بيان الاربعاء:التحرك الأميركي الذي شهدته منطقة الشرق الاوسط بدعوى ايجاد حل سياسي للمشكلة الفلسطينية والذي تجاهل القرارات الدولية التي صدرت منذ نصف قرن من الزمان ، ليس سابقة جديدة فهو يضاف للسوابق الإسرائيلية بفرض ان أميركا اسرائيلية اكثر من اسرائيل نفسها. فالطرح الذي قدمه الرئيس الأميركي جورج بوش خرج من معطف الليكود. ورغم انه سبق طرح الدولة الفلسطينية لكن الجميع طرح تصورا فضفاضا مبهما لدولة فلسطينية مستقلة معروف انها منزوعة السلاح وتحت اشراف اسرائيل لضمان امن وسلامة الاخيرة اقليميا واميركيا وأوروبياً، اما الطرح الأخير بشأن هذه الدولة فجاء متجاوزا كل ماسبق وكل الأعراف الدولية. لقد استند بوش في خطته المطروحة بخطابه الأخير على قاعدة «بحث أفضل السبل والوسائل لطمأنة الاسرائيليين اقليميا حول امنهم وسلامة دولتهم بتعهد كافة الدول العربية بعدم السعي لتدمير اسرائيل وعدم الاعتداء عليها او تهديد أمنها وسلامتها». لقد بقي مفهوم سيادة الدولة الفلسطينية الكاملة مثار جدل وتفاوض على مدى عقد من الزمان، ونجد انه امر لم يكن مقبولا اسرائيليا وارتهن بوقف النضال الفلسطيني الذي يمكن وصفه بانه دفاع حقيقي عن النفس والارض ضد الاحتلال الصهيوني، كما ان هذه الدولة التي اقيمت في التصريحات الغربية والعربية اكثر من اقامتها على ارض الواقع اشترطت اقامتها احتواء المستوطنات السرطانية بين احشائها، فكيف طرح بوش هذه القضية، وكيف رسم تصوره للدولة الفلسطينية، وبأية شروط؟ لم يكن الحديث عن تنصيب قيادة فلسطينية جديدا ولم يبدأ منذ عشرة اسابيع كما قال كولن باول لصحيفة «نيويورك تايمز» أواخر يونيو الماضي، فقد سبق الحديث عن قيادات بديلة قبل محاصرة عرفات وانطلاق عملية اعادة الاحتلال للأراضي الفلسطينية، وقد تم تسويق اسماء كثيرة منها سري نسيبة وابو مازن وغيرهما والذين تسارعوا الى الإعلان بان عرفات هو الرئيس التاريخي وابعدوا عنهم شبح الإتهام بالخيانة. ولذا لم يكن جديدا ما ورد في خطاب بوش الذي حدد فيه ملامح سياسة إدارته تجاه المشكلة الفلسطينية وعلى رأسها ضرورة عزل الرئيس عرفات كشرط للقبول بدولة فلسطينية، او كما اوضح باول «يجب ان يغير عرفات الطريق الذي يمضى فيه بطريقة جوهرية واستراتيجية، وأننا سنرى ما يحدث»، وذلك بالطبع كان المبرر الذي طرحه بوش لتنحية عرفات والذي اردفه بـ «صراحة لم نر ما يكفي منه». وبالطبع فان شروط انهاء الاحتلال الاسرائيلي هي نفس شروط شارون والتي ركزت على تغيير عرفات وحكومته، وتغيير البرلمان الفلسطيني وتغيير قيادة الأجهزة الأمنية وتفعيل تعاونها مع إسرائيل لمنع العمليات الفدائية،إضافة إلى تغيير النظام القضائي الفلسطيني، عدا عن ذلك التهديد الذي وجهه بوش للفلسطينيين في حال انتخبوا عرفات مرة اخرى. الكعكة التي سوف يحصل عليها الفلسطينيون ستكون التوصل إلى اتفاق مع إسرائيل ومصر والأردن بشأن الأمن وغيره من الترتيبات من أجل الاستقلال «وكأن الغرض هنا هو الإيحاء بأن العمليات الجهادية تضر مصر والأردن أيضا وتشعل الجبهة الأمنية وهي محاولة لإشعال الفتنة في المنطقة كما هو واضح». ولم يقتصر الأمر على السعي لحشر مصر والأردن في المعادلة، وإنما سعى بوش لتحقيق هدف شاروني آخر مهم هو أن يكون السلام «صفقة كاملة» مع كل العرب وليس فقط الفلسطينيين ونلاحظ أن هذا كان هدف شارون الأساسي في زيارته السادسة الأخيرة لبوش ولهذا قال: «يجدر بالزعماء الراغبين في أن تشملهم عملية السلام أن يظهروا بأفعالهم تأييدهم التام للسلام، ومع تحركنا نحو حل سلمي فمن المتوقع من الدول العربية بناء علاقات أوثق دبلوماسيا وتجاريا مع إسرائيل بما يؤدي إلى تطبيع تام للعلاقات بين إسرائيل والعالم العربي بأسره». وبالطبع لم ينس الخطاب التطرق إلى سوريا ولبنان باعتبارهما يمثلان -ضمن محور الشر- الخطر الثاني على الدولة اليهودية عبر حليفهما حزب الله، وقد وجه بوش تحذيرا للبلدين هو أشبه ما يكون بإعطاء الضوء الأخضر لشارون في توجيه ضربات لهما. ونجد ان بوش اعادنا الى المعسكرين اللذين خلقهما سبتمبر الماضي عندما طالب بوش العالم ان يكون معه في معسكره أو ضده في معسكر الإرهاب وأكد على ذلك قوله: «قلت في الماضي إن الدول إما أن تكون معنا أو علينا في الحرب على الإرهاب، ولكي تحسب الدول على جانب السلام فإن عليها أن تتحرك» وبالطبع فقد قصد بالتحرك في الاتجاه الذي ترسمه أميركا. ما جاء في الخطاب قد فاق كل التوقعات السوداوية في الجانب الفلسطيني. وفي الواقع، فقد حرم الرئيس بوش القيادة الحالية للسلطة من أي مجال للمناورة: 1ـ فقد اعتبر بوش ان استبدال القيادة الفلسطينية الحالية هو شرط مسبق لأي تغيير سياسي بدعوته لانتخاب قيادة جديدة وربطه بالمساعدة التي ستقدمها الولايات المتحدة للفلسطينيين. 2ـ وطالب باقرار الفلسطينيين بعدم شرعية العمل المسلح كوسيلة للنضال من أجل نيل الحقوق الوطنية ولذا فهو يتوجب عليه انهاء مقاومته للاحتلال، مقابل منح الحق للإسرائيليين في الدفاع عن انفسهم حتى لو تطلب ذلك خرق القوانين والأعراف الدولية. ولهذا نجد ان اليهود اطربهم الخطاب حيث اكد سياسيوهم انه ضوء أخضر فـ «من يبحث عن ضوء أخضر أميركي لكي يواصل شارون العمليات العسكرية ضد الفلسطينيين فإن خطاب بوش هو أسطع ضوء أخضر» ونجد ذلك واضحا في لهجة التأكيد التي حملها الخطاب الإعلامي الإسرائيلي والذي اشار الى ان «بوش لم يطالبنا بأي شيء تقريبا، فحديثه عن الدولة الفلسطينية وإنهاء الاحتلال ووقف الاستيطان مرهون بتنفيذ الجانب الفلسطيني التزامات مستحيلة، لن تنفذ في غضون مئة عام، وعندها قد لا يكون هناك شعب فلسطيني؛ لذا نحن نشعر بالرضا». مما لا شك فيه أن الرئيس بوش بخطابه هذا قد حسم الجدل الذي كان دائرا في أروقة إدارته لصالح المعسكر الذي يقوده كل من نائب الرئيس ديك تشيني ووزير الدفاع دونالد رامسفيلد وهو الجناح الذي يرى أنه يتوجب على الولايات المتحدة أن تنظر إلى إسرائيل ليس بوصفها حليفا تقليديا بل كشريك في الحرب ضد الإرهاب وهو منطق استراتيجي رسخه ريغان في الثمانينيات وعززه بالإتفاق الإستراتيجي مع اسرائيل. الخطة التي عرضها بوش كان مهيأ لها سبتمبر المقبل كموعد لأن تطرح فكرة الدولة الفلسطينية وفق المنظور الأميركي على أن تستكمل المفاوضات بشأن الحدود الدائمة لهذه الدولة خلال ثلاث سنوات وكانت صحيفة «واشنطن بوست» الأميركية قد ذكرت إن السلطة الفلسطينية قدمت لواشنطن «خطة سلام مكتوبة لإعلان الدولة الفلسطينية»، مؤكدة أن هذه الخطة تتضمن «تنازلات فلسطينية حول موضوعي القدس واللاجئين مقابل انسحاب إسرائيل إلى حدود ما قبل يونيو 1967» ، وقد ربطت الخطة الفلسطينية المطروحة بما قدمه ميتشل والذي شمل : 1ـ تأييد الرئيس الأميركي لإقامة دولة فلسطينية مستقلة وذات سيادة على المنطقتين «أ» الخاضعة بالكامل للسلطة الفلسطينية و«ب» الخاضعة للسلطة الفلسطينية إداريا ولإسرائيل أمنيا.. ويكون للدولة الفلسطينية مقعد في الأمم المتحدة. 2ـ الإعلان عن عقد المؤتمر الدولي حول السلام في الشرق الأوسط أوائل سبتمبر المقبل في واشنطن على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة. هذا الطرح لم يجد قبولا لدى اسرائيل التي اشارت الى إن التصور السياسي للرئيس الأميركي المطروح يشمل نقاطًا غير مريحة لإسرائيل مثل المطالبة بتجميد مطلق للمستوطنات دون النظر إلى اعتبارات التكاثر الطبيعي، والتنازل عن الدخول الحر لمنطقتي «أ»، و«ب». ورغم ذلك فإن إسرائيل حققت إنجازا عندما رفض بوش تحديد جدول زمني للتسوية السياسية، وعدم وضع حلول للتسوية الدائمة عدا عن ان الخطة ستشير الى دولة فلسطينية مؤقتة على 40% من الضفة الغربية. أساس إستعماري بدءا لابد من القول ان الفلسطينيين ذهبوا الى اوسلو وهم يعلمون انهم سيوافقون على معاهدة استعمارية،من هنا جاء طرح المحللين السياسيين والمفكرين وقد أكد ذلك اليهود انفسهم ومنهم المفكر الصهيوني الشهير بن عامي الذي قال: « لقد قامت اتفاقيات أوسلو على أساس استعماري جديد، وهي تحقق نوعًا من التبعية الدائمة من طرف تجاه طرف آخر»، وسرعان ما صار بن عامي أحد مهندسي المقترحات الإسرائيلية الأميركية في كامب ديفيد في صيف عام 2000م، التي التزمت تمامًا بهذا المضمون الذي رفضه من قبل، وتلك المقترحات لاقت مديحًا هائلاً في الإعلام الأميركي، وحُمل الفلسطينيون و (رئيسهم الشرير) تبعة فشل هذه المقترحات، وبالتالي العنف الذي تلاها، والذي دفع بالمفكرين المعتدلين الى القول بان هذا محض افتراء. الرؤية التي فهمها العالم كانت «إنهاء الإرهاب الفلسطيني» فورًا.. وبعد ذلك بفترة تأتي العناصر الأخرى، وهي «تجميد -ومن ثَم إخلاء المستوطنات اليهودية، وبعدئذ التفاوض حول الحدود الجديدة»، وكل ذلك من أجل إنهاء الاحتلال والسماح بقيام دولة فلسطينية منقوصة. وفي هذا يقول نعوم تشومسكي: «العائق الأساسي والرئيسي لهذه» الرؤية المستقبلية الإنسانية، «كان ولا يزال هو الرفض الأميركي المستمر والأحادي حتى مبادرة الجامعة العربية التاريخية الأخيرة لم تقدم جديدا فهي تكرر الشروط الأساسية لقرار مجلس الأمن في يناير 1967م الذي أيده العالم بأسره تقريبًا في هذا الوقت بما في ذلك الدول العربية الرئيسية، ومنظمة التحرير الفلسطينية، والكتلة السوفييتية، وأوروبا، أي كل من يهمه الأمر في الواقع. ولكن إسرائيل عارضته؛ ومن ثَم رفضته الولايات المتحدة واستخدمت ضده حق الفيتو، وبالتالي شطبته من مضبطة التاريخ الرسمية». ولذا نجد ان اميركا قامت باعاقة ورفض كل المبادرات التي قدمتها الدول العربية ومنظمة التحرير الفلسطينية وأوربا، بالإضافة لهذا الرفض شطبت كل تلك المبادرات من التاريخ الرسمي ومن سجلات الإعلام الأميركي. ويذكر المحللون ووفق مصادر كثيرة انه يمكن تقصي هذا الرفض الأميركي إلى سنوات خلت.. مثلاً قبل ذلك وفي فبراير 1971م، عندما أعلن الرئيس المصري أنور السادات عن مبادرته التي تقدم لإسرائيل معاهدة سلام شاملة مقابل الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي المصرية المحتلة. وبدون أي ذكر عن الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، او اي حديث عن مصير غيرها من الأراضي التي احتلتها إسرائيل عام 1967م، اعتبر حزب العمل الإسرائيلي الحاكم في ذلك الوقت هذه المبادرة مقترحات سلام حقيقية، لكنه رفضها وفضل الاستمرار في سياسته الاستيطانية في شمال سيناء وهو مافعله بوحشية مرعبة وأدى الى حرب 1973. ويرى الدارسون ان اسرائيل والولايات المتحدة فهمتا امكانية الوصول إلى السلام وفقًا للسياسة الأميركية الرسمية المعلنة؛ ولكن وكما أعلن وقتها الزعيم العمالي الإسرائيلي وايزمان أن «هذا السلام لن يمكن إسرائيل من الوجود وفقًا للحجم والروح والكيفية التي تمثلها الآن». وعلق الكاتب الإسرائيلي موسى إيلون على مبادرة السادات قائلاً: «إن السادات قد سبب رعبًا بين القيادة السياسية الإسرائيلية عندما أعلن عن استعداده لقبول اتفاقية سلام مع إسرائيل، واحترام سيادتها واستقلالها داخل حدود آمنة ومعترف بها». ووفق تشومسكي فان كيسنجر نجح في هذا الوقت في إيقاف السلام، معربًا عن تفضيله لما أسماه «بالوضع المستقر». وبالمثل، تمّ رفض كل عروض السلام الأردنية ومنذ هذا التاريخ، التزمت السياسة الأميركية الرسمية المعلنة بالإجماع الدولي حول الانسحاب وكان هذا حتى عهد كلينتون الذي رفض في الواقع كل الاعتبارات الدولية وكل قرارات الأمم المتحدة. التزمت المخططات الأميركية والإسرائيلية المرسومة للفلسطينيين بمبادئ موشى ديان وفق مصادر صحفية ودراسية كثيرة، والذي نصح الحكومة الإسرائيلية بأن عليها أن توضح للاجئين تمامًا لانه لا وجود لأي حلول لديها وان عليهم ان «يستمروا في الحياة كالكلاب، ومن يرفض هذا فعليه أن يرحل». هذا التاريخ الطويل من الخدمة الأميركية للصهيونية ودولتها المسخ كان لابد ان يتوج وهو ما حدا بيديعوت احرونوت الى وصف بوش بانه عضو جديد في الليكود و«يستحق وسام الصهيونية» وهو مدح لم يحصل عليه رئيس اميركي من قبل. لقد أفرط بوش في إملاء الاشتراطات وبدا بلهجته الاستعلائية وخطابه الأبوي كأنه ولي أمر الفلسطينيين وحتى المنطقة بأسرها أو كأنه المندوب السامي لسلطة الانتداب الأميركي على فلسطين وبالتالي من حقه أن يملي الاشتراطات كما يشاء وعلى الفلسطينيين أن ينصاعوا راغمين لاشتراطاته إذا كانت لديهم الرغبة في الحصول على المكأفاة «الدولة المؤقتة» التي ستكون أصلاً كائناً «أميبياً» في إطارها الجغرافي قابلا للتكيف والتشكل وفق معادلة الضغط والاستجابة من قبل الطرف الصهيوني باتجاه الفلسطيني. رؤية غامضة جاءت ماسمي بالرؤية الأميركية غائمة جدا وهلامية في بعض مفاصلها فإنهاء الاحتلال والدولة الفلسطينية والمستوطنات جاءت على شكل عبارات براقة ولكن في سياق مضطرب وضبابي وغير متسق حتى مع الأجندة الفلسطينية التي كانت تتبناها قيادة السلطة، والأهم أن السياق منفلت من أية جدولة زمنية. كما أن مرجعيتها ستكون غير منضبطة بسبب التفسيرات الصهيونية الخاصة للقرارات الدولية وخاصة القرار الدولي الأساسي في عملية التسوية وهو القرار 242. وبنية الرؤية هي بنية انتقالية وفق المقاس الشاروني إذ أغفلت تحديد الآليات والجدول الزمني اللازمين للتعاطي مع الملفات المعقدة مثل اللاجئين والقدس ونحوهما، مما يعني أنها ستكون مدخلاً واسعاً للمراوغات والتهربات الصهيونية من الاستحقاقات التي ستفرضها التسوية وذلك على غرار أوسلو، كما أنها ستمنح الزمن اللازم لشارون لكي يمضي قدماً في تحقيق أجندته. وهي ايضا رؤية منحازة وغير متوازنة، بل إنها لم تلبّ حتى الحد الأدنى من طموحات الشعب الفلسطيني، ومن الصعب تسويقها على الساحة الفلسطينية في ظل المناخ السائد حالياً فالاشتراطات التي تضمنتها تجاه الجانب الفلسطيني تعجيزية ولا يمكن لأية سلطة أن تحققها على أرض الميدان إذ جعلت رأس المقاومة ثمناً للدولة، وهي معادلة غير قابلة للحياة في الأجواء الفلسطينية المتفجرة في الوقت الراهن. يضاف الى ذلك عدم توفر الدافع الذاتي من قبل الإدارة الأميركية للمتابعة الحثيثة اللازمة لعملية التسوية إذ إن الرؤية نفسها لم تكن نتيجة رغبة أميركية ذاتية بل كانت استجابة لضغوط إقليمية ودولية على أميركا لإطلاقها، يرافق ذلك عدم التناغم بين فريق الإدارة الأميركية نفسها ويجسده الخلافات الحادة بين الفريق اليميني المتشدد في البنتاجون وفريق وزارة الخارجية الذي ضغط باتجاه إطلاق الرؤية، لكن يبدو أنه أثناء طبخ الرؤية تغلبت أفكار فريق البنتاجون وبالتالي ولدت الرؤية ليكودية اللون والطعم والرائحة. وساعد في ذلك عجز الأطراف العربية وحتى الدولية عن ممارسة ضغط حقيقي على الإدارة الأميركية للانغماس أكثر في عملية التسوية وما يستلزمه من وجوب قيام هذه الإدارة بضغوط حقيقية على الطرف الصهيوني للوفاء بالاستحقاقات المتوجبة عليه، ويرى المحللون انه على الأغلب ستبقى السياسة الأميركية على نسقها الحالي القائم على التدخل فقط في حالات الاحتقان الشديد خوفاً من الانفجار، وعلى الأطراف أن تتصارع حتى تتعب ولتصل وحدها إلى حالة الرغبة في الالتقاء والتفاوض، وهي توصية أدرجها ريتشارد هاس أحد أعضاء الإدارة الأميركية أثناء النقاش الرئاسي الأولي الذي أجري حول طبيعة السياسة الأميركية المستقبلية التي ينبغي اعتمادها في الشرق الأوسط. ونجد ان الرؤية الأميركية جاءت صياغة واضحة لما عرضه شارون في زيارته لواشنطن فقد أراد اسدال الستار على صفقة عربية شكلت محور التحرك السياسي العربي في الفترة الماضية وارتكزت على: 1ـ تدخل عربي لدى القيادة الفلسطينية لإدخال تغييرات سياسية وأمنية تقود إلى ضبط الفصائل والقوى الفلسطينية بما فيها حركة فتح لصالح مركزية السلطة الفلسطينية. 2ـ ومقابل ذلك، تقوم الإدارة الأميركية بخطوة عملية نحو ترجمة الدولة الفلسطينية على الأرض بآلية وجدول زمني. 3ـ أن تمارس الإدارة الأميركية ضغطا على حكومة شارون لإنهاء حصارها ووقف حربها، وإعادة قواتها إلى ما كانت عليه قبل سبتمبر 2000، وكذلك للموافقة على تنفيذ الرؤية الأميركية للدولة الفلسطينية. وبالطبع كانت هذه الصفقة متضمنة موافقة فلسطينية على فكرة الدولة المؤقتة مع شروط ثلاثة هي: 1ـ أن يترافق الإعلان عن قيام دولة فلسطينية مع تحديد حدودها النهائية انطلاقا من خط الرابع من حزيران 67 مع تعديلات حدودية متبادلة. 2ـ أن تبدأ المفاوضات النهائية بعد قيام الدولة في مدة أقصاها عام، وتستمر لمدة أقصاها عامان لا أكثر. 3ـ وأن يترافق مع إعلان الدولة اعتراف دولي وإسرائيلي فوري بها، وحضور مراقبين دوليين مهمتهم المراقبة وحماية هذه الدولة من الاعتداءات الإسرائيلية. شارون بالطبع يريد هذه الدولة «المؤقتة» كحل نهائي وليس كخطوة انتقالية في مشروعه متعدد المراحل فأقصى ما يمكن أن يفعله بعد مرور الوقت الكافي له - لتطبيق مشروعه في مصادرة وتهويد واستيطان الأراضي الفلسطينية المتبقية، وإحضار مليون يهودي من الخارج ـ هو إعطاء 5-10% من الأراضي في هذه الدولة. ويريد كذلك أن يهبط الموقف الفلسطيني العربي والدولي إلى مستوى هذه الفكرة ويقلع نهائيا عن فكرة الحل النهائي السريع، ويبدأ باعتماد الحلول الانتقالية. فهذا الوضع يجعله يتفاوض من موقف أقوى، اما حزب الليكود الذي يتزعمه شارون فقد عارض ولا يزال فكرة الدولة الفلسطينية معارضة جماعية، وهو ما يجعل شارون مضطرا إما إلى تبني موقف حزبه أمام العالم، أو خوض انتخابات تكون في غير صالحه أمام منافسه «نتانياهو»، أو تحدي حزبه وخوض مغامرة الانتخابات عبر تشكيل حزب جديد من شأنه أن يقلل الفرص المتاحة لديه الآن. بوش إذن اهدى اسرائيل اكثر من مخرج لأزمتها التي ردد محللوها السياسيين انه لا مخرج منها، وهو بذلك كرس اعتبار اسرائيل كركيزة اساسية في المنطقة لضمان المصالح الأميركية وتخلص من وجع ممض شكله الضغط الإسرائيلي باتجاه انهاء الشوكة الفلسطينية للأبد وبضوء اخضر لايجرؤ احد على الإطلاق معارضته