لم يكن كيسنجر وحده من اكد ان وقوع حروب أمر ضروري لأميركا لتحقق شروط قيادتها الكونية، فقد تحدث صموئيل هانتنجتون، عن ذلك عندما أشار الى الصراع الحضاري، وفي الواقع إن كثيرين لمسوا في الخطاب السياسي الأميركي سمات العنجهية والصلف وأحيانا الوقاحة التي اتسمت بها مطالبهم من الأمم وليس آخرها ما اشترطته على الفلسطينيين تحت دعوى المصلحة الفلسطينية. والتفكير في احتمالات قيام حرب ليس أمرا مبالغا فيه فالأميركيون لم يبقوا للعرب شيئا، حتى ورقة التوت احرقوها وماعاد يمكن ستر شيء، وليس مجديا القول ان هناك املا في احتمالات قمة طارئة فالقمم لم تقدم شيئا بل انه من المخجل التذكر ان القمم برمتها كانت أكذوبة كبيرة أكثر من كونها قاعدة سياسية لحماية المصالح العربية. دافع القول المرير هذا، الاملاءات الأميركية التي تضمنها خطاب بوش الأخير والذي لم يبق شيئا يمكن التنازل عنه أكثر مما قد تم التنازل عنه فعلا، والذي حمل من الوقاحة والصلف مالم يحمله خطاب من قبل، لقد اعاد العرب الى عهد الانتداب لكنه هذه المرة انتداب اميركي اسرائيلي، فلماذا وصل الأمر الى مانحن عليه من سقوط، ولماذا تعزز الصمت العربي بدعوات التأييد لبوش وخطابه القميء ؟ مانعرفه عن انحياز أميركا لإسرائيل ليس جديدا فهو أحد الثوابت الاستراتيجية الأميركية، بل انه يعد أهم هذه الثوابت، فأميركا تدعم إسرائيل وتقدم لها المعونات منذ انغرست هذه الدولة في جسد الشرق الأوسط لأن إسرائيل تشكل مفتاحا أساسيا للأمن القومي الأميركي، ولذا فان استراتيجية أميركا هي بجعل إسرائيل القوة المهيمنة في الشرق الأوسط سواء عسكريا أو اقتصاديا، وبالمقابل فإننا نرى أن إسرائيل تمثل الحليف الأساسي لأميركا في المنطقة العربية، لتواجه بها أي تهديد للمصالح الاميركية. ومعروف ايضا إن اهم عناصر الضغط داخل الكونغرس الأميركي هي اللوبي اليهودي، الذي قد يختلف مع الكونجرس وقراراته لكنه يبقى القوة الاكبر في الكونجرس الأميركي.ويمكن ملاحظة تأثير الثقافة اليهودية في الثقافة الاميركية الذي ظهر منذ عقود طويلة، فقد سعى اليهود أينما كانوا ومنذ وقت مبكر جدا إلى تجميع صفوفهم ولم تشتتهم وفقا لمباديء حكماء صهيون كما سعوا لاثبات وجودهم والتأثير في أي مجتمع استقروا فيه لبعض الوقت، وهكذا أمكن للتأثير اليهودي أن ينمو ويزدهر في أوروبا واميركيا عندما ركزوا على المجال الاقتصادي والسياسي والاعلامي واصبح لهم صوت مسموع في الانتخابات العامة. ولكن الذي لانعرفه والذي يمكن ان يشكل سابقة خطيرة منذ خروج آخر مستعمر من المنطقة العربية هو موافقتنا على هذه الإملاءات الأميركية التي لم تكن اسرائيل لتصوغها بافضل من ذلك لو أرادت، لقد رقص الإسرائيليون طربا لفاتحة العهد الجديد الذي قدمه لهم بوش على طبق من ذهب. وليس صعبا بعد اليوم توقع نزول القوات الأميركية اية ارض عربية بحجة استئصال الإرهاب او اقصاء رئيس عربي او الانقلاب على حكومة ما لمجرد التفكير بمعارضة اميركا ومخططاتها او التفكير بالاستقلال السياسي او الاقتصادي وتلك هي الكارثة، فاقتصادنا مرهون للأميركيين ولسواهم، وليس صعبا توقع تعيين مندوب سام أميركي او اسرائيلي او حتى عربي من جيل المطبعين ليحكم الدول العربية التي خضعت بكاملها لإعادة الأقلمة او للعولمة الأميركية ، بل لم يبق سوى تسلم صكوك الانتداب الأميركية. لقد جاء خطاب بوش الأخير مكرسا لمنطق الاستعمار الذي حارب العرب طويلا ضده وطرده خارج الأرض العربية وخارج منظومة مصالحهم، والغريب انه عاد وبقوة وبطلب منهم. هي حرب إذن تنضم الى حرب الإرهاب وتندرج تحت مفرداتها وتفاصيلها، سلم لها وبها الجميع ولم يعد هناك من يجرؤ على الاعتراض او السؤال. ل. ع.