ليست الحكومات وحدها هي التي تقهر معارضيها، بل إن العديد من الأحزاب ومؤسسات المجتمع المدني تقوم بهذا الدور على الوجه الأكمل، فهي علاوة على القهر المنهجي، تمتلك رؤية فكرية تمكنها من تشويه المعارضين سياسيا وأيديولوجيا وأخلاقيا. فإذا اعترضت على نهج قيادة الحزب أو تزييفها للانتخابات أو عدم مصداقيتها مع الشعارات التي تطرحها، فأنت هنا تسعى إلى الانقضاض على الحزب لحساب جهات أمنية أو جهات أخرى معادية، أو في أقل الأحوال نحو زعامة شخصية على حساب المصلحة الحزبية أو النقابية!! وقد شهدت الأحزاب المصرية منذ ولادتها انشقاقات واتهامات ومؤامرات قزمت من دورها على الساحة وجعلتها أسيرة لخلافاتها الداخلية، فانهمكت قيادات الأحزاب بمطاردة هذه العناصر بدلا من الحوار معها، وراحت تخونها بدلا من أن تصلح من أحوالها هي، فاحتكرت الحكمة لنفسها، وراح العديد من قادة هذه الأحزاب يتصرفون وكأنهم أصحاب عزب خاصة ورثوها عن الأجداد، ولا يحق لأحد غيرهم أن يتصرف في شأنها.. ونتيجة لغياب لغة الحوار السياسي جرى تجميد العديد من هذه الأحزاب بعد الانقلابات والانقلابات المضادة التي شهدتها حتى تحول الأمر إلى مهزلة، دفعت بالحكومة إلى أن تتدخل هي الأخرى على طريقتها، فتدفع ببعض عناصرها للانقلاب على رئيس الحزب ومواقفه إن لم يعجبها الأمر، ثم تصدر لجنة الأحزاب قرارا بتجميد الطرفين إلى أن يحل الخلاف قضاء أو رضاء. وفي الأسبوع الماضي هاجم أربعة من الشباب مقر الحزب الناصري في وسط القاهرة، وهددوا بتفجير المبنى الذي يضم مقر الحزب بقنابل المولوتوف وأنابيب البوتاجاز وغيرهما من المواد الحارقة إذا لم يجر إعادة الانتخابات التي اتهموا قيادة الحزب بتزييفها وكذلك إذا لم يجر تنفيذ توصيات لجنة المصالحة الناصرية لتوحيد التيار الناصري الذي تمزق إربا بفضل الممارسات غير الديمقراطية لقيادة الحزب كما يقولون. وما هي إلا دقائق معدودة حتى تحول الحدث إلى مادة لوسائل الإعلام وراح قادة الحزب ينسقون مع رجال الأمن لإنهاء الحصار والقبض على هؤلاء المشاغبين، فتم اقتحام المقر بإذن من قيادة الحزب وألقي القبض على الشباب الأربعة واصدرت النيابة قرارا بحبسهم 15 يوما على ذمة التحقيقات. ورغم رفضنا اللجوء إلى أساليب العنف كوسيلة لحل الخلافات داخل الأحزاب ومؤسسات المجتمع المدني، إلا أن من حقنا أن نتساءل لماذا لجأ هؤلاء الشبان إلى العنف وسيلة، مع ملاحظة أن هناك كثيرين لجأوا إلى ذات الأساليب في أكثر من حزب ونقابة. إن القضية في تقديري تعكس مقدار الأمل في أي تغيير سلمي داخل هذه الأحزاب تحديدا، وهو أمر جعل من هذه الأحزاب ديكتاتوريات صغيرة، تقهر وتسجن وتشوه وتدمر!!.. وإذا كنا نعيب على الأنظمة استخدامها لهذه الأساليب ضد معارضيها الطامعين في الكرسي، فهنا علينا أن نتساءل ألا يعطي سلوك هذه الأحزاب مبررا للأنظمة لقهر المعارضين وعدم الاستماع إلى نصائحهم وتزييف الانتخابات في مواجهتهم واحتكار السلطة وتوريثها لمن يشاءون!!.. إن الوقائع الكثيرة التي يعج بها الشارع المصري العربي حول ممارسات هذه الأحزاب التي تحولت إلى بوتيكات للمتاجرة والقهر دفعت بالكثيرين إلى التساؤل ماذا إذا تمكن هؤلاء من اعتلاء الكرسي في أي بلد من البلدان..؟! الإجابة البسيطة سينصبون المشانق لكل المخالفين من داخل الصف وخارجه، وسيدخلون إلى الحياة السياسية لغة الرصاص بدلا من الحوار ولغة القتل بدلا من الجرأة على دخول الانتخابات، ومن يدري ربما يسمون البلاد بأسمائهم ويعلنون ولادة الخلافة الأبوية بدلا من الديمقراطية!!.. هل رأيتم حجم النعمة التي نعيش في كنفها؟..! فنحن نصارع بين المطرقة والسندان، وليس أمامنا من خيار فالأحزاب الحاكمة من أمامنا، والأحزاب المعارضة «شكلا» من خلفنا.. فأين المفر؟!