بيان الاربعاء: تحتل أسواق المال مركزًا حيويًا في النظم الاقتصادية الحديثة لدورها في تجميع رؤوس الأموال بهدف تمويل عمليات التنمية، بل تعتبر هذه الأسواق انعكاسًا للنظم المالية والاقتصادية للدولة ويمكنها أن تؤثر على التنمية الاقتصادية عبر تعبئة المدخرات الكافية، والتوزيع الكفء لها على الاستثمارات المختلفة، مما يتطلب وجود سياسات قومية تشجع على الادخار والاستثمار وتجذب رؤوس الأموال للمشاركة في عمليات التنمية المنشودة. ويتناول هذا التقرير تحليلاً لأسواق المال في دول مجلس التعاون الخليجي تاريخها، وأهم سماتها، والتحديات التي تواجهها داخليًا وخارجيًا، وجهود دول مجلس التعاون لإصلاح هذه الأسواق. مرت الأسواق والبورصات الخليجية بمراحل تطور كثيرة، حيث بدأت منذ سنوات طويلة في بعض الدول وبدت حديثة النشأة في دول أخرى. ففي الكويت، مرت السوق المالية بمرحلتين مهمتين، حيث بدأت المرحلة الأولى في مايو 1952، عندما تم تأسيس أول شركة مساهمة للاكتتاب العام وهي بنك الكويت الوطني، ثم بدأ عدد الشركات في التزايد إلى أن صدر قانون عام 1960 ليلعب دوراً أساسياً في تنظيم التعامل في الأوراق المالية الخاصة بالشركات المؤسسة في الخارج، وتلاه قانون آخر عام 1970 لتنظيم تداول الأوراق المالية للشركات المساهمة الكويتية، ثم تم افتتاح أول مقر رسمي للتداول عام 1977، وبعد ذلك مرت السوق بفترة من الأزمات المالية فيما سُمي «بأزمة المناخ» بما أدى إلى انهيار أسعار معظم الأسهم. ثم بدأت المرحلة الثانية منذ صدور المرسوم الأميري لتنظيم السوق العام 1982، والذي ما زال معمولاً به حتى الآن، كما تم إنشاء لجنة الأوراق المالية كجهة مستقلة لإعادة تنظيم السوق، كما تم تنشيط شروط إدراج الوسطاء ومعاونيهم، كما بدأ التداول الرسمي عام 1984 وبلغ عدد الشركات المدرجة بالسوق 54 شركة مقابل 34 شركة بالسوق غير الرسمية. وفي عام 1996، صدر مرسوم بقانون لتنظيم الأوراق المالية وإنشاء صناديق الاستثمار وتنظيم عمليات التداول والسماح لمواطني دول مجلس التعاون بتأسيس الشركات المساهمة، أما عن السماح لغير المواطنين بتملك الأسهم فقد نظم السوق ذلك بداية من مايو عام 2000. وتأتي السوق الكويتية في المرتبة الثالثة من حيث قيمة التداول، والتي بلغت 4 مليارات دولار عام 2000 بعد السوق السعودية «17 مليار دولار»، والسوق المصرية بأهمية نسبية 11.5%، وتأتي في المرتبة الثالثة أيضًا من حيث القيمة الرأسمالية للأسهم المتداولة بقيمة 19.7 مليار دولار. وبالنسبة لسوق مسقط للأوراق المالية، فقد تم التعامل الفعلي فيه أوائل السبعينيات، حيث طرحت شركة عمان للفنادق للاكتتاب العام وفي تلك الفترة كان التعامل محدودًا، مما أدى إلى سيطرة الوسطاء على الأسعار في ظل عدم توافر المعلومات وعدم وجود سوق منظمة لتداول الأوراق المالية، إلى أن بدأ التعامل الرسمي في سوق مسقط عام 1989 كخطوة مهمة لحماية المستثمرين، وظلت السوق بمثابة الجهة التشريعية والرقابية والتنفيذية بالإضافة إلى إشرافها الكامل على التسوية والمقاصة والتداول. ومع ارتفاع عدد الشركات المساهمة العامة بالسوق الثانوي إلى 178 شركة بنهاية عام 1997 بقيمة سوقية 3338 مليون ريال وارتفاع نسبة مساهمة الأجانب إلى 14.7% في العام نفسه ظهرت الحاجة إلى إنشاء سوق محلية، وعقب إنشاء السوق حدثت طفرة به عام 1997، حيث تضاعفت أحجام التداول وأعداد المساهمين، وبلغ متوسط حجم التداول اليومي 1.6 مليار ريال عماني بنسبة 5.5%، وقفز المؤشر العام من «851 نقطة عام 1996 إلى 480 نقطة عام 1997» وارتفع عدد المستثمرين بشكل واضح. وإزاء ارتباك الأسواق بسبب صعوبة تولي السوق للعمليات التشريعية والتنفيذية والرقابية وأعمال الوساطة صدر في عام 1998 قانون رأس المال لتنظيم عمليات التداول، وتم على أثره إعادة هيكلة السوق، والذي أصبح يتكون من الهيئة العامة لسوق المال والذي أُنيط بها تطوير القوانين والتشريعات التي تكفل المسيرة الصحيحة للسوق، وسوق مسقط للأوراق المالية لتسجيل وتداول الأسهم، بالإضافة إلى شركة مسقط للإيداع والتسجيل. أما في قطر، فقد أنشأت سوق الدوحة للأوراق المالية لدفع عجلة نمو الاقتصاد وتنويع مصادر الدخل بخلاف النفط والغاز، ودعم عمليات الاستثمار الصناعي من خلال تشجيع إنشاء شركات مساهمة صناعية، حيث يوفر سوق المال التمويل الملائم طويل الأجل، وهو ما لا يتاح من خلال البنوك. ولهذا قامت الدولة بتشجيع مشروعات قطاع الاستثمار الأجنبي لبناء مشروعات صناعية بلغت نسبة ملكية الأجانب في بعضها نسبة 100%، كما ارتفع حجم الاستثمارات المباشرة بالدولة إلى أكثر من 25مليار ريال قطري، وساعد هذا التوجه على إنشاء كيانات صناعية ناجحة، وخاصة في قطاع البتروكيماويات. وسيبدأ نظام التداول في السوق القطري إلكترونيًا في غضون أشهر قليلة، وسيتم أيضًا التعامل في بعض السندات الحكومية. سمات أسواق المال الخليجية تعد أسواق المال جزءًا بارزًا من القطاع الاقتصادي في الدولة، وتتباين الدول الخليجية في سمات أسواق المال الموجودة بها، من حيث الحجم والعمر وسعة النشاط، وكذلك في نتائج ما تسفر عنه بورصاتها..ولكنها تتشابه في عدد من الأوجه، لعل من أهمها ما يلي: ـ أن الأسواق المالية الخليجية حديثة النشأة، حيث بدأت عملية التداول بالأسهم بصورة منتظمة بعد الطفرة النفطية مباشرة، أما أسواق الأسهم المنتظمة والتي يتم فيها تداول الأسهم وفق أطر تنظيمية وتشريعية ومؤسسية واضحة فقد تأخر إنشاؤها إلى النصف الأول من الثمانينيات. ـ صغر حجم الأسواق المالية الخليجية لقلة عدد الأدوات الاستثمارية المتاحة، وقلة عدد الشركات المدرجة والمتداول أسهمها في هذه الأسواق، فضلاً عن قلة عدد الأوراق المالية المتاحة للتداول، مما يفقد هذه الأسواق عنصر المنافسة مع الأسواق المالية الخارجية رغم توافر فرص استثمارية مميزة بها. ـ ضعف نشاط السوق الأولية وبروز ظاهرة المضاربة السلبية والضارة بأسواق المال وعدم الإفصاح والشفافية، وعدم استخدام معايير المحاسبة الدولية من جانب معظم الأسواق المالية والشركات، وقصور الأطر التنظيمية والتشريعية والبنية الهيكلية المغلفة للكثير من وحدات وفعاليات النشاط الاقتصادي. ـ هيمنة الشركات العائلية على أكثر من 95% من نشاط القطاع الخاص الخليجي برمته، وبالتبعية هيمنتها على أسواق المال، حيث تشير الإحصائيات إلى أن عدد الشركات العائلية المسجلة يقدر بحوالي 450 ألف شركة في السعودية، و110 شركات في الكويت، و29 ألف شركة في البحرين، في حين لا يزيد عدد شركات المساهمة العامة في الدول الثلاث السابقة على 200 شركة. ـ تذبذب أسعار الأسهم المتداولة بسبب اعتماد الدول الخليجية الست في مصادر دخلها على النفط ذي الأسعار العالمية المتذبذبة، فارتبطت قطاعات الدول الخليجية بالنفط، وانعكس ذلك على شكل العمل في أسواق المال، حيث كانت أعمال البيع والشراء دون عمليات الاستثمار طويلة الأجل، فكان لعنصر المضاربة دوره الأساسي على حساب عنصر الاستثمار المالي متوسط وطويل الأجل. ـ ترتيبًا على العنصر السابق، اتسمت الأسواق الخليجية بنقص السيولة في أحيان كثيرة مع ضخ الحكومات والكثير من المواطنين الأثرياء جانبًا كبيرًا من استثماراتهم إلى الغرب، خاصة الأسواق الأميركية «حيث تقدر الاستثمارات الخليجية في الخارج بحوالي 700 مليار وتريليون دولار أميركي». ـ ضعف الأسواق المالية، حيث قدر رأس المال الكلي لأسواق الأوراق المالية في دول مجلس التعاون الخليج بنحو 23 مليار دولار لعام 1995، وبلغت حصة المملكة العربية السعودية منها «51%»، وكنسبة من الناتج المحلي الإجمالي بلغ رأسمال السوق للدول الخليجية الست 31% لعام 1995، مقارنة ب50% للدول النامية الأخرى، و10% للدول المتقدمة، كما لا يزال عدد المستثمرين النشطين في الخليج كنسبة مئوية من السوق الكلي للسكان الراشدين يعد قليلاً إذ يقل عن 5% مقارنة بنحو 20 إلى 30% في الدول المتقدمة. وتفتقر الأسواق المالية الخليجية إلى الحكمة في إدارتها، حيث يقل العدد الكلي للأسهم المتبادلة في المنطقة قليلاً، مقارنة بمجموع الأسهم الكلية المسجلة. ومعظم الأسهم التي تمتلكها الحكومة والمؤسسات الأجنبية لا يتم تداولها في السوق، مما يعني أن حوالي 45% من الأسهم الكلية المتداولة متاحة للتبادل التجاري. هيمنة أسهم البنوك والشركات الصناعية على معظم بورصات الخليج رغم أن الحكومات تمتلك الشركات الكبرى في المنطقة. عدد الشركات المدرجة أوراقها في الأسواق الخليجية قليل بالمقارنة بإيرادات هذه الدول ونواتجها المحلية، مما يعني أن هناك جانبًا كبيرًا من التعامل ما زال يتم في أسواق غير منظمة. التدخل غير المباشر من قبل الأجهزة التنفيذية في عمل الشركات المساهمة، مما أفقد هذه الشركات القدرة على الاستقلالية والمنافسة في السوق، وسبب لها الارتباك في العمل وأفقدها عنصر المبادرة والمنافسة في السوق. ويقتصر التعامل في بورصات المنطقة إلى حد كبير على مواطني الدول الست، في حين يسمح للأجانب المقيمين بالاستثمار فقط في صناديق الاستثمار. حساسية الأسواق المالية للأحداث السياسية، وهو ما يعني تسييس العمل الاقتصادي والذي أوكل للدولة دوراً شموليًا في مختلف الأعمال الاقتصادية نتيجة لتبعات الاقتصاد النفطي، حيث أصبحت الأسواق المالية في المنطقة معرضة للتأثر بالقرارات السياسية أكثر من بقية الأسواق المالية العالمية. وقد تأكد ارتباط الأسواق المالية بالنفط تأكد عند تأثرها باندلاع الحرب العراقية-الإيرانية واحتراق آبار بترول الدولتين، وكذلك أثر العدوان العراقي على دولة الكويت، كل هذه العوامل أدت إلى خلق جو نفسي يسوده عدم الاستقرار أو الثقة في أسواق المال الخليجية. وكما أن سيادة النمط الريعي للاقتصادات الخليجية أدى إلى تباطؤ اتجاه الدول نحو التخصيصية، والتي ستأتي على حساب اعتبارات اجتماعية متعددة تتردد الدول الخليجية كثيرًا حيالها. وتأسيسًا على السمات السابقة أصبحت بورصات الدول الخليجية تمر بمراحل مختلفة من استكمال بنيتها الأساسية من تشريعات وأجهزة ولوائح وقوانين عمل وأنظمة تداول، حيث ترتبط جميعها بالسعي لتحسين بيئة التداول والاستثمار في الأسهم واختفاء العدالة والثقة في الأسواق وتطوير ثقافة ووعي الاستثمار بها.. وتفتقد أسواق المال إلى برنامج عمل اقتصادي واضح يحدد موقعها على خريطة التنمية الاقتصادية في بلدانها، حيث تبقى هذه الأسواق وبدرجات متفاوتة بعيدة عن مهام صغار المستثمرين وزيادة معدل الاستثمار الوطني وجذب الاستثمارات الأجنبية وإنجاح برامج الخصخصة وإعادة توزيع الثروة على قطاع عريض من المواطنين. ولكن تلك السمات السابقة لا تعني غياب عوامل تحقق التكامل بين الأسواق المالية الخليجية والمتمثلة في وجود تشريعات وتنظيمات متشابهة في محاولة لتوفير المناخ الملائم للاستثمار الأجنبي ومحاولة استحداث أدوات استثمارية جديدة في أسواق المال الخليجية. تحديات دولية فضلاً عما تعانيه أسواق المال الخليجية من بعض نقاط الضعف الهيكلية والتنظيمية والقانونية والعملية الداخلية، تتعرض هذه الأسواق أيضًا لتحديات تفرزها البيئة الدولية والنظام الاقتصادي العالمي الجديد.. ويمكن التعرف أولاً على خريطة أسواق المال في الخليج لتبين مدى تأثر هذه الأسواق بالتحديات الخارجية: يبلغ عدد شركات أسواق المال الخليجية مجتمعة حوالي 400 شركة، برأسمال يقدر بحوالي 140 مليار دولار في نهاية يونيو عام 2001، وتأتي سلطنة عمان في المرتبة الأولى من حيث عدد هذه الشركات وتأتي قطر في المرتبة الأخيرة. وتتمتع السعودية بأكبر الأسواق من حيث الأوراق المالية في العالم العربي بسوق حجمها أكثر من 60مليار دولار، على الرغم من أنه لا توجد بورصة رسمية بها ولكن يتم التعامل في أسهم الشركات إلكترونيًا بواسطة البنوك، وفي المقابل تعد بورصتا عمان وقطر أصغر البورصات في الخليج، ويبلغ حجمهما 10 مليارات دولار. وتسيطر السعودية على 42.30% من إجمالي القيم السوقية للأسواق العربية، وتسيطر الكويت على 13.18%، والبحرين على 4.27%، وعمان 2.40%، من إجمالي رأسمال الأسواق العربية. ويلاحظ صغر حجم أسواق المال الخليجية وضعف التداول في هذه الأسواق واعتماده على الأشكال الفردية دون أن يتبلور عبر المؤسسات المالية القادرة على التداول، وكذلك أنه على الرغم من السماح للخليجيين بتملك وتداول أسهم الشركات المساهمة وفق قرار المجلس الأعلى لمجلس التعاون لدول الخليج في قمة البحرين عام 1998، إلا أن التملك الخليجي للأسهم مازال ضعيفًا. ففي البحرين، تبلغ نسبة تملك الخليجيين حوالي 14% مقابل 1% في السعودية، وأقل من 1% في الكويت، ويرجع المحللون ذلك إلى قصور التسويق مع عدم وجود نقل حي ومباشر للأسواق الخليجية أثناء التداول وعبر الإنترنت وبطء الربط المعلوماتي، وضعف نظم الإفصاح وغياب الشفافية، فضلاً عن قصور أسواق المال الخليجي عن تسويق ذاتها والتعريف بأدواتها داخل الدول الخليجية ذاتها، وبالتالي داخل المحيط الإقليمي والعربي، حيث يُشار إلى أن إجمالي القيمة السوقية للأسواق المالية مجتمعة حوالي 140مليار دولار مقابل 149مليار دولار لبورصة جنوب إفريقيا وحدها، على الرغم من كونها بورصة ناشئة، وبقيمة تقدر بحوالي خمس حجم سوق هونغ كونغ، وثلث حجم سوق كوريا الجنوبية، ونصف سوق سنغافورة وماليزيا. وبسبب قصور الأداء الذي يعتري بورصات الخليج انخفض أيضًا حجم الاستثمارات الأجنبية المباشرة المتوجهة إلى الدول الخليجية، حيث قدرت بنحو 5.5 مليارات دولار عام 1999، من إجمالي استثمارات أجنبية قدرت بنحو 865 مليار دولار وبنسبة 0.6% فقط من هذه الاستثمارات. وتشير التقارير إلى عدد من المشروعات التي قامت بين الدول الخليجية في الآونة الأخيرة: حيث اتخذت دبي وأبو ظبي خطوة إلى اتجاه ربط بورصتيهما إلكترونيًا وأكملت الترتيبات الفنية لذلك. وفي الكويت، أدى إطلاق صناديق مالية استثمارية جديدة إلى تحسن مؤشر سوق الأوراق المالية بها، كما أدى ارتفاع أسعار النفط الخام إلى حماية البورصات الخليجية من التدهور بسبب أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وستنتهي دول المجلس من الربط الإلكتروني بين شبكات الصرف بين مصارفها قبل نهاية العام الحالي، مما سيخلق ثباتًا في سعر التحويل بين عملات المجلس، الأمر الذي يسهل على الخليجيين تعاملاتهم المصرفية، كما أن هذا الربط بالدولار سيكون من شأنه ثبات سعر الصرف وأسعار الفائدة مما يدعم ثقة المستمرين بهذه الأسواق، وإعادة توطين الاستثمارات الخليجية. وبدأت الكويت والبحرين وسلطنة عمان في إبريل عام 2001، بتنفيذ المرحلة الأولى من مشروع الربط الإلكتروني تنفيذًا لقرار ملتقى الاستثمار الخليجي الأول الذي عقد في فبراير 2001. وهناك عوامل دولية كان لها أكبر الأثر على أداء أسواق المال في دول الخليج منها: ـ تأثير منظمة التجارة العالمية وتحرير الخدمات: لم يعد هناك جدل يثار حول الانضمام لركب عولمة الاقتصاد ولكن الجدل لا يزال دائرًا حول كيفية مواجهة التطورات الخاصة بهذه العولمة وما يعنينا هنا هو أسواق المال الخليجية وما هي الاستعدادات المطلوبة لما ستخلفه الجات من تحديات وسلبيات وكيفية الاستفادة من الإيجابيات. فلا شك أن تحرير الخدمات المالية يمكن أن يعزز كفاءة القطاع المالي الخليجي بعدة صور وأشكال... إذ يمكن للمؤسسات المالية الخليجية الاستفادة من مزايا اقتصاديات زيادة حجم الإنتاج وأن تخصص وفق المزايا التنافسية ويمكن أن تنشأ مؤسسات مالية متخصصة في بعض قطاعات السوق مثل البنوك الإسلامية كما يمكن للبنوك أن توسع من نطاق الخدمات المرتبطة بمجال تخصصها لتستفيد من مزايا زيادة نطاق الإنتاج. ومع المنافسة المقبلة من المؤسسات المالية الدولية إلى حلبة الأسواق المصرفية ستضطر الأخيرة إلى تخفيض الهدر وتحسين إداراتها وزيادة كفاءتها الإنتاجية وخفض تكلفة خدمات العملاء وتراجع الفرق بين أسعار الفائدة على الإقراض وتلك التي على الودائع. كما ستضطر المؤسسات المالية إلى إيلاء المزيد من الاهتمام بمتطلبات العملاء وتقديم أفضل الاستشارات لهم. كما سيؤدي فتح الأسواق المالية إلى منافع كثيرة جراء نقل المهارات التقنية المصرفية الحديثة والتي تشمل المعارف في الممارسات الإدارية المتقدمة وآخر المستجدات في الأدوات المالية وسيتوفر للخليجيين عدد أكبر من أساليب تنويع محافظهم المالية لتحقيق الأداء المالي الأمثل. وسيسهل تحرير الخدمات المالية على الشركات المحلية اختيار أفضل مزيج من الأسهم والسندات والقروض لتمويل نشاطاتها، كما ستستخدم مشتقات الأدوات المالية كتحوط ضد مخاطر تقلبات أسعار الفائدة أو أسعار الصرف. وسيؤدي التحرير الاقتصادي للخدمات المالية في الدول الخليجية إلى تشجيع حكومات هذه الدول على تحسين إداراتها للسياسات الاقتصادية العامة وسيدفعها لإنهاء التدخلات المؤدية إلى التشوهات في الأسواق المالية وسيدفعها أيضًا لوضع التشريعات المرنة والملائمة للأسواق المالية مع توفير الإشراف المناسب على عملياتها. مخاوف على الرغم من الفوائد المتعددة من جراء تحرير الخدمات المالية إلى أنه ينطوي على جوانب سلبية كثيرة: أولها: هيمنة المؤسسات المالية الأجنبية التي تتمتع بقدر أكبر من الكفاءة على القطاع المصرفي بدول الخليج على الرغم من أن تحرير الخدمات قد يدفع القطاعات المالية المحلية في الخليج لتحقيق قدر أكبر من الكفاءة.. ويعد مدى استعداد الحكومات لتأمين الدعم للمؤسسات المالية الوطنية عاملاً مهمًا في تحقيق أهداف تعزيز الكفاءة بواسطة الموارد المالية أكثر منه بواسطة فرض القيود على عملية التحرير المالي. ثانيها: احتمال أن يقتصر نشاط المؤسسات الأجنبية العاملة في الأسواق الخليجية وخاصة البنوك على خدمة الشرائح المربحة من الأسواق المحلية كالاقتصار في تقديم الخدمة على مناطق جغرافية معينة.. ويمكن للحكومة أن تلجأ إلى التزامات خدمية موحدة تنطبق على كل المؤسسات المالية العاملة سواء كانت محلية أم أجنبية لضمان تحقيق الأبعاد الاجتماعية دون التضحية بمزايا الكفاءة. ثالثها: التخوف من أن يؤدي تواجد عدد كبير من البنوك الأجنبية إلى تفاقم تضخم القطاع المصرفي بما يزيد على الحاجة الفعلية.. ويمكن التغلب على ذلك بوضع الإجراءات والترتيبات الكفيلة بخروج البنوك الزائدة عن حاجة الأسواق وربما يكون العلاج الأمثل هو السماح بعمليات الدمج المنظمة وليس توفير الحماية للبنوك المحلية. والجدير بالذكر أن تحرير التبادل التجاري للخدمات المالية قد يؤدي في بعض الظروف إلى زيادة حدة المشاكل والصراعات في القطاع المالي، لذلك فإن الاتفاقية العامة للتبادل التجاري للخدمات تتيح للدولة العضو اتخاذ الإجراءات التحفظية لحماية المستثمرين وضمان سلامة واستقرار النظام المالي. كما تسمح الاتفاقية باستخدام قيود غير تميزية مؤقتة على المدفوعات والتحويلات في حالة الاختلال الكبير في ميزان المدفوعات والمصاعب المالية الخارجية... وفي كل هذا مزايا يقدمها تحرير الاقتصاد لجميع الدول النامية ومنها الدول الخليجية تشجيعًا لها للسير في طريق إعادة هيكلة اقتصادياتها. 11 سبتمبر والبورصات ألقت أحداث الحادي عشر من سبتمبر بظلال كثيفة فقد أدت إلى تدني أسعار البترول مما أدى إلى انخفاض أسواق الأسهم الخليجية حيث انخفضت بنسبة 9% في عمان و 6% في السعودية و3% في الكويت في حين شهدت أسواق كل من الإمارات وقطر ارتفاعًا بنسبة 11% و 5% على التوالي، ويرجع البعض ذلك إلى عدم اعتماد السوقين الإماراتي والقطري بشكل كلي على البترول كما هو الحال في باقي دول المجلس. وربما جاءت هذه الأحداث لتدق جرس إنذار بقوة للحكومات الخليجية لتنبه وبشدة إلى خطورة الاعتماد الكلي على النفط كمصدر أساسي للدخل، فالصراعات في المنطقة والحروب التي عانت منها نبهت إلى هذه الخطورة وكذلك انهيار أسعار النفط عام 1998، ثم جاءت أحداث الحادي عشر من سبتمبر لتؤكد ارتباط دول المنطقة بالنفط العالمي والاستثمارات العالمية. ويرى البعض أنه ربما تكون هذه الأحداث والصدمة التي سببتها قد تساهم في عودة جزء من الأموال المستثمرة في الخارج والتي تصل إلى نحو تريليون دولار لتدعم أسواق منطقة الخليج. جهود الاصلاح ـ إزاء أوجه القصور الكثيرة والتي ظهرت في ضعف أداء أسواق المال الخليجية لم تقف دول مجلس التعاون الخليجي مكتوفة الأيدي بل شرعت في اتخاذ كثير من الإجراءات والمشروعات بهدف تعزيز أسواق المال بها. ـ ففي عام 1996 وقَعَت ثلاث دول خليجية على اتفاقية الربط بين أسواقها المالية بهدف زيادة السيولة في هذه الأسواق وهي دول: عمان والبحرين والكويت. ـ وفي عام 1999 شرعت الدول الخليجية للاشتراك في مشروع شبكة الشرق الأوسط للأوراق المالية، ويهدف المشروع إلى تحقيق التكامل والترابط وامتداد الاستثمارات ومرونة تدفق الأموال في جميع البورصات وتوفير المعلومات والبيانات بسرعة ويسر وتنشيط التعاملات المالية واشتركت في المشروع سلطنة عمان وقطر والبحرين والكويت. ـ وتم في فبراير عام 2000 في الإمارات التوقيع على مشروع قاعدة المعلومات والبيانات وتأسيس شبكة المعلومات عبر الإنترنت لربط جميع البورصات العربية بشبكة معلومات موحدة تضمن تدفق المعلومات من جميع الشركات المدرجة في كل بورصة. كما سعت دول المجلس بجهود متقطعة ومتباعدة إلى تحرير استثمار المواطنين الخليجيين في أسواق الأسهم الخليجية والتي ظهرت واضحة في قمة الرياض، حيث أقر وزراء التجارة بدول المجلس في أكتوبر 2001 قواعد معدلة لتملك مواطني دول المجلس أسهم الشركات المساهمة في الدول الأعضاء حيث أجازت هذه القواعد لمواطني الخليج تأسيس الشركات المساهمة دون اشتراط تملك مواطني الدولة التي تؤسس فيها الشركة لأي نسبة من أسهم هذه الشركات كما أصبح يمكن لمواطني دول المجلس تملك أسهم شركات الصرافة والبنوك «والتي كانت مستثناة في القواعد السابقة» ويسمح لهم بتملك أسهم الشركات القائمة التي تعمل في مجال الأنشطة الاقتصادية الأخرى بما لا يزيد على 49% من رأسمال الشركات بدلاً من 25%، وسمح أيضًا بأن تكون حالات التداول والإدراج وفقًا لأنظمة كل سوق ويكتفي فقط بأن يجوز للدولة أن تشترط أن يكون رئيس مجلس إدارة الشركة من مواطني الدولة الطبيعيين. على أثر نجاح التعاون بين سوقي عمان والبحرين وجذبهما لمؤسسات وبنوك أجنبية عبر توفير عدد من المزايا الضريبية، قامت الكويت أيضًا بالانضمام إلى اتفاقية ربط أسواق المال بينها وبين كل من مصر ولبنان. تكليف الأمانة العامة لدول مجلس التعاون الخليجي بإنشاء لجنة من المختصين في سوق المال والبورصات في هيئات أسواق مجلس التعاون بدراسة أوجه التباين بين أنظمة السوق الحالية واقتراح نظام موحد نموذجي لهذه الأسواق مع النظر في إمكانية توحيد ساعات التداول. وتتجه دول المجلس بالفعل إلى دراسة توحيد ساعات التداول، وأقر وزراء تجارة المجلس ضرورة وضع الأسس لإنشاء شركة تقاصي وتسوية وإيداع مشتركة تقام بإحدى دول المجلس لتسهيل عمليات التداول. أنجزت دول المجلس خطوات مهمة نحو تحرير اقتصادياتها حيث أقرت المملكة العربية السعودية قانون الاستثمار الجديد والذي يجيز للمستثمرين الأجانب تملك العقارات والمنشآت وحرية تحويل الأرباح كما سمحت لهم بتداول أسهم الشركات الوطنية من خلال صناديق الاستثمار المالي. وفي الكويت صدرت الصيغة النهائية لقانون حق الأجانب في تملك أسهم شركات المساهمة العامة وفي دبي تم افتتاح سوق الأسهم الرسمة وتلاها سوق أبو ظبي. وفي سلطنة عمان سيكون في وسع المستثمرين الأجانب تملك 70% من المشاريع المحلية وسيتاح لهم الملكية الكاملة لمؤسسات الخدمات المالية بدءًا من يناير 2003 كما أعلنت البحرين منذ عام 1999 عن موافقتها على فتح أسواقها أمام المستثمرين الأجانب. وسعت دول مجلس التعاون الخليجي لتعزيز المناخ الاستثماري عبر تشجيع الممارسات الحميدة وتعزيز الرقابة وزيادة الشفافية. كما ستبدأ غرف التجارة والصناعة بدول المجلس ببدء الإجراءات التنفيذية لمشروع تأسيس سوق خليجية الكترونية مشتركة على شبكة الإنترنت بهدف ربط الحركة التجارية بدول المنطقة الكترونياً من خلال بنية تقنية أساسية توفر آليات العمل وتوفر أيضاً بنية موحدة لتقديم خدمات التجارة الالكترونية في دول المنطقة وذلك لإنجاز جميع مراحل الدورة المستندية للحركة التجارية الكترونياً في المنطقة ويتضمن المشروع أربع خدمات رئيسية هي خدمات التوثيق الإلكتروني ونقل الوثائق التجارية إليكترونيا وخدمات المعلومات والفرص التجارية. وسيساهم هذا المشروع والذي سوف يحمل اسم «سوق الخليج نت» في مواجهة تحديات الجات وحظر تلاشي الشركات الصغيرة والمتوسطة وسيحقق التأهيل التقني لها. وأخيرًا تبحث لجنة خليجية متخصصة صياغة قواعد موحدة لتملك مواطني دول مجلس التعاون الخليجي لأسهم الشركات العامة والتي سبق وأن أقرها المجلس لضمان وضع آليات معينة تضمن عملية تطبيق رفع هذه النسبة، وتهدف دول المجلس من ذلك التوجه تعزيز عملية ربط البورصات وأسواق المال ببعضها البعض وإزالة حواجز تداول الأسهم فيما بينها لتوحيد هذه السوق.