هل يظهر محمد حسنين هيكل مرة أخرى على شاشات الفضائيات المصرية، أم أن المحطة الخاصة التي استضافته أخيرا سوف تجد حرجا من السلطة بعد ما اذاعه في الأسبوع الماضي؟ وقد تكون الاجابة بالنفي نظرا لتشابك المصالح الاقتصادية لصاحب الفضائية مع ماتقوله الإدارة المصرية بالنسبة له كرجل أعمال قبل أن يكون رجل اعلام. أيضا، قد تكون الاجابة «نعم»، سوف يظهر هيكل مرة أخرى لأن صدر السلطة في مصر قد يتسع لما يوجهه لها من نقد وخير لها أن تسمع انتقادا من أن تحجب رأيا ويقال: «لقد منعوا هيكل من الكلام». على أي حال فليست هذه هي القضية الآن، لكن القضية ماقاله هيكل ورد عليه الرئيس مبارك في حديث مطول بالأهرام. وهيكل كعادته لا يحب أن يتصادم مع الرئيس بشكل شخصي، لكنه أيضا، وبضمير سياسي وتاريخي ووطني، لا يستطيع أن يقفز كثيرا عما يراه من أخطاء سياسية في السياسة المصرية أو العربية، ومن ثم فالحديث التلفزيوني الذي استمر ساعتين ونصف الساعة على شاشة «دريم» وكان بمثابة محاضرة مطولة لم يتدخل فيها أي مذيع، هذا الحديث لم يورد اسم الرئيس مبارك مرة واحدة ولكنه تناول قدرا غير قليل من أساسيات الموقف المصري تجاه مايجري في فلسطين. اعترض هيكل على «رؤية بوش» للقضية الفلسطينية وورود اسم مصر فيها دون تشاور مع مصر في الوقت الذي تم فيه التشاور وإلى أيام قبل اذاعة البيان مع الجانب الإسرائيلي.. واعترض هيكل على ماقاله الرئيس مبارك ورددته الادارة المصرية من أن بيان بوش قد جاء متوازنا، في الوقت الذي يرى فيه الجميع أنه مجحف ومنحاز ويؤدي الى كارثة قد تضيع معها فلسطين خلال ثلاث سنوات. وقد اعترض هيكل على مسألة «المدنيين» وفسخ تماما ما تقوله الحكومة المصرية والحكومات العربية والحكومة الأميركية من أن ضربهم جريمة كبرى يرتكبها الاستشهاديون، فالحرب من وجهة نظر هيكل حرب شاملة، وضرب المدنيين حدث في هيروشيما وفي العراق وفي غيرهما من مواقع لم تر فيها الدول المتحاربة غير أن توجه آلتها للجبهة المدنية لتكسر الجبهة العسكرية وتضغط على الإرادة السياسية.. و.. في هذا المجال أيضا أبدى هيكل تفهما شديدا لدوافع الاستشهاديين الذين وضعتهم الظروف ووضعناهم نحن في موقف لا يجدون فيه غير الحرب بأجسادهم.. ويواصل الاعتراضات على مايجري فيتهم هيكل نظماً عربية بالضغط على الفلسطينيين، ويقول أنه لا يوجد في أي بلد عربي «يقصد الأنظمة» فكر يؤهله لمواجهة الأزمة.. و.. في التفاصيل يصف رحلات المسئولين العرب الى واشنطن بأنها بلا أية جدوى أو قيمة تذكر. المهم، وهذه هي القنبلة التي يفجرها هيكل ويستهل بها حديثه هي مسألة وجود وثيقة قدمها السادات للإدارة الأميركية تنص على أن مصر على استعداد للقيام بدور أمني في غزة والضفة الغربية، وهو ماحرص الرئيس مبارك أن ينفيه في حديث صحفي «فلا الوثيقة قد صدرت، ولا معاهدة السلام مع اسرائيل لها ملاحق سرية». هكذا قال الرئيس مبارك وأبرزته جريدة «الاهرام» بعد أن أقر أنه قرأ «معظم الأوراق المتعلقة بالمعاهدة» وبعد أن وصف ماقيل بأنه من الشوشرة أو التشويش. من جانبه وفي الحديث التلفزيوني حاول هيكل أن يقدم مصادره في هذه المعلومة وأن يقوم بنوع من التوثيق لما يقول رغم أن الوثيقة ليست متاحة، وأن يبدي موافقته في الوقت نفسه على دور اداري مصري وعربي في السنوات الثلاث المقبلة وحتى تتم حماية المدنييين الفلسطينيين، وهو دور يشابه الدور الأوروبي في البلقان وبصرف النظر في الدور العسكري لحلف الأطلسي. هيكل يفاجئنا بتعهد قديم، والإدارة المصرية تنفي ولا أظن أن أيا من الطرفين سوف يمضي في دحض ماقاله الآخر وقد يكون موضوع الوثيقة مهمة آخرين.. ولكن سوف تبقى القضية الأهم، وبعد 23 سنة من توقيع المعاهدة: هل تقبل مصر الآن. واذا طلبت الولايات المتحدة أن تقوم بدور الشرطي في فلسطين.. وضد من؟ هل تقبل رغم أن مبارك لم يكن طرفا في هذه الوثيقة؟ بطبيعة الحال فإن اسرائيل ترحب لو أن قوة مصرية قد ذهبت لتمنع الأعمال الفدائية أو تقبض على عناصر التنظيمات التي تؤيد العنف.. وبطبيعة الحال أيضا فإن الجانب الفلسطيني يؤيد دورا مصريا أو دوليا لو جاء ليدفع الأذى عن الفلسطينيين لكن مصر وعلى ما أظن لا تستطيع أن تلعب أيا من الدورين فلا هي راغبة في أن تكون «شرطي اسرائيل الذي يحميها» ولا هي قادرة أو راغبة على أن تكون ذراع القوة الذي يحارب الإسرائيليين ويتصدى لطائراتهم ودباباتهم، فذلك كما يقول مبارك يتجاوز حدود دور أي قوة عسكرية مصرية. وربما يكون مبارك قد حسم الأمر اتفقنا أو اختلفنا معه وهو ان جيش مصر لا يتحرك الا دفاعا عن الأرض المصرية. هكذا قال هيكل وهكذا قال مبارك، والمهم الآن: ماذا سوف يجري على الأرض؟.. ومتى يتوقف الموت الفلسطيني؟