غيرت ثورة يوليو 1952 وجه الحياة على أرض مصر فأطاحت باستعمار بغيض ونظام سياسي غارق في الفساد، وتصدت بأهدافها وسياساتها واجراءاتها للاقطاع وهيمنة رأس المال على الحكم وأقامت جيشا مصريا قويا واستقلالا سياسيا واقتصاديا ، وسعت نحو تنمية معتمدة على الذات، دخلت الثورة منذ لحظتها الأولى حروبا عديدة فانتصرت وانهزمت وقاومت وتصدت وكان للثورة امتدادات عربية واسعة النطاق بدعمها لحركات التحرر العربي وانحيازها للقومية العربية ومساندتها للقضية الفلسطينية منذ لحظة قيامها. ومن القضايا المثيرة للجدل دائما قضية العلاقة بين ثورة يوليو والمثقفين، فقد تراوحت هذه العلاقة بين الابتعاد والاقتراب والنفور والالتصاق، ولم تسلم العلاقة في أوقات ملتبسة من الترويض والسجن.. لكل هذا دعا «بيان الأربعاء» الى ندوة ثقافية حول علاقة المثقفين بالثورة شارك في الندوة المفكر الكبير محمود امين العالم والدكتور مصطفى عبدالغني الكاتب الصحفي بالاهرام وصاحب رسالة الدكتوراه عن المثقفين وثورة يوليو والروائي يوسف القعيد والشاعر محمد ابراهيم أبوسنة والشاعر ماجد يوسف رئيس قناة التنوير المصرية. ـ تبدو العلاقة بين المثقفين والثورة علاقة ملتبسة، مليئة بالمفارقات والمفاجآت، هل كان مقدرا على هذه العلاقة منذ البداية أن تكون بهذا الالتباس والتحول والتبدل، ماذا وراء الالتباس في هذه العلاقة وما هي صوره؟ ــ محمود أمين العالم: كان هناك بالفعل التباس في البداية لكنه لم يكن متعلقا بشعارات الثورة ولكنه كان متعلقا بالطابع العسكري لها، فأهداف الثورة وتوجهاتها التي بدأت بها كانت في تقديري حصيلة ما أنتجته الحركة السياسية والثقافية المصرية في الأربعينيات من القرن الماضي، وأنا ارى بشكل عملي أن الثورة كانت امتدادا لما تمخض به الواقع الثقافي والفكري في الأربعينيات وإن كان هذا الامتداد قد اتخذ حلة عسكرية، بل كانت الثورة امتدادا عفويا لبعض الحركات السياسية التي تشتعل بها مصر في الأربعينيات فالاخوان المسلمون كانوا ممثلين في تنظيم الضباط الأحرار وفي مجلس قيادة الثورة، والشيوعيون كانوا في القيادة «خالد محيي الدين ويوسف صديق» وفي القواعد بالعشرات. الثورة إذن لم تكن معزولة عن الحركات السياسية في المجتمع المصري. في الأربعينيات وأيضا كانت الاوضاع مؤهلة للاستيلاء على السلطة، فالسلطة كان صوتها يعوي ويقول: من يأخذني. قبل الثورة كانت هناك أزمة حكم وأزمة ثقة جماهيرية في النظام الذي كان قائما، وكانت السلطة تنتظر من يستولي عليها إلا أن الحركات السياسية كانت عاجزة عن هذا العمل وكانت غير موحدة، الهيئة الوحيدة التي كانت منظمة ومهيأة للقيام بهذا وكانت تعكس في داخلها كل شعارات الأربعينيات بداية من طرد الانجليز والملك والقضاء على الاقطاع.. الخ كانت القوات المسلحة لأنها كانت مسلحة عسكريا وكانت مسلحة بأفكار الأربعينيات.. إذن لم يكن الالتباس في شعارات الثورة وإنما في شكلها العسكري. وأضيف الى هذا أن بعض المظاهر العملية في سلوك الثورة في بداياتها ساهم في هذا الالتباس فمثلا عندما تم توديع الملك فاروق كان على رأس مودعيه السفير الأميركي كافري ثم جاءت النقطة الثانية في اتفاقية الجلاء التي وقعت بين الثورة والانجليز تقول: إنه اذا ما هاجم الاتحاد السوفييتي تركيا يعود الجيش البريطاني الى القناة مرة ثانية.. وكانت هناك اتفاقية تتعلق بمعونات اقتصادية لمصر فأشيع بين القوى التقدمية بشكل عام أن الثورة تستبدل الاستعمار الانجليزي القديم باستعمار أميركي جديد. وكان هذا الالتباس الذي وقع فيه المثقفون بشكل عام في المرحلة الأولى للثورة وإن ثبت خطؤه فيما بعد. وفي تقديري أن حركة الضباط الأحرار كانت ثورة على السلطة وليس مجرد انقلاب عليها وكانت دعوة لتغيير بنيوي للسلطة والمجتمع وكانت مؤهلة لاقامة شكل سلطة جديدة وبالتالي لا تكون أهدافها السياسية والاجتماعية فقط موضع تحقق وإنما أيضا بنية السلطة. الثورة انتهت يوسف القعيد: هناك نقطة أود أن أوضحها منذ البداية وهي أن ثورة يوليو انتهت بوفاة عبدالناصر عام 1970، وقد يفهم خطأ من الاحتفال بالعيد الخمسيني للثورة أنها ما زالت مستمرة حتى الآن، فكلمة «العيد الخمسيني» هي احتفال بثورة انتهت عام 1970 وبعد عام 1970 حدث الهجوم عليها مما مهد لما نحن فيه الآن من تراجعات وتصفيات. وفي قضية العلاقة الملتبسة بين المثقفين وثورة يوليو أريد أن أفرق بين الثورة والدولة التي خرجت من رحم هذه الثورة. ومن ناحية المثقفين فالجميع رحب بالثورة بل ان أول من أطلق عليها كلمة ثورة هو طه حسين، في السنة الأولى للثورة كانت تسمى الحركة المباركة فكتب طه حسين وقال أنا لا أخجل من أن أسميها ثورة لأنها بالفعل ثورة على أوضاع ظالمة وتحمل كل مبررات الثورة، وهذا مثقف كبير تربى في ظل الوضع السابق على ثورة يوليو. ثانيا: قبل قيام الدولة التي خرجت من الثورة كان المثقفون أول من طالب بالتطهير بل كان أولهم في مقال له منشور بمجلة الهلال بعد قيام الثورة هو عباس محمود العقاد وكتب مقالا طويلا يطالب الدولة بالتطهير ويقول أنه لابد أن يتم. الدولة التي خرجت من داخل هذه الثورة حدث التباس بين المثقفين وبينها وهذا الالتباس لم يعبر عنه إلا بعد رحيل جمال عبدالناصر، وسنرى رواية مثل «أولاد حارتنا» لنجيب محفوظ نشرها جمال عبدالناصر ومحمد حسنين هيكل يومية مسلسلة في «الأهرام» قبل أن يتنبه الأزهر. ولم تصادر ككتاب إلا بناء على تقرير كتبه الشيخ محمد الغزالي ونعتبره مثقفا وهو الذي اعترف في ندوة بروزاليوسف قبل أن يموت بسنة بأنه هو صاحب التقرير، وبناء عليه طلب عبدالناصر من نجيب محفوظ أن ينشرها في الخارج ولا ينشرها داخل مصر. أعتقد أنه حدثت واقعة عام 1955 عندما كان الاختيار بين أديب هو توفيق الحكيم ووزير هو اسماعيل القباني. القباني ترك الوزارة لأول ولآخر مرة لأنه أصر على خروج توفيق الحكيم في التطهير وجمال عبدالناصر قال في هذا الاجتماع الشهير: لا يمكن لأديب كتب «يوميات نائب في الأرياف» في ظل الملك أن أأتي أنا وأمشيه في التطهير حتى لو كان بناء على رغبته فاستقال القباني وترك عبدالناصر الاجتماع وبقي توفيق الحكيم وبقي في دار الكتب معززا مكرما. نحن نفرق بين الحكمة بأثر رجعي والمعاصرة، فكل الناس بعد عام 1970 كانت لهم آراء وتخريجات ومعارك وهمية وادانات أخرى لثورة يوليو لكني أعتقد أن ما كتبوه في ظل الثورة نشر ولم يمنع منه شيء ولم يحذف منه شيء. منهج تجريبي ماجد يوسف: سأتوقف قليلا عند مفهوم الالتباس بين الثورة وبين المثقفين، أنا أتصور أن هذا الالتباس ناتج من أن الثورة كانت تمتلك مراوحة في تحديد مفهومها فقد أطلقت على نفسها في البداية اسم الانقلاب ثم الحركة ثم الحركة المباركة ثم الثورة وهذا يؤكد أن هؤلاء الشباب كان لديهم الوازع الوطني الذي تمثل في المبادئ الستة وبالتالي هذا المنهج التجريبي في التعامل مع المنطلقات الوطنية وتحسس الأوجه بحثا عن تحديد أكثر ربما بدا فيما بعد في قوانين يوليو الاشتراكية، هذا التحسس نفسه كان في علاقاتها بالمثقفين بدليل أنها في مرحلة من مراحل حركة الثورة وضعت تقريبا العقل المصري المتقدم في السجون من عام 1959 حتى 1964 وبعد ذلك افرجت عنهم وشاركوا في مؤسساتها وهذا يؤكد مفهوم التحسس. إذن مفهوم عدم الوضوح الفكري أو الثقافي كان ثمة نقص فيه وأعتقد أننا لا يمكن أن نقف ازاء ثورة يوليو وقفة موضوعية دون توضيح مفهوم عدم الوضوح الفكري هذا واذا كانت هناك أسباب وضعت فؤاد حداد ولويس عوض ومحمود أمين العالم وعبدالعظيم أنيس في السجن فلماذا تبوأ هؤلاء جميعا باستثناءات نادرة الدور الصحفية والمؤسسات الفنية والفكرية، بعد سنوات قليلة. إذن الالتباس أتصور أن مرجعه عدم وضوح الرؤية الثقافية أمام هؤلاء الضباط الذين قاموا بالثورة رغم اتضاح رؤيتهم الوطنية، صحيح كانت لهم بعض الكتب النظرية ذات البعد الرومانسي مثل فلسفة الثورة وربما اتضحت الرؤية النظرية بعد التجربة وبعد قوانين يوليو الاشتراكية وهنا شعرت قيادات الثورة أنه لا تناقض بين مفاهيمها وبين أفكار الاشتراكيين الذين وضعتهم في السجون ولهذا أصبحوا جنود المرحلة وقيادات الفكر والثقافة إذن فالالتباس جاء من عدم امتلاك الثورة في البداية لفكر ثقافي ونظرية مما جعلها تتلمس طريقها بين الصدام والوئام الى أن استقرت. ـ هل كان لدى الآخرين نظريات واضحة افتقدتها الثورة؟ ـ ماجد يوسف: كانت هناك في الجانب الآخر رؤى متعددة تتراوح من أقصى اليمين الى أقصى اليسار وكانت هذه الرؤى تجد معادلاتها الحزبية في القوى السياسية والأحزاب قبل الثورة، فالثورة بعد أزمتها الأولى صادرت على التعددية الحزبية ولم تطرح بديلا، ولكنه صارت تنتقل عبر مسميات مثل الاتحاد القومي والاتحاد الاشتراكي بدون تصور حقيقي وشعبي، وهذا ما جعل الانقلاب على الثورة بعد موت عبدالناصر سهلا. يوسف القعيد: أولا أنا لا يمكن أن أدافع عن سجن إنسان أو اعتقال إنسان مهما يكن مختلفا معي أنا ضد هذا لكن الثورة لم تلق القبض على أحد لمجرد أنه مثقف والسجن كان لأناس شاركوا في تنظيمات سرية وتركوا التفكير للأفعال وعندما خرجوا من السجن الى تبوؤ المناصب سبق هذا أنهم وافقوا داخل السجون على حل التنظيمات والأحزاب من تلقاء أنفسهم فأصبح التعسف معهم بعد ذلك غير مبرر وربما يؤخذ على الثورة.. فالجميع كانوا في السجون ويرسلون برقيات تأييد لعبدالناصر لأنه يحقق ما يحلمون به وكانوا أول مساجين في التاريخ يؤيدون من حبسهم. ثانيا: باستثناء الفصول الأولى من رواية «في سبيل الحرية» التي كتبها عبدالناصر، أجرى الأستاذ هيكل مسابقة عليها في مجلة الاذاعة لاكمالها وفاز فيها أحد الكتاب الذين كانوا يهاجمون عبدالناصر بمناسبة وبدون مناسبة وهو الاستاذ عبدالرحمن فهمي وأكملها. باستثناء «يوميات حرب فلسطين» التي كتبها عبدالناصر بخط يده والفصول الأولى من رواية «في سبيل الحرية» جميع وثائق يوليو لم يكتبها عبدالناصر وهذه مسألة معروفة ولا تدينه في أي شيء فمعروف أن القادة والزعماء لديهم مقربون يقولون لهم أفكارهم الأساسية ثم يقوم المقربون بصياغتها فإذا فرض إن كتاب «فلسفة الثورة» به نوع من الرومانسية فمعروف أن أول محاولة لكتابة هذا الكتاب قام بها متطوعا الاستاذ فتحي رضوان وكتب هذا في مذكراته ثم استكمل الكتاب وخرج في شكله الأخير. ماجد يوسف: أنا الآن لست بازاء تجربة ابداعية لشخص ولكن بازاء وثيقة حركت أمة لفترة من الوقت وكانت تنظيرا للسلطة، وسواء كتبها فتحي رضوان أو وافق عليها عبدالناصر هي ممثلة لهذه القيادة ومعبرة عنها وبالتالي حينما أحاكم هذه الوثائق في جلسة كهذه فأنا لا يعنيني ما اذا كان عبدالناصر كتبها أم لا المهم أنه اعتمدها، اعتمدها فكرا ومنهاجا وطريقة للعمل، هذا هو الذي نناقشه ونحن لا نتهم بل نحاول أن نقيم بشيء من الموضوعية ونصل الى أسس الالتباس، فالثورة بدأت بهؤلاء الشباب صغار السن والذين يفيضون حماسا ووطنية، هم بدأوا يتحسسوا طريقهم وبالذات في أوضاع أكثر تخصصا كأوضاع الفكر والثقافة، فمن الطبيعي أن يتحسسوا فيها أيضا. جهاز الدولة محمود أمين العالم: في تقديري أن الموقف السلبي من ثورة يوليو والذي اتخذه اليمين واليسار في بدايتها أدى الى أن الثورة لم تجد إلا جهاز الدولة للدفاع عن نفسها. وأذكر أن لينين قال ذات مرة «اذا قامت ثورة ذات طبيعة مختلفة ولم تسارع الى تحطيم جهاز الدولة القديم لا يلبث هذا الجهاز أن يستولي على الثورة» وهكذا أصبح جهاز الدولة السابق أو البيروقراطية مع تغيير دلالاته هو الذي حكم مسار الثورة في البداية لمواجهة خصومها، ونجحت الثورة بجهاز الدولة وببيروقراطية الدولة أن تواجه كل هؤلاء الخصوم وهذا هو أحد أسباب الالتباس المهمة عند المثقفين عموما إزاء الثورة في سنواتها الأولى، ولكن عندما تبين موقف الثورة المعادي للاستعمار الانجليزي ولاسرائيل وعندما بدأ صدامها مع الاستعمار الاسرائيلي الأميركي والتوجه الى باندونج وعدم الانحياز وتنويع صفقات الأسلحة وبناء السد العالي وتأميم قناة السويس بدأ الخصوم القدامى يدركون حقيقة الثورة القومية والتقدمية والوطنية وبدأوا يغيرون من أفكارهم ومواقفهم القديمة ويؤيدون الثورة فرحبت بهم الثورة ولكنها لم تكن في حاجة اليهم لأن قياداتها كانت قد نضجت. د. مصطفى عبدالغني: عندما قامت ثورة يوليو لم يكن هناك أي التباس بينها وبين المثقفين فكل المثقفين ذهبوا الى رئاسة الجمهورية ووقعوا في سجل هناك بالتأييد مثل عبدالرحمن الرافعي وغيره ومن لم يذهب لم يعترض بشكل مباشر، ومن لم يؤيد صمت مثل عباس محمود العقاد وكانت الفترة من عام «1952 ـ 1954» فترة صراع بين السياسيين القدامى وأعضاء في مجلس قيادة الثورة من ناحية وبين النظام الجديد من ناحية أخرى وبعد ذلك تبلور هذا الصراع فبدأنا نسمع مصطلحات معينة كأن يتكلم محمد نجيب عن الديمقراطية أو بالأحرى يعطي لصراعه مع عبدالناصر مسوحا ديمقراطية أو يلبسه ثوبا ديمقراطيا ولم يكن الصراع من أجل الديمقراطية وإنما من أجل السلطة أما أن تذهب السلطة الى محمد نجيب مؤيدا برموز العهد القديم أو الى عبدالناصر. وأخذت ديمقراطية نجيب شكل المطالبة بعودة الجيش الى السكنات والتف رموز النظام القديم حول محمد نجيب وضد عبدالناصر ومن معه باسم الديمقراطية فكان الصراع سياسيا انتهى بانتصار معسكر عبدالناصر، في هذه الفترة ظهر صراع بين أساتذة الجامعة وبين العسكريين واختلف المثقفون وبخاصة ممن ينتمون الى اليسار مع الثورة وأدى ذلك كله الى قدر من الالتباس فيما بعد حول أهداف الثورة وتوجهاتها ولكن اتضحت الرؤية في الستينيات وخف هذا الالتباس الذي كان سببه الصراع السياسي. في الخمسينيات والستينيات أيضا بدأ الصراع يأخذ شكل أهل الثقة وأهل الخبرة ولكن ليس بشكل مطلق، لأن عبدالناصر كان مثقفا واستعان بالمثقفين لتأكيد القيم الجديدة التي قامت بها الثورة وأخذ الصراع شكلا آخر عندما أصدر عبدالناصر قرارا بحرمان من عملوا بالسياسة قبل الثورة من العمل السياسي لمدة عشر سنوات بعد الثورة، لكن حدث التفاف على القرار فلم تعادي الثورة المثقفين الذين عملوا بالسياسة قبل الثورة مثل طه حسين وابراهيم بيومي مدكور والعقاد، لكن كان المحك الأساسي هو الولاء لأهداف الثورة. في الفترة من 1961 ـ 1962 بدأت حرب اليمن وبدأ صراع كبير جدا ضد الثورة ووجودها مما دفعها للهيمنة على الصحافة والثقافة والمؤسسات وعندما أقدمت الثورة على هذه الخطوة، خطوة تأميم الصحافة وجدوا مثقفين يؤيدونهم تأييدا كبيرا مثل إحسان عبدالقدوس وفتحي غانم فالمثقفون لعبوا دورا كبيرا في تهيئة الاجواء لعبدالناصر حتى يؤمم الصحافة. محمد ابراهيم أبوسنة: أعتقد أن العلاقة بين المثقفين والثورة بدأت بداية حميمة لأن المثقفين بشروا بالثورة من خلال كتاباتهم الرائعة وأنا أتذكر في هذا المقام كتاب «المعذبون في الأرض» لطه حسين ومعظم كتابات الأربعينيات التي كانت تصف الواقع المصري وقضاياه الاجتماعية وأضيف الى ذلك أثر نكبة قيام دولة اسرائيل هذا الجرح الذي أسال كثيرا من الدماء وكثيرا من الحبر وفجر ينابيع حركات أدبية وثقافية وأذكر منها حركة الشعب الحديث كانت وليدة هذه النكبة وانفتاح الوعي العربي على مسارات جديدة خصوصا أن الثقافة هي التي تبنت روح الثورة بمعنى أن الثورة كانت مختمرة في وجدان الادباء والمثقفين وكانوا على استعداد للتعاون والترحيب بالثورة وفعلا هذا ما تم عندما وجدوا في الثورة تحقيقا لآمالهم وأحلامهم ومواجعهم ورؤاهم تكشف ذلك في الرواية وفي الشعر بالتحديد ولا ننسى في هذا المقام قصيدة عبدالرحمن الشرقاوي «من اب مصري الى الرئيس ترومان» وهي قصيدة كانت افتتاحية كبرى لحركة شعرية واسعة بدأت ولم تنته الى الآن. في رأيي أن الالتباس بين المثقفين والثورة مر بمرحلتين، المرحلة الأولى مرحلة الحماس والتأييد من جانب المثقفين للثورة وأهدافها وهذا الاحتضان من المثقفين للثورة كان تعبيرا عما اختمر في عقولهم ونفوسهم وأحلامهم، ولكن اذا نظرنا للثورة كتكوين سياسي قائم على عدد من المتناقضات، فبعضهم كان متشبعا تماما برؤية الاخوان المسلمين للواقع المصري وبعضهم كان متشبعا بالرؤية اليسارية بمعنى أن خالد محيي الدين ويوسف صديق كانا اقرب الى اليسار وكمال الدين حسين وحسين الشافعي أقرب الى الاتجاه الاسلامي في حين أن عبدالناصر أقرب الى الليبرالية ويتسم بفكر مرن ومتنوع وأنه مستجيب لتعديل أفكاره طبقا للتجربة التي يمر بها وهو كقائد محنك استطاع أن يحتوي كل هذه التيارات ولكن كان في النهاية يفكر في اقامة نظام أي الانتقال بالثورة من مرحلة الثورة الى مرحلة السلطة. إذن فالالتباس يأتي أولا من التكوين أي من التناقضات داخل مجلس قيادة الثورة ذاتها وهذا انعكس في بعض الأحداث مثل أحداث مارس فلم يكن النسيج الفكري والسياسي لأعضاء مجلس قيادة الثورة منسجما إلا في اطار القضايا الكبرى مثل نكبة فلسطين وطريقة مواجهتها وكذلك الاستقلال الوطني ولكن بدأ الخلاف حول العدالة الاجتماعية وطريقة تصفية النظام القديم والديمقراطية، هذا سبب من أسباب التباس علاقة الثورة بالمثقفين، وحين بدأت الثورة تتحول من ثورة الى نظام بدأ التفكير في اقامة هيكل ثقافي واختيار مندوب للثورة يكون هو المتحدث الرسمي باسم الثقافة أو باسم الثورة في مجال الثقافة وهو يوسف السباعي ضابط خرج من معطف الثورة ليس بالمعنى التقليدي ولكن أديب أقرب الى طبيعة المثقف أكثر منه قربا الى رجل السياسة ولهذا اختارت الثورة يوسف السباعي ليكون مجسدا لها في الحقل الثقافي واستطاع أن يكون صوتا لا أقول معتدلا وإنما مهادن ورقيق يحاول أن يستكشف الخريطة الثقافية أو يعيد تشكيلها بطريقة تلائم طبيعته هو وليس طبيعة النظام ولا أظن أنه كان ممثلا لثقافة الثورة وإنما للجيب المحافظ في فكر الثورة وذلك قبل أن يأتي ثروت عكاشة الذي يمثل في رايي الفكر الثقافي أو الموقف الثقافي للثورة بما لديه من تطلع للثقافة بشكل حر وانفتاح على الثقافات والآداب والفنون العالمية. محاولة ترويض يأتي بعد ذلك دور المثقفين خارج المؤسسات الثقافية والذين كانوا ينتشرون على مساحة واسعة من الوعي الفكري في مصر، هؤلاء بعضهم دخل تنظيمات سرية، هؤلاء كانوا بحاجة الى تعامل ما أعتقد أن علاقة الثورة بهؤلاء المثقفين كان يحكمها ترويض هؤلاء المثقفين لادخالهم الحظيرة ولكي يتجانسوا وينسجموا مع ما تريده الثورة منهم وأظن أنه في المرحلة التي تحولت فيها الثورة الى سلطة أرادت أن تحول قطاعاً كبيراً من المثقفين الى اداة دعائية لمبادئها ولعمل الدعاية لها حيث أنشأت أجهزة دعاية قوية جدا مثل الاذاعة وهيئة الاستعلامات والصحف وقلصت من الحضور الفعال للمثقفين داخل هذه الأجهزة بحيث أصبح الصوت الفاعل هو الصوت الدعائي وليس الصوت الذي يبرز ارادة المثقفين ورؤيتهم. الصدام إذن بدأ على مستويين: مستوى ترويض بعض العناصر بادخالهم «الحظيرة» من خلال العمل في أجهزة الاعلام وأجهزة الثقافة والبعض الآخر عن طريق الترويض العنيف بادخاله السجون والمعتقلات. إذن نستطيع أن نقول أن الالتباس بين المثقفين وثورة يوليو راجع الى تحول الثورة الى سلطة ومحاولة ترويض المثقفين ثم بعد ذلك الاحتياج لهم بعد أن تكشفت بعض الرؤى ومحاولة الثورة للاستعانة بهم ولكن يظل موقف الثورة من المثقفين موقف الريبة والشك، الابتعاد والاقتراب، الاحتواء والتأييد، وسنكتشف في هذه الفترة التي يبدو أن النظام حسم فيها رأيه نحو الاتجاه الاشتراكي أي في بداية الستينيات كان رموز الثقافة في مصر في الوقت نفسه هم رموز التيار المحافظ وكان هناك عزيز أباظة وصالح جودت بدليل أن المؤسسة الثقافية الرسمية كانت ضد حركات التجديد في الشعر الحديث وفي الأدباء اليساريين بدليل أن هذه الحركات كانت تحارب من قبل لجنة الشعر بالمجلس الأعلى للفنون والآداب حتى الخمسينيات على يد عزيز أباظة لدرجة أن مفكرا ليبراليا كبيرا كتب مذكرة توصي الدولة بعدم نشر الشعر الحديث وهو زكي نجيب محمود لا في الاذاعة ولا في التلفزيون ولا في المجلات الثقافية التابعة لوزارة الثقافة. يوسف القعيد: الذي فعل ذلك مثقفون وليس الدولة، كيف تحمل الدولة مسئولية رأي مثقف وهل كان الشعر الحديث ينشر منذ الخمسينيات في أجهزة الاعلام ومجلات الدولة أم أن الدولة اتخذت موقفا رسميا منه، هذه مسئولية موقف قام به زكي نجيب محمود أو عباس العقاد. أبوسنة: هو صادر عن لجنة الشعر التابعة لمؤسسة ثقافية من مؤسسات الدولة، أنا أتحدث عن التناقضات داخل النظام. ـ قد يكون هذا تناقضا ليس داخل النظام وإنما داخل صفوف المثقفين؟ ماجد يوسف: ماقاله محمد ابراهيم أبوسنة يشير الى شخصيتين كبيرتين مؤثرتين في الثقافة المصرية وهما يوسف السباعي وثروت عكاشة. وأنا أؤكد أن الثورة لم تجعل من أحدى الشخصيتين أميل الى الثقافة المحافظة والاخرى الى الثقافة التجديدية وانما الذي فعل ذلك هو النزوع الشخصي وبتجدد نفس هذا المعيار تعددت الاتجاهات بدليل ان الثقافة المصرية لم تشهد انتعاشة في كل مراحلها كما شهدتها في مرحلة الخمسينيات والستينيات وانا شخصيا لم أتعرف على المسرح المصري منتعشا كما عرفته في هذه الفترة ولم أعرف المدارس النقدية المتعددة والاتجاهات الفلسفية كما عرفتها في تلك الفترة لأن الثورة تركت الاتجاهات تتفاعل وتتحاور. يوسف القعيد: أحب أن أرد على كلمة «الحظيرة» التي جاءت في كلام أبوسنة فأنا متأكد ان كلمة «الحظيرة» و«دخول المثقفين الحظيرة» لم تذكر ولم ترد في أي مرحلة من تاريخ مصر الثقافي الحديث الا اليوم بل وذكرت بالتحديد في عام 1999 واتحدى بل وأراهن اذا كانت هذه الكلمة ذكرت طوال حكم رجال يوليو أنا متأكد أيضا أن كلمة ترويض المثقفين لم ترد اطلاقا الا في حكم السادات، فالمثقفون لم يكونوا بحاجة الى من يروضهم أيام الثورة لأن الثورة كانت تحقق اشياء كثيرة كانوا يريدونها. ويوسف السباعي لم يصبح وزيرا للثقافة الا أيام السادات، طوال حكم جمال عبدالناصر كان مسئولا عن المنظمات الثقافية الأهلية، والصراع الاساسي في الثقافة المصرية كان بين مدرستين: مدرسة محمد عبدالقادر حاتم ومدرسة ثروت عكاشة وانتصر عبدالناصر لثروت عكاشة بدليل أنه تولى وزارة الثقافة مرتين في ظل حكم جمال عبدالناصر. معارك أدبية ـ ينبغي أن نفرق بين عدة أمور: بين أن يكون هناك صراع سياسي يدخله مثقفون وغير مثقفين، ويتحملون تبعاته، وان يكون هناك صراع ثقافي موجود ومستقل. ثانيا أن هذا الصراع الثقافي ينهض في ظل سلطة ثورة يوليو أو غير سلطة ثورة يوليو مثل صراع الاجيال وصراع الاتجاهات والمدارس الثقافية والفنية المختلفة ولكن السؤال هو عن تأثيرات ثورة يوليو بعد أن جاءت الى الحياة الثقافية وموقفها من الثقافة هل كانت ضد الثقافة كثقافة؟ وهل كانت منحازة لثقافة بعينها؟ ـ محمود أمين العالم: أحب أن أوضح أن الثورة حاولت ان ترى الاتجاهات الثقافية كلها وحاولت ان ترى الاتجاهات المتحركة معها ولكن ليس بمعنى الانحياز لاتجاه أو مدرسة بعينها كان ذلك في بداية الثورة على الاقل، فالاتجاهات الكلاسيكية والمحافظة كان يحركها حسين فوزي والعقاد وثروت اباظة بل ونجيب محفوظ أي أن الاتجاه التقليدي كان موجودا على الساحة ويعمل بقوة، ومع الثورة تهيأ المناخ لبروز الاتجاهات الجديدة في الأدب وبدأت المعركة المشهورة مع العقاد وطه حسين حول مفهوم الأدب، وكلكلم تذكرون مقالة طه حسين «يوناني فلا يقرأ» التي كتبها عن الاتجاهات الأدبية والنقدية الجديدة وبدأنا نرد عليه أنا وعبدالعظيم أنيس ولعلكم تذكرون ما كتبه ضدنا العقاد بعنوان «أنا لا أقرؤهما وانما اضبطهما» وكانت هناك ايضا معركة شهيرة بين الدكتور محمد مندور الذي يمثل الاتجاهات الجديدة وبين الدكتور رشاد رشدي وكذلك المعركة التي دارت بين انصار «الفن للفن» ضد انصار «الفن للحياة» ماأحب أن أقوله انه نتيجة لطبيعة الثورة هيأت السلطة الجديدة المناخ لنمو وازدهار وتفاعل التيارات الفكرية والأدبية وانتعش الحوار وانتعشت معه الثقافة وفي قلب هذه الخلافات الاستراتيجية حدثت تغيرات ثقافية بالغة الأهمية في جو من الصراع الذي لابد أن يندرج في اطاره بيان زكي نجيب محمود عن الشعر الجديد والمطالبة بمنعه وكذلك رأى العقاد في المجلس الاعلى للفنون والآداب حول تحويل الشعر الجديد الذي يكتبه صلاح عبدالصبور وأحمد عبدالمعطي حجازي الى لجنة النثر لكن رأي العقاد وبيان زكي نجيب محمود رغم صدورهما عن المجلس الاعلى للفنون والآداب لم يتحولا الى سياسة تتبناها وتنفذها ثورة يوليو فالشعر الجديد أخذ فرصته في النشر كاملة مثل الشعر التقليدي، بل في ظل هذا قامت حركة الشعر الجديد والدفاع عن شعر التفعيلة في مواجهة القصيدة العمودية. اذن فالطابع الوطني العام للثورة ومافجرته من صراعات اجتماعية هيأ المناخ للصراع الثقافي حول الشعر والقصة والرواية والنقد الأدبي والفكر الفلسفي والاجتماعي وحدثت انتعاشة في الموسيقى والغناء والتلحين والمسرح وكان هناك تفكير حول بعض المفاهيم الثقافية وكان لطه حسين رأي ولمحمد مندور رأى مختلف في اطار حوار فكري جاد بل كان في قلب الحكومة نفسها اتجاهات ثقافية متعددة ومختلفة، اتجاه يمثله حاتم واخر يمثل ثروت عكاشة. محمد ابراهيم أبوسنة: اذا ما انتقلنا من فكرة الالتباس والازدواجية الثقافية الى فكرة توجه الثورة تجاه الثقافة فبكل تأكيد: الثورة باعتبارها فعل يقوم على تغيير واقع بأكمله يتمثل في هياكل وشخصيات ونمط وأسلوب حياة، فهي فعل تجديد وتفجير لطاقات جديدة كانت من أكثر العوامل التي أثرت على اتجاه الثقافة المصرية للتحديث والتجديد، وقد ساعدت الثورة بكل تأكيد على تفجر كل التيارات الأدبية والفنية نحو التحديث ونحو الخروج من الاطر التقليدية للبحث عن أشكال وابداعات جديدة وتجاوز المراحل القديمة، وولد جيل أظن اننا ننتمي اليه، جيل من المثقفين ولد من رحم هذه الثورة وفي ساحتها المضيئة، وأنا أعتقد ان الثورة كفعل هي عملية هدم وبناء، هدم للنمط القديم وبناء لتصور يشترك فيه الجميع، ويظل في حالة ديناميكية وجدلية الى ان يستقر، اذن فالثورة كانت وراء حركات التجديد وولادة جيل من الشعراء والأدباء والمفكرين والفنانين والكتاب المسرحيين وولدت حركة تفكير جديدة بفعل حدوث وقيام الثورة، الثورة في مجملها كانت متعاطفة مع الثقافة، باعتبار ان الثقافة أحد ركائز ودعائم هذه الثورة فلم تكن على الاطلاق ضد الثقافة وانما هي ضد التنظيمات السياسية السرية التي تتخذ واجهات ثقافية ضد المثقفين الذين يعملون من خلال تنظيمات سياسية لا ترى. ماجد يوسف: لكن اذا سمحت لي ياأستاذ أبوسنة فكلامك هذا يتناقض مع ماقلته منذ لحظات عن علاقة المثقفين بالثورة. د. مصطفى عبدالغني: أحب فقط ان أضيف أن الثورة لم تقمع ولم تصادر الاعمال الثقافية والفنية التي كانت تنتقدها لا في القصة ولا في الرواية ولا في الشعر ولا في الأعمال المسرحية ولا في الأفلام السينمائية ولا حتى في الكتابات الصحفية فقط كانت تتخذ موقفا من المثقفين الذين يصدرون عن تنظيمات وأحزاب تعتبرها مناوئة لها، ولكن طالما ان النقد يصدر عن مؤسسات الدولة وصحفها، ومسارحها مهما يكن عنيفا كانت ترحب به، بل أقول ان عددا كبيرا جدا من الاعمال المسرحية التي كانت تقدم على مسارح الدولة كانت تنتقد النظام بشدة ولم تكن تصادر أو تقمع ومعظم مسرحيات نعمان عاشور وميخائيل رومان وسعد وهبة كانت تنتقد النظام ومعروفة طبعا قصة فيلم «شيء من الخوف» لثروت اباظة وتلميحاتها بل ان الشرقاوي هاجم الدولة بقسوة في مسرحية «الفتى مهران» ونجيب محفوظ هاجم النظام بشكل مخيف في «أولاد حارتنا» وفتحي غانم نفسه وأحمد بهاء الدين، وكانت الثورة تعتبر أن هذا النقد ليس معاديا لها بل انه في صالحها ولم تكن تنظر اليه بشكل عدائي لأنها كانت ترى أن هناك عدوا خارجيا أهم وأخطر ولابد من التكاتف لصده. يوسف القعيد: أحب أن أذكر واقعتين محددتين تعكسان علاقة الثورة بالثقافة، ففي نهاية الخمسينيات عندما خلا منصب ممثل مصر الدائم في اليونسكو وكان على جمال عبدالناصر أن يختار ممثلا بديلا فاختار توفيق الحكيم، وكانت تعليمات عبدالناصر التي صدرت لتوفيق الحكيم ان يستعين بموظفي السفارة المصرية في باريس ويجعلهم يقومون بالعمل، على أن يتفرغ هو أي الحكيم لرؤية باريس لعله يكتب شيئا يكمل به ماكتبه في الثلاثينيات عندما كان في باريس وكتب «عصفور من الشرق». الواقعة الثانية في اثناء فترة الوحدة مع سوريا كان نزار قباني ملحقا ثقافيا في الصين وارسل يشكو لمحمد حسنين هيكل من المنفى الذي يعيش فيه، فأرسل عبدالناصر وأحضره من الصين واختار له اسبانيا وقال له حاول ان تبحث عن الاندلس ولا تعمل في العمل الذي أنت ذاهب اليه فعملك الاساسي في اسبانيا هو البحث عن الأندلس. من هاتين الواقعتين أقول انه كان على رأس هذا النظام رجل، قولوا ماتشاءون في دكتاتوريته لكنه كان رجلا يعرف القيمة الحقيقية للثقافة والمثقفين ويحترم المثقف لانه مثقف فقط. ـ هل كان الأمر يخص عبدالناصر أم انه كان توجه نظام ومنهج عمل؟ ـ القعيد: الخطأ والخطيئة ان هذا لم يكن في كل الأحوال نظام عمل، كانت هناك بؤر في النظام كثيرة جدا وممارسات تعمل ضد منهج عبدالناصر، ومع ذلك كان عندما يعتقل مثقف يقولون لك عبدالناصر هو الذي اعتقله وهذا غير صحيح، فمثلا عندما كان الدكتور عبدالقادر حاتم مع احترامنا له هو وزير ثقافة واعلام عبدالناصر وهما طرف نقيض، كانت هناك بؤر صديدية في جسم النظام انتجت مثل هذه التصرفات الفردية وأعتقد أن اسماء مثل عزيز اباظة وعباس العقاد وثروت اباظة ويوسف السباعي وعبدالقادر حاتم لم يكونوا يعبرون عن جوهر النظام وجوهر الثورة في مواقفهم الثقافية، كانوا يحملون اجتهادات شخصية تختلف عن رؤية عبدالناصر اختلافا جذريا وجوهريا. صراع داخل النظام ـ عندما جاءت الثورة كان محمد عبدالوهاب وكانت أم كلثوم والسنباطي موجودين في الموسيقى ولكن الثورة صنعت عبدالحليم حافظ والموجي وكمال الطويل وبليغ حمدي وغيرهم هل حدث نفس الأمر في الأدب؟ وهل كان المثقفون على وعي كامل بالصراع السياسي الموجود في المجتمع وفي النظام أم أن المثقفين كانوا أدوات في هذا الصراع؟ ـ محمود أمين العالم: كان لدى المثقفين وعي كامل بالصراع داخل النظام، وقد ظهر ذلك في مواقف ومناسبات عديدة منها مؤتمر القوى الوطنية عام 1961 لعمل الميثاق ونتيجة لحوار جاد بين عبدالناصر والمثقفين وعلى رأسهم خالد محمد خالد تم الغاء نص الميثاق وتغييره وبعد ان خرجت من السجن بعد المصالحة بين الثورة واليسار كانت حرب اليمن قد بدأت وكانت القوى الرجعية تنتقد دور مصر القومي في مساندة الثورة اليمنية وكانت هناك مسرحية اختلفت معها كثيرا وهي مسرحية «الفتى مهران» لعبدالرحمن الشرقاوي كانت تعرض في ذلك الوقت وكان الجيش المصري في اليمن، وكان الشرقاوي في هذه المسرحية يدافع عن السلام ولكن عن السلام المطلق، ويقول البطل في أحد مشاهد المسرحية «أعد جندك من البلاد المجهولة» تلميحا الى الجيش المصري الذي ذهب الى اليمن، ثم دعوة مطلقة عن السلام، واثناء عرض المسرحية كتبت مقالة عنها كانت المقالة تحيى في بدايتها انتقادات المسرحية للأوضاع غير الديمقراطية في السلطة وتحمد لها دعوتها الى السلام العام، لكنني قلت ان المسرحية تغمز وتلمز للجيش المصري في اليمن الذي ذهب الى هناك بناء على دعوة الانقلاب الثوري في اليمن لمساندته ضد القوى الرجعية اليمنية والعربية والاستعمار الغربي وكان الانقلاب قد طلب العون من عبدالناصر فلبى الطلب، وكانت القوى الرجعية الداخلية في مصر تهلل ضد موقف عبدالناصر فقلت ان مناسبة عرض المسرحية غير ملائمة لان القوى الرجعية استقبلتها بالتهليل. وعندما حدثت هزيمة 1967 لم تحدث الهزيمة نتيجة اجراءات الثورة، وانما بسبب صراعات السلطة وبعد الهزيمة بـ 4 شهور وقعت حرب الاستنزاف وارتبطت هذه الحرب بموجة عارمة من الاشعار والمسرحيات والتمثيليات والفكر الذي ساند هذه الحرب كما ارتبطت الحرب أيضا بسقوط جناح داخل السلطة كان السبب فيها وارتبط هذا بوعي كامل لدي المثقفين بهذه الصراعات كما ارتبط بمواقف واعمال ابداعية عبرت عن هذا الوعي: محمد ابراهيم أبوسنة: ردا على السؤال الجميل المطروح هل كان المثقفون يعون ما بداخل النظام من صراعات؟ لو رجعنا للوثائق الأدبية وأنا هنا كشاعر أتصور أن قراءة الشعر في الستينيات وعلى الأقل أنا في جزء من شعري كان هناك تعاطف مع الانجازات التي أقامتها الثورة، وأنا كتبت قصائد في عبدالناصر وعن السد العالي، لكن اذا تأملنا الحركة الشعرية في نهاية الخمسينيات وطوال الستينيات نجد أن هناك جزءا طافحا بالاحزان التي تعبر عن افتقاد الشعراء للحرية، لأن الخوف الداخلي من بطش السلطة المخابراتية كان قائما بقوة ويمثل ضغطا، وأنا شخصيا احسست طوال الستينيات ان هاجس الاعتقال وهاجس مصادرة الحرية قائم في كل لحظة رغم انني لم أدخل السجن ولكن لي تجارب مع بعض الاعمال التي منعت وكان لي قصيدة اسمها «الصرخة والخوف» نشرت في الاهرام في الطبعة الأولى ورفعت في الطبعة الثانية، وكانت رواية نجيب محفوظ «ثرثرة فوق النيل» تحت الصفحة لكن قصيدتي التي راجعتها مع الدكتور لويس عوض منعت من الطبعة الثانية ووضع مكانها مقالة للدكتورة بنت الشاطئ، وكانت القصائد التي نكتبها طوال الستينيات تنطوي على هاجس الخوف من الاعتقال. يوسف القعيد: تذكر انه في الفترة نفسها كانت تنشر «ثرثرة فوق النيل». لنجيب محفوظ واظن ان هذه الرواية تعتبر أكبر هجائية لحكم عبدالناصر ونشرت في زمنه ولم يعتقل نجيب محفوظ. ماجد يوسف: قبل ان نغادر هذه النقطة، أذكر انني كنت اقوم الاسبوع الماضي بعمل برنامج تلفزيوني عن مسرحيات الستينيات وكنا ندعو الناس الذين قاموا بهذه الاعمال ومنهم سعد اردش المخرج الشهير في الستينيات، فروى لنا سعد أردش واقعة محددة، وهي انهم عندما كانوا يقومون بعرض مسرحية سعد الدين وهبة «سكة السلامة» بلغ الى مسامع عبدالناصر من خلال الاجهزة ان هذا عرض مسئ للثورة وانه يغمز ويلمز فيه شخصيا فطلب عبدالناصر تصوير العرض لرؤيته وكانت هذه هي أول مرة يطلب تصوير عرض مسرحي ليشاهده، وذهب العمل اليه وجلس يشاهده من أوله الى اخره وبعد نهاية العرض قال عبدالناصر «مين اللي كذا.. اللي قال ان ده عرض مسيئ للنظام» تعرض المسرحية. ـ بل أنت لك «الكلام موجه إلى الشاعر محمد إبراهيم أبو سنة» قصائد كثيرة جدا نشرت في الستينيات وكلها تنتقد النظام بقسوة مثل «نحن غزاة مدينتنا» وغيرها. ــ يوسف القعيد: حد جه ناحيتك. أبوسنة: محدش جه ناحيتي لأني لم أكن ضمن تنظيم والحمد لله. القعيد: الحمدلله.. «أمال» كنت خايفاً من أيه؟ ومع ذلك فهناك واقعة جديدة في هذا السياق أحب أن أذكرها مع انني مع المؤمنين بـ «أذكروا محاسن موتاكم» ولكني أحب أن أذكرها وهي تخص المرحوم ثروت اباظة وفيلم «شيء من الخوف» الذي تردد بعد ذلك ومنه شخصيا انه كان ينتقد النظام وعبدالناصر، وفسر البعض ان ثروت اباظة كان يقصد بشخصية عتريس في الفيلم عبدالناصر وبشخصية فؤادة مصر ليقول في النهاية «زواج عتريس من فؤادة باطل» والواقعة أن المرحوم ثروت اباظة عندما كتب تقرير عن الفيلم لعبدالناصر ان هذا الفيلم الذي يصور بأموال الشعب يهاجمه، ذهب المرحوم ثروت اباظة وكتب بخط يده «أقسم بالله العظيم ثلاثة أنني أقصد بزواج عتريس من فؤادة باطل الاستعمار الصهيوني الذي احتل فلسطين» والوثيقة مع الاستاذ عبدالمجيد أبوزيد الذي كان مستشارا سياسيا للدكتور ثروت عكاشة في ذلك الوقت ومازال حيا يرزق. كتب هذا ثروت اباظة ووقع على الوثيقة بخط يده أقول هذا حتى تنتهي أسطورة «شيء من الخوف». مصطفى عبد الغني: المنهج العام الذي سارت عليه الثورة بغض النظر عن استثناء هنا أو هناك هو دع الجميع يتكلمون ودع الجميع يبدعون ودع الجميع يفكرون ودع الجميع يقولون طالما أن ما يقولونه يصدر من داخل البيت، وليس من داخل تنظيم سري ضد الدولة، كانت النقطة الشديدة الحساسية عند الدولة هي مهاجمتها من تنظيم آخر خارج تنظيمات الدولة. أما المشهد الثقافي فكان يضم مختلف الوان الطيف الفكري والفني وكافة الإتجاهات حتى لو هاجمت النظام، والدولة عملت بهذا المنهج على تهيئة مناخ ثقافي تفاعلت فيه كل الإتجاهات الفكرية والفنية والفلسفية وتمت حوارات جادة، فعبد الناصر كان مثقفا كبيرا وكان مطلعا وقارئا جيدا للأدب والفسلفة وهيكل كان مثقفا كبيرا وكان مطلعا على أحدث الإتجاهات الفكرية، وعبد الناصر كان يقرأ الكتاب ويناقشه بطريقة أرقى من طريقة كتابته حتى الشيوعيون قال لهم عبد الناصر ليس بيننا خلاف في الحوار الوطني ولكن الخلاف في الحوار الفكري. أعظم الابداعات ـ نحن لا نتكلم عن فترة ليبرالية ولكن عن فترة استثنائية خاضت فيها الثورة معارك ضارية واجهت أعداء شرسين داخلين وخارجين، في ظل هذا المناخ وفي ظل هذه المعطيات هل كان القهر هو الذي يحكم عملية الإبداع في مصر؟ ــ القعيد: أعظم إبداعات صلاح عبد الصبور وأحمد عبد المعطي حجازي قيلت في الستينيات وأعظم إبداع نجيب محفوظ الروائي كتب ونشر في الستينيات، وأعظم كتابات يوسف إدريس في القصة وأعظم كتابات الفريد فرج المسرحية وأعظم ما كتبه لويس عوض بل أعظم ما كتبه في نقد المؤسسة الثقافية الرسمية كل ذلك كتب في الستينيات وهذه مجرد أمثلة. ماجد يوسف: أليس جديرا بالتأمل أن نرصد هذه النهضة المسرحية الكبرى في الستينيات إذا أخذنا في اعتبارنا أنها لم تكن لتصبح نهضة لولا أنها تعبر عن صراعات سواء فنية أو تعكس صراعات موجودة في الواقع من لطفي الخولي لنعمان عاشور لألفريد فرج لميخائيل رومان لمحمود دياب ليوسف إدريس، ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن تنتعش هذه الحركة المسرحية القائمة على الصراع والتعدد في ظل واحدية من أي نوع لأن فكرة الواحدية تتناقض مع حراك فني أو مسرحي بينما في هذه المرحلة التي يقال فيها بالتعددية ماتت الحركة المسرحية، كيف لنا أن نتأمل هذا الظاهرة التي كان يواكبها في الوقت نفسه إنتعاشة الغناء المصري كلاما ولحنا، ولنا أن نتأمل حال الغناء الآن، وإنتعاشة الأدب والنقد والشعر والتجديد في شتى المناحي وإزدهار المدارس النقدية. هذا الحراك والإنتعاش الثقافي هل من الممكن أن يكون أبنا لأي قهر ثقافي أو غير ثقافي أو من أي نوع أعتقد أن هذا غير صحيح. محمد إبراهيم أبوسنة: هذه الثورة ما كان لها أن تقوم أو تتلقى القبول من الشعب إلا إذا احتضنت آمال هذا الشعب وبالتالي فإن هذا الإزدهار الثقافي الذي حدث في الستينيات هو نتيجة الزخم الثوري، وهذا التطلع الثوري وبناء عالم يتجاوب ويتناغم مع تطلعات هذه الثورة في إقامة حركة ثقافية قوية وإقامة دولة عصرية حديثة ومن هنا فتحت كل الأبواب لكي تبدع المواهب في كل المجالات ولكن المشكلة أن هذا الإزدهار الثقافي الذي هو تعبير عن فكر الثورة في جوهرها الأصيل كان 90% منه إدانه للواقع الذي كان قائما في الستينيات بمعنى أن غياب الحرية كان هاجس جميع المثقفين، وكان يملي علي الكتاب معظم أعمالهم، الثورة اعتمدت على إنشاء جهاز اعلامي ضخم كفاها أن تتعرض للمثقفين بمعنى أنها فصلت الثقافة عن الاعلام وأغدقت ماديا على جهاز الاعلام أكثر من أغداقها على الثقافة لأنها كانت بحاجة إلى الاعلام لتوطيد أركانها وترك المثقفين في هذا الحالة التي تبدو وكأنها نوع من الحرية، لأن الدولة كانت مطمئنة إلى أنها تسيطر على الوعي العام من خلال أجهزة إعلام كاسحة بدليل أن أسطورة الواقع السياسي المصري التي صدمتنا عام 1967 كانت بسبب تضخم دور أجهزة الاعلام على حساب أجهزة الثقافة التي لم يكن لها نفس الحضور ونفس التأثير. ماجد يوسف: بالنسبة لنقطة افتقاد الحرية وانتقاد الواقع. أليس كل أدب إنساني عظيم شرقا وغربا تعثر في جوهره على هذا الافتقاد للحرية والإنتقاد للواقع إلا لو وصل الكاتب والمبدع إلى الرضاء التام وفي هذه الحالة لن يكتب أصلا، بمعنى أن افتقاد الحرية هاجس حتى في المجتمعات الغربية والليبرالية بتنويعات مختلفة، هذا هو جوهر الأدب من حيث هو مستحق لهذا الاسم، أما إنتقاد الواقع فكل هذه الأعمال الأدبية التي كانت تنتقد الواقع وبصيغ فنية ولم يصادرها أحد ألا يحسب هذا لثورة يوليو. وأحب أن أضيف أننا في مرحلة أخرى كان يمنع انتقاد الواقع وفي فترة قريبة جدا صودرت رواية «وليمة لأعشاب البحر» وصودرت الروايات الثلاثة وفصل رئيس هيئة عامة من منصبة إذن أنا أرى أن إنتقاد الواقع قيمة إيجابية تحسب لثورة يوليو وليست ضدها. القعيد: كان هناك مناخ أفضل بكثير مما أتى بعد ذلك لأنه على الأقل لم تتم حملات منظمة ضد شخصية المثقف إلا بعد عام 1975 وكان رئيس الدولة يشتم المثقفين ليل نهار ويكره الناس فيهم حتى أصبحت صورتهم مهتزه عند الناس منذ ذلك الوقت، صورة المثقف في الستينيات كانت مقبولة عند الناس ولم تكن هناك خصومة من الدولة ضد المثقفين بعد ذلك أصبحت هناك خصومة رهيبة، واصبح المثقف يشتم ويسب يوميا. أما فكرة الاهتمام بالاعلام على حساب الثقافة في الستينيات فإختلف معها تماما، ربما يكون صوت الاعلام أعلى لكني أعتقد أن المسارح لم تكن تشكو كما تشكو اليوم من قلة الميزانيات وقلة الجمهور، ودور النشر لم تكن تشكو من قلة الميزانيات والإنتاج السينمائي لو أردت أن تتكلم اليوم عن أهم عشرة أفلام خالدة في تاريخ السينما المصرية ستجد أن سبعة منهم على الأقل تم إنتاجها في الستينيات بأموال الدولة المصرية وليس بأموال القطاع الخاص مثلا «الأرض» إنتاج القطاع العام و«مراتي مدير عام» و«بداية ونهاية» و«الزوجة الثانية» و«الشوارع الخلفية» وغيرها. تأتي بعد ذلك فكرة أكاديمية الفنون وإنشاء معاهد أكاديمية للسينما والمسرح وقطاع النشر والفنون الشعبية والثقافة الجماهيرية كل هذه المؤسسات تأسست في الستينيات. أبو سنة: أنا أعتقد أن فكر الثورة هو فكر مناصر للثقافة إلى أبعد الحدود ولكن هذا الفكر لم يكن يمثله داخل منظومة النظام السياسي سوى الرئيس جمال عبد الناصر وحده، بينما كانت كل الأجهزة المقارنة في صراع وإشتباك وتناقض حال أن يكون هناك تناغم يعبر عن فكر الثورة الحقيقي الذي كان يمثله جمال عبد الناصر. لا شمولية ـ كثيرا ما يوجه إلى الستينيات إتهامات بافتقاد الحرية وأن النظام كان شموليا وكان يحاول ترويض المثقفين ومع ذلك عندما ننظر إلى الستينيات نرى فيضانا جارفا من الأبداع الفكري والفني والأدبي، كيف يستقيم هذا الأمر مع الشمولية وبعد 30 عاما من مرحلة الستينيات ومع مناخ يفترض أنه أكثر ليبرالية وتعددية وحرية نجد الواقع الثقافي الآن في حالة تراجع إن لم يكن في حالة إنهيار؟ ــ محمود أمين العالم: أنا رأيي أن نظام ثورة يوليو لم يكن نظاما شموليا وإنما كان نظاما سلطويا وهناك فرق كبير بين الاثنين فالنظام كان سلطويا يقوم على السلطة المركزية ولكن لم يكن يسعى إلى تنميط المجتمع كما تفعل النظم الشمولية أوتحدد ماذا يأكل وماذا يشرب وماذا يلبس وماذا يقرأ.. الخ، كانت السلطة قد جاءت من العسكريين لكنها لم تسع إلى عسكرة المجتمع في أي شيء لا في ملبسه ولا في مسكنه ولا في فكرة ولا في أدبه ولا في تعليمه ولا في موسيقاه، فالشمولية هي التي تفعل ذلك وقد فعلته في النازية أما سلطة 23 يوليو فلم تكن شمولية ومن هنا يأتي ازدهار الأدب والثقافة والفكر فضلا عن أنها كانت سلطة لها مشروع وطني كبير التف المثقفون حوله، وعبر عن كثير من أحلامهم وأشواقهم وبخصوص التعددية وأحب أن أضيف أن عبد الناصر قبل أن يموت أرسل 40 شخصية من المثقفين أنا منهم إلى العديد من دول العالم وقد ذهبت أنا وضياء الدين داود إلى الإتحاد السوفييتي وكان يفكر بجدية في اعداد كوادر جديدة في الفكر والعمل وكان هناك إعداد لتغيير الميثاق وإستعداد لتكوين 3 أحزاب والمزيد من التغيير الديمقراطي تأكيدا لكلمة عبد الناصر «الشعب يريد وأنا أريد» لكن هذا كله انكسر بعد رحيل عبد الناصر وحدثت ثورة مضادة وإنقلاب على فكرة ومبادئه وانجازاته. محمد إبراهيم أبو سنة: أعتقد أنه كان هناك مشروع قومي ووطني وإنساني جاءت به ثورة 23 يوليو وكان يطرح مبادئ وتصورات وأفكار وشخصيات وأعمال وفي هذا الإطار أو في إطار هذا المشروع جاءت الإزدهار الثقافي فالدولة في الستينيات كانت تسيطر على جميع المؤسسات وبالتالي كانت توجه جم