تدرك احزاب المعارضة بوضوح الوضع غير المتكافيء بينها وبين النخبة الحاكمة التي تنافسها على صناديق الاقتراع فالنخبة الحاكمة تستخدم السلطة بكل امكانياتها وسلطاتها واجهزتها لكي تحقق ما تسميه «الأغلبية الكاسحة». وترفض النخبة الحاكمة رفضاً كاملاً ان تكون هناك حكومة انتخابات محايدة تقود الانتخابات. كما ترفض النخبة ان تكون هناك رقابة متوازنة على سير العملية الانتخابية. ورغم ادراك المعارضة لكل ذلك الا انها تحجم عن البحث عن حلول بديلة، وتستمريء المراجعة والتوسل بروح رعوي يرى ان ليس له الا ما يتفضل به الاسياد الحاكمون. مشكلة أحزاب المعارضة ونقطة ضعفها الأساسية ان تنطلق في عملها من ثقافة عصبوية متخلفة ما يجعلها اقرب الى العشيرة منها الى الحزب. وهي في نظرتها الى الامور ضيقة الافق لا تنظر ابعد من أنفها. كل منها يتصور انه قطب الدنيا وواحدها عضوه هو الامثل، ورأيه هو الاصوب، وهو وحده من سوف يحقق الخير كل الخير، واذا لم يتحقق التقدم عن طريقه وعلى يديه فلانزل القطر لا صوت يعلو على صوت حزبه حتى ولا صوت الوطن فالحزب هو الوطن. من منطلق هذه الثقافة العشائرية المتخلفة تعاملت الاحزاب مع الاخر ومع القضايا العامة وهو ما جعلها لعبة في يد النخبة الحاكمة يضرب كل منها بالاخر وكل منها يتصور انه سوف يحتوي النخبة بعد ان يتخلص من الحزب المنافس وهو بذلك يؤكد انه لم يقرأ او لم يستوعب ما قاله الشاعر الحكيم: ومن يجعل الضرغام بازاً لصيده تصيده الضرغام فيما تصيدا لقد ان الاوان لاحزاب المعارضة في الساحة اليمنية بل وفي كل الساحات العربية ان تدرك ان من مصلحتها على المدى البعيد ومن مصلحة وطنها ومواطنيها ان ينصب اهتمامها على ترسيخ النهج الديمقراطي وتثبيته وكل ثمن يدفع في سبيل ذلك هو استثمار عائد كبير في المستقبل. ان ترسيخ النهج الديمقراطي لن يتم الا من خلال عمل مشترك واتفاق استراتيجي بين احزاب المعارضة بهدف خلق توازن ولو نسبي بينها وبين القوى التقليدية المسلحة المنتجة للسلطة والحاجبة لها. وهناك أمور اربعة سوف تظل تعمل على اعاقة هذا الاتفاق ما لم تتخذ الاحزاب منها موقفاً واضحا ومحدداً. هذه الامور الاربعة هي: ـ عجز احزاب المعارضة عن ادراك المصلحة العليا لمثل هذا الاتفاق والاصرار على الانكفاء على الذات والتمسك بالأنا الضيقة الافق. ـ فشل الاحزاب في التغلب على رواسب صراعات الماضي المؤسفة مما يحد من ثقة الاحزاب في بعضها البعض في حين ان الاتفاق الاستراتيجي بحاجة ماسة الى ثقة عالية لا يمكن ان تتحقق الا عن طريق حراك سياسي متوازن يجعل كل طرف يشعر انه موجود وفعال. ـ التردد في خلق توازن سياسي بين احزاب المعارضة سواء داخل مؤسسات المجتمع غير السياسية او داخل مجلس النواب. وبدون هذا التوازن سيظل كل حزب يقدم رجلا ويؤخر اخرى. كما سيظل الحس الانتهازي الرخيص هو سيد الموقف. ـ عدم الحسم في استبعاد امكانية المساومة الفردية مع النخبة الحاكمة او القبول لها. ويتم هذا الاستبعاد من منطلق مبدئي راسخ وادراك عميق ان هذا هو الطريق لترسيخ النهج الديمقراطي وافشال النهج التراجعي. هناك محاولات تجرى في اليمن ومصر والاردن للوصول الى هذا المستوى من العمل المشترك وقد كانت التجارب الاولى مشجعة جدا ففي مصر نجح تحالف التيارين القومي والاسلامي في انتخاب نقابة الصحفيين ونقابة المحامين وامكن لهما هزيمة انصار السلطة واحزابها. وفي اليمن نجح تحالف التيارين في انتخابات اتحاد الطلبة وفي المواجهة المشتركة لتعديل قانون الانتخابات. ويخوض التياران اليوم معركة خلق التوازن في الرقابة على الانتخابات المقبلة. لم يخض التياران في الاردن تجربة انتخابات مشتركة على اي مستوى لكنهما نجحا حتى الان في المواجهة المشتركة للهيمنة الاميركية الصهيونية، واذا ما نجحت احزاب المعارضة اليمنية في التحالف في الانتخابات البرلمانية المقبلة والنزول بقائمة موحدة وبرنامج عمل وطني مرحلي موحد فانها بذلك تحقق سبقا مهما وتفرز تجربة عربية رائدة وهي بذلك تحقق الغاية من اقامة المؤتمر القومي الاسلامي. ولا اخفي قلقي من بعض الاشارات غير المشجعة التي اسمعها من بعض اعضاء الحزب الاشتراكي اليمني والتي توحي بضعف في الذاكرة وارجو ان اكون مخطئاً فيما اوحته لي بعض عبارات عابرة. ما علينا سوى ان نذكر وان ندعو للمعارضة بالهداية ومن اهتدى فانما يهتدي لنفسه ومن ضل فانما يضل عليها.