياغة وأنا لا احلله نفسيا ولا فكرياً ولا دينياً ولكني اتخذت منه موقفاً. وهو الآن لا يعبر عن موروثي الثقافي والشعبي أنا كشخص اتخذت موقفاً وانتهى الدور. وحين أثيرت هذه القضية فظهر بيننا وفي نفوسنا '' القبلية '' من الناحية السلبية بمعنى ان الشخصية القبلية التي ترى العيب هو ان تقول لي ان ما أفعله عيب . وبالتالي خرج المثقفون وبيدهم الحجارة كما خرجت وزارة الثقافة فالوزارة تقذف بحجارتها وجدي الأهدل والمثقفين يقذفون الوزارة بحجارتهم وكل واحد يأخذ موقفاً مختلفاً تماماً وكأنهم سيصلون الى منطقة وسطى . ولن يتم شيء سوى أننا قد أضفنا فشلا الى قضية الحوار بيننا حصل خطأ حصل فعل وهي الرواية ، وزارة الثقافة اتخذت اجراءاً إدارياً تجاه الدار الناشرة والقاص . ولكن أقول وبمفردات المجتمع المدني وبعيداً عن الحسبة لكل مواطن الحق في اللجوء الى القضاء وبعدها سنتحدث عن عدم وجود قضاء متخصص ولكننا سنناضل حتى تحقيق ذلك . ما حصل عكس ذلك وبدأ بإتمام الصراع السياسي . ـ السقاف : الحديث للأخ عمر محمد عمر . كيف ترى القضية ؟ ـ عمر : أنا كنت معداً نفسي للحديث عن الرواية كأدب . لأنه في تقديري ان أي تقييم من خارج العمل الأدبي ليس تقييماً إطلاقاً . فلا استطيع محاكمة رواية لا دينياً ولا تاريخياً ولا غيره . لكن أحاكمها كرواية هل قدم رواية أم لا . بداية هناك ملاحظة طرحتها الأخت أروى عثمان حول الرواية اليمنية وقالت أننا ما زلنا في مرحلة تجريب وهذا غير صحيح لأن عمر الرواية لدينا حوالي سبعين سنة منذ صدور أول رواية في عام 1934 م لعلي محمد لقمان وماحدث من تراكم لدينا ليس أقل من ستين الى سبعين رواية . وبعض هذه الروايات لم تنشر حتى اليوم ولا تزال سلسلة هذه المسيرة مرت بكل اتجاهات الرواية الرومانسية والواقعية في الوطن العربي بدءًا بالرواية الرومانسية والواقعية الاشتراكية والواقعية الجديدة . وما نقصنا حقيقة هو ان ليس لدينا نقد حتى تحضر الرواية حضور الشعر بمعنى نقد حقيقي . وإذا عدنا لمفهوم الرواية خصوصاً عناصرها الزمان المكان الشخوص اللغة بمفهوم الرواية اليوم بأمانة أنا حصلت على نسخة من رواية قوارب جبلية وصدقني ليس فيها رواية عندما قرأت الرواية لم أجد الحدث بل فيها حشد متفرق كالجزر ما عدا النصين الأخيرين اللذين مثلا نسقاً واحداً. الشكل الآخر وليس هناك حدث وبالتالي توجد عدة شخوص متفرقة عن بعضهم البعض لا يوجد تعمق في الشخوص والرواية بمختلف اتجاهاتها تنسجم مع التحليل للشخص . الزمان والمكان موجودان واستغرب من يقول ان الرواية تاريخية ليس فيها رواية تاريخية هناك رمز لكن الرمز بدون قرينه ليس رمزاً واضرب مثلاً القاص محمد عبدالولي لديه قصة قصيرة اسمها «وكانت جميلة» عن ثورة 1948 وهي بشخصية امرأة ماجعلني اقول أنها تتحدث عن الثورة هو وجود شيخ يريد احتواء العمل الثوري ووجود عسكري يرمز لحركة الأحرار بمعنى ان داخل العمل قرينة وبأمانة أحس ان الزمان: فلت من يد وجدي الأهدل . ما يتعلق باللغة في الرواية أتت مقعرة ومكشوفة لأنه حتى الجنس ممكن استخدمه وأوظفه وبلغة راقية لكنه قدم كلاماً اعتبره بذاءة أما المصادرة فأنا لا أختلف بأنه ليس من حق أي أحد ان يحجر على تفكيري. المنصور : لدي تعليق فنحن لسنا هنا في مجال تقييم الرواية فنياً ولكننا بسبب ما قيل ان الرواية تعدت حدود الآداب العامة أما قضية التقييم فهناك مجال آخر ولا يستطيع أحد حتى لو كان نجيب محفوظ يقول ان هذا العمل ليس روائياً .. ولا أريد ان يتخذ من القول أنها ليست رواية مدخلاً لمصادرتها .لأن ذلك سيكون مدعاة للقول أننا نقبل ان يقول لنا ماهي الرواية من عدمها .. هناك الرواية «الفانتازيا» والتي لا تلتزم بالمعايير التي أشير اليها . الرواية كلها رمز ولا نستطيع حبكها من ناحية الزمان والمكان . أما الرمز فإن العلماء يقولون ان القرينة كلما بعدت عن الرمز كلما كان أكثر فنية والمرمز يفسد المجاز . هكذا يقول علماء الألسن . ـ السقاف : لكن ماهي الإجراءات التي كفلها القانون فيما يتصل بقضايا الإساءة للأخلاق العامة ؟ ـ المنصور : ماقاله الأخ نبيل صحيح .. وعلى كل شخص يرى انه مس بشخصه من هذه الرواية التوجه الى النائب العام للشكوى . وإذا رأى النائب العام ان في هذا العمل ما يسيء للذوق العام فعليه احالته للقضاء ليقول كلمته . ـ السقاف : هل هناك إجراء سابق للشكوى لتشكيل لجنة لإبداء الرأي؟ ـ المنصور : في القانون يلزم القاضي ان يستعين بلجنة خبراء حينما لا يستطيع ان يدرك الموضوع المبحوث أمامه لكي يصدر حكماً موافقاً للقانون . أما ان وزارة الثقافة وبمجرد ان خدشت بكلمة فتذهب وتغلق دار النشر وتصادر الرواية فهذا غير صحيح . ـ السقاف : هيئة الكتاب تقول ان هناك فرقاً بين رقم الايداع ومنح ترخيص التداول . هل صحيح هذا ؟ ـ المنصور : الإيداع لا يتم الا بعد الطبع وليس له علاقة من الناحية القانونية بالتداول إلا من ناحية حفظه للحقوق الملكية الفكرية . ـ عثمان : بشكل عام هل ما يحدث هو بسبب رواية قوارب جبلية أم ان لها تبعات أخرى ؟ ـالسقاف : أنا كنت سألت هل هناك قصد في التوقيت ؟ ـ عمر : ماقاله عبدالباري طاهر صحيح ان إعلامنا يفتعل المشكلات للتغطية على قضايا أخرى . ـ السقاف : لماذا لم يثر تجمع الإصلاح مما جاء في هذه الرواية كما حصل مع رواية صنعاء مدينة مفتوحة ؟ هل هناك اعتبارات سياسية خصوصاً تبعات أحداث الحادي عشر من سبتمبر؟ ـ الصوفي : إذا كان هناك تقييم موضوعي فإن تجمع الإصلاح لم يدخل طرفاً في قضية رواية صنعاء مدينة مفتوحة ورحم الله الكاتب والقضية وأعتقد اننا جميعاً قد دفعنا ثمن هذه القضية وللأسف فإننا في الإصلاح خرجنا بأكثر الخسائر أما موضوع رواية قوارب جبلية فنحن نطرح نفس النقطة. هناك نقاش بين الأدباء ونتمنى ان لا يكون هناك تمترس سياسي . وشخصياً أتمنى ان تقوم دائرة الثقافة والاعلام في الاصلاح بعمل ندوة حول الرواية . الأزمة في الموضوع ليست الرواية والكاتب بل النظام العام والحريات . ـ السقاف : هل هناك فرق بين الأفكار والمشاهد الفاضحة ؟ ـ طاهر: المشاهد الفاضحة في رواية قوارب جبلية هي عن الفأر الذي دخل جسم سد مأرب .. أما الرواية اتفق مع ماقاله عمر عن توحد تفكيك لكنها تحمل رؤية .. فهو يرى ان الوقائع التاريخية يرى الواقع أكثر كابوسية وبشاعة مما كتبه فمشى وفسق هذا الواقع الكريه لا يمكن التعبير عنه بطريقة مهذبة جداً الا بطريقة وجدي الأهدل . دعونا نكون متواضعين لا بد ان يقرأ الناس أنفسهم فيما يكتب . الصوفي : وحقي أنا في نقد الرواية أين هو ؟ طاهر : أنت وزير ثقافة تتصرف كقبيلي تذهب لتغلق دار النشر وتصادر الرواية ثم تقول لنحتكم الى القضاء . أي احتكام تتحدث عنه ؟ أنت تصادر قبل الاحتكام .إذن أنت بالقضاء وتصادر إذاً أنت تتوقع ان يحكم القضاء بإعدامه . أنت كمواطن إذا قلت أنك تحتكم للقضاء فلا تتخذ الإجراء المسبق . ـ الصوفي : أنا اتحدث كمواطن لا أمتلك سلطة المصادرة . ـ طاهر : وانا حديثي عن مسئولي الحكومة لا عن المواطن العادي . ـ السقاف : الآن هناك من رجال القبائل ومن الجيش من يبحثون عن وجدي الأهدل ليقتلوه. ـ طاهر : وجدي عبر تعبيراً مهذباً جداً عن واقعنا . وعموماً الإسماعيلية وهم فرقة إسلامية لا يوجد لديهم شيء اسمه الزنا الفعل الفاحش، عندهم هو معاشرة الأعداء . الآن من يعاشر الأعداء مثلنا كونوا صادقين مع النفس . ـ السقاف : لدينا صحفي أسباني أرى ان نسمع رأيه فيما لو حدث مثل هذا الأمر في بلده ـ أعتقد ان مثل هذه الأمور لا تحدث في أسبانيا أي التحقيق والمحاكمة للكتاب .وإن كان ذلك يحدث في السابق وما يجري هو ان يفصل القضاء اذا ما اعتدى شخص على الآخر أما ان يحاكم كاتب أو غيره بتهمة الإساءة للعادات والتقاليد فذاك أمر غير موجود مطلقاً