تناولت الحلقات الماضية من محاضر الاجتماعات مناقشات أكدت انتصار الرئيس جمال عبدالناصر لفكرة الفصل بين السلطات والقبول بمبدأ التعددية السياسية ووجود روح من المراجعة. كما تبرز المحاضر ان مصر التي كانت تجند كل طاقاتها للمعركة مع اسرائيل كانت قادرة في الوقت نفسه على احداث تنمية اقتصادية كبيرة تتيح لها المحافظة على استقلالية القرار. واستعرضت الحلقات مناقشة العلاقات المصرية الأميركية في اجتماعات اللجنة المركزية للاتحاد الاشتراكي والضغوط التي تمارسها واشنطن على القاهرة حتى تعيد هذه العلاقات واشتراط العاصمة المصرية أن يسبق ذلك تأييد أميركا لمطالب العرب بانسحاب اسرائيل الكامل الى حدود 4 يونيو 67. كما ناقشت المحاضر السابقة كيف تعاملت مصر مع أول مشروع اسرائيلي للتسوية واعتباره مشروع استسلام. وتوضح الحلقات اهتمام الرئيس بالأوضاع الداخلية وانتقاداته المريرة لأجهزة السلطة حينما تقصر في الوفاء بمتطلبات الجماهير وكذلك مطالبته بإصلاح مناهج التعليم، وتكوين أطر سياسية تتمكن من استيعاب الطلاب والتعامل معهم بسماحة، حيث تؤكد المناقشات التي عرضناها ان مظاهرات فبراير 68 لم تعتقل السلطات المصرية بعدها غير ثلاثة أشخاص رغم ان كل المتورطين يعتبرونها أخطر احتجاج تعرضت له مصر في عهدها الناصري. خلال خمس جلسات للجنة المركزية (من الاجتماع العاشر وحتى الثالث عشر) والتي عقدت من 11 ديسمبر 68 وحتى 5 فبراير 69 تمت مناقشة مبادرة أميركية اقترحها دين راسك وزير الخارجية وردت مصر عليها، ومن أبرز نقاط الرد رفض الحلول المنفردة ورفض توقيع وثيقة مع اسرائيل لأنها كيان يتنكر لتعهداته، وإذا تم التوصل الى حل شامل يمكن توقيع الوثيقة مع مجلس الأمن الدولي وليس مع تل أبيب، كما ناقشت الجلسات ـ وفقاً للمحاضر ـ عودة العلاقات مع أميركا باعتبارها في نظر البعض يمكن أن تسهل حل الصراع ـ فرد الرئيس ناصر بالقول ان علاقات الملك حسين مع أميركا لم تدفع واشنطن للضغط على تل أبيب حتى تنسحب من الضفة الغربية المحتلة. واستعرضت الجلسات فكرة اقامة جبهة شرقية متماسكة في مواجهة العدو الصهيوني تضم الأردن والعراق وسوريا وتتيح نقل قوات عراقية إلى الأراضي الأردنية ونجاح مصر في تكوين هذه الجبهة وكذلك جبهة غربية تعتمد على مصر والجزائر وتتيح نقل ألوية جزائرية الى ساحة الحرب المصرية. وتبرز محاضر الجلسات قناعة السلطات المصرية بأن اسرائيل لن تنسحب من أي شبر عربي إلا اذا أحست ان العرب يمتلكون قوة عسكرية هجومية تمثل خطراً عليها وتهديداً لأمنها. وكذلك قناعتها بصعوبة ايجاد موقف متوازن للسياسة الأميركية يجعل واشنطن تلعب دوراً عادلاً في الصراع العربي ـ الصهيوني. وفيما يخص القضايا الداخلية انتقد ناصر بمرارة تقصير الحكومة في الوفاء بمتطلبات الجماهير، ووجود بطالة وارتفاع أسعار وتجاوزات قانونية يرتكبها المحافظون منها وضع أراض تحت التحفظ خلافاً للقانون. وقال ناصر ان عدم الوفاء بالمتطلبات الاجتماعية للجماهير هو الذي يجعلنا كمن نوفر مناخاً لقوى الثورة المضادة. مبادرة أميركية عُقدت الجلسة العاشرة للجنة المركزية للاتحاد الاشتراكى العربى فى الساعة السابعة والدقيقة الخمسين مساء يوم 11 من ديسمبر 1968 برئاسة الرئيس جمال عبد الناصر. بدأت فعاليات الجلسة بعرض الرئيس جمال عبدالناصر جدول أعمال الاجتماع على أعضاء اللجنة ـ بحضور أعضاء اللجنة التنفيذية العليا ـ وتناول شرح تطور الأوضاع العسكرية والسياسية بين دول المواجهة وإسرائيل، خاصة فى ضوء الزيارة الأخيرة التى قام بها للقاهرة «جونار يارنج» مبعوث الامين العام للأمم المتحدة إلى الشرق الأوسط،، والمقابلة التى تمت بين وزير الخارجية المصرى محمود رياض و«ويليام سكرانتون» مبعوث الرئيس الأميركى المنتخب «ريتشارد نيكسون». واستعرض محمود رياض ـ وزير الخارجية ـ مقترحات «دين راسك» وزير الخارجية الأميركى، لحل أزمة المواجهة بين مصر وإسرائيل، والتى دارت حول سبعة نقاط أساسية هى : ـ انسحاب إسرائيل من الأراضى المحتلة. ـ إنهاء حالة الحرب. ـ فتح الممرات المائية للملاحة بمجرد إنهاء حالة الحرب. ـ حل مشكلة اللاجئين بأن يسأل ـ من وجهة نظر أميركا ـ اللاجئ عن البلد الذى يجب أن يستوطنه. ـ «تحديد» السلاح فى المنطقة. ـ تواجد قوات دولية فى شرم الشيخ، على ألا تنسحب هذه القوات إلا بناءً على قرار من مجلس الأمن أو الجمعية العامة. ـ التوقيع على «وثيقة» مع إسرائيل. وهى بنود تعكس الرؤية الأميركية ومشروعها المقترح للتسوية، وقد حدد الرئيس عبد الناصر أبعاد الرد المصرى على المشروع الأميركى المقترح فى نقاط محددة ففيما يتعلق بالبند الخاص برؤية الولايات المتحدة لموضوع الانسحاب الإسرائيلى من الأراضى العربية، فقد كان الرد المصرى الذى ورد فى تقرير وزارة الخارجية على هذه النقطة كالتالى: «أما بالنسبة لموضوع الانسحاب، فقد أوضحنا أن هذا الموضوع متكامل بالنسبة لكل الدول العربية، وأن قرار مجلس الأمن يشمل الانسحاب من كافة الأراضى وليس من الأرض المصرية فقط. كما ذكرنا أن مصر مرتبطة بالتزامات عربية مع الدول العربية الأخرى، وبالتالى لا يمكن إنهاء حالة الحرب ما لم تنسحب إسرائيل من كافة الدول العربية، وأوضحنا أيضاً أنه حتى تعلن إسرائيل إنهاء حالة الحرب، فإن هذا لا يكون له معنى ما لم تنسحب أيضاً من كافة الأراضى العربية، أما فيما يتعلق بالنقاط الأخرى، فأقول بالنسبة لنقطة إنهاء حالة الحرب: إننا بطبيعة الحال كررنا موقفنا.. إننا على استعداد لإنهاء حالة الحرب، ولكن لا يمكن أن يكون إنهاء حالة الحرب نافذ المفعول، إلا إذا انسحبت إسرائيل من كافة الأراضى العربية». أما فيما يتعلق بالرد المصرى على البند الخاص بتوقيع «وثيقة» مع إسرائيل فقد جاء الرد موضحاً أن إسرائيل، وليس الدول العربية هى الطرف الذى لم يف بأى تعهدات، وأن الحقائق التاريخية التى يشهدها الصراع العربى الإسرائيلى من يوم اندلاع الأزمة فى عام 1947 وحتى عام 1967 توضح أنها دائماً تتنكر لتعهداتها، حيث تضمن تقرير وزير الخارجية ما يلى : «أما عن موضوع الوثيقة التى يُطَالِب دين راسك بأن نوقعها مع إسرائيل، فكان ردنا: «إن التجربة مع إسرائيل أثبتت أنها دائماً تتنكر لتوقيعاتها. وأن هناك أربع اتفاقيات وقعتها فعلاً مع الدول العربية ـ هى اتفاقيات الهدنة التى وقعت سنة 1949 ـ وقد تنكرت إسرائيل لجميع الاتفاقيات. ولذلك فى رَأْيِنا أن يكون الالتزام أمام مجلس الأمن، وليس مع إسرائيل، وعلى هذا الأساس قلنا: إننا على استعداد أن نوقع على وثيقة نقدمها لمجلس الأمن، نتعهد فيها بتنفيذ التزاماتنا الواردة فى قرار مجلس الأمن، على أن تقوم إسرائيل بنفس الشيء». كما طالبت الدبلوماسية المصرية بوضع نقطة ثابتة فى مذكرة وزير الخارجية الأميركى ـ دين راسك ـ تتمثل فى ضرورة قيام الولايات المتحدة بدورها فى الضغط على إسرائيل على أن يكون ضغطاً ذا تأثير ينتج عنه استجابة إسرائيلية بالانسحاب من كافة الأراضى العربية التى احتلتها على أثر العدوان الذى قامت به فى 5 يونيو سنة 1967، وإنه إذا اتخذت الولايات المتحدة هذا الموقف، فإن ذلك سيتفق مع سياستها التى سبق أن أعلنتها، بأنها تؤيد استقلال دول المنطقة، وسلامتها، وهى سياسة معلنة لأربعة رؤساء جمهوريات أميركية ابتداءًا من ترومان وايزنهاور وكيندى وأخيراً جونسون، وقد انعكس ذلك فى تعليق الرئيس جمال عبد الناصر على عدم توازن السياسة الأميركية تجاه الصراع العربى الإسرائيلى: «قد يقول بعض الناس إن قطع العلاقات بيننا وبين أميركا.. هو اللى معقد الموقف.. ومخليهم ما بيضغطوش على إسرائيل. بنيجى هنا بناخد مثلاً الملك حسين.. فيه علاقات بينه وبين أميركا ـ وهو يعنى موالى لأميركا أكثر منا.. ده معروف ـ واحنا قلنا له بتروح أميركا وتقابلهم.. لن نعارضك فى أى شئ فى سبيل انسحاب إسرائيل.. وراح وعمل، ولكن أميركا لم تضع هذا أبداً فى حسابها، وأيدت إسرائيل تأييداً كاملاً. والأردن أَدِينا زى مااحنا شايفين بينضرب كل يوم من إسرائيل، فاللى فاهم ان عدم العلاقات بيننا وبين أميركا هو اللى بيأثر فإن هذا فهم غلط. إذا حَلت أميركا للمك حسين ـ اللى هو راجلها ـ مشكلته يبقى أنا تانى يوم أعيد العلاقات مع أميركا علشان نحل الموضوع. لكن الموضوع ماهواش أبداً بهذه البساطة.. الموضوع كما قيل إن إسرائيل تريد أن تتوسع». ثم استطرد وزير الخارجية فى استعراض ردود الأفعال الدولية والإقليمية بشأن الرد المصرى على المقترحات الأميركية حول تسوية النزاع بصورة سلمية بين الدول العربية وإسرائيل. وانتهى التقرير بعرض المخطط الإسرائيلى من أجل التسوية وفقاً لتصريحات «ليفى أشكول» رئيس وزراء إسرائيل، فى 5 و 11 نوفمبر 1968،ثم تصريحات «موشى ديان» وزير الدفاع الإسرائيلى، الذى يتلخص فى النقاط التالية: ـ ضم القدس. ـ عدم عودة القوات العربية إلى الأراضى، أي الأراضى التى تحتلها إسرائيل الآن. ـ وجود قوات إسرائيلية أو نقط إسرائيلية فى سيناء، والضفة الغربية، ومرتفعات الجولان. ـ بناء مستعمرات فى هذه المناطق. ـ إدماج الضفة الغربية وغزة إدماجاً اقتصادياً مع إسرائيل. وأشار تقرير وزير الخارجية محمود رياض إلى قيام إسرائيل بتنفيذ هذا المخطط منذ عام 1948 عندما لجأت إلى التوسع واحتلت 20% من الأراضى العربية، مستشهداً بقول «بن غوريون عندما قامت إسرائيل بعد حرب 1948: «ليست هذه هى نهاية كفاحنا، بل إننا اليوم بدأنا، وعلينا أن نمضى لتحقيق قيام الدولة التى جاهدنا فى سبيلها من النيل للفرات». ومنذ عام 1948 وحتى عام 1955 أكد «بن غوريون» أنه سيستخدم كل الوسائل الممكنة للتوسع جنوباً قائلاً فى خطابه بمنطقة بير السبع عام 1952: «ليفهم الجميع أن إسرائيل قامت بالحرب، وأنها لن تقنع بما بلغته حدودها حتى الآن. إن الإمبراطورية الإسرائيلية سوف تمتد من النيل إلى الفرات». وتشهد أحداث الغزو الإسرائيلى لمنطقة العوجه بقطاع غزة عام 1955، ثم عدوانها بالاشتراك مع فرنسا وبريطانيا عام 1956 على سياستها التوسعية التى ظلت تتحين الفرص حتى دانت لها فى مؤامرة يونيو 1967، وبعدها أعلنت إسرائيل أنها قد احتلت أرضاً جديدة ولن تعود إلى حدودها السابقة. سوريا.. والقرار (242) وحول موقف سوريا من تنفيذ إسرائيل لقرار مجلس الأمن الصادر فى 22 نوفمبر 1967، خاصة وأن زيارة «ويليام سكرانتون» مبعوث الرئيس الأميركى «ريتشارد نيكسون» للقاهرة قد ناقشت الموقف السورى الرافض للقرار حيث تساءل سكرانتون: كيف تنسحب إسرائيل من الأراضى العربية، فى الوقت الذى ترفض فيه سوريا تنفيذ قرار مجلس الأمن، أو حتى إعلانها مجرد قبولها لتنفيذ القرار؟. وجاء الرد المصرى واضحاً وقاطعاً كاشفاً للمخطط الأميركى الإسرائيلى الهادف إلى دعم إسرائيل فى مواجهة الدول العربية مادياً ومعنوياً، فقد أعلنت القيادة السياسية المصرية «أن إسرائيل نفسها رفضت تنفيذ القرار، فكيف نطالب سوريا اليوم بتنفيذ القرار فى الوقت الذى ترفض فيه إسرائيل ذلك». وبالتالى فإن مصر إذا وافقت على هذا المنطق فمعناه أنها قد قبلت الحل الفردى لقضايا الصراع العربى الإسرائيلى الذى ترغب فى فرضه كل من واشنطن وتل أبيب، وهو ما يؤدى فى النهاية إلى تفرقة القضايا العربية. وحول دور مصر فى تكوين جبهة مواجهة شرقية تجمع ما بين الأردن وسوريا والعراق رغم التباين الإيديولوجى بين الدول الثلاث، علق الرئيس عبد الناصر خلال مناقشاته مع الأعضاء فى هذا الاجتماع قائلاً: «احنا منذ عدة شهور بنسعى لإقامة جبهة شرقية متماسكة، متكونة من الأردن وسوريا والعراق.. والحقيقة العملية من الناحية السياسية عملية صعبة جداً؛ نظراً للتباين بين الدول الثلاث. ولكن الفريق فوزى أخذ العملية على عاتقه، وسافر حتى سراً بدون إعلان، ولغاية ما وصلنا إلى اتفاق.. احنا يمكن الوسطاء فيه، لأن السوريين مش عايزين يتعاونوا مع الأردنيين سياسياً، لكن مستعدين يتعاونوا عسكرياً. وأيضاً العراقيين. كان لهم بعض مشاكل.. والفريق فوزى سافر وراح هنا وهناك، ووصل إلى اتفاقية لإقامة القيادة الشرقية.. الكلام ده من عدة شهور.. وكان باين إن الاتفاقية عاوزه بعض الوقت حتى تثبت أنها اتفاقية فعالة، وكان الغرض هو دفع قوات عراقية أكثر إلى الجبهة الأردنية، ثم تعيين قيادة شرقية أرضية وجوية، هذا الكلام الحقيقة مشى سراً لفترة طويلة، ولكن اتعرف بعد كده.. لأن «ديان» اتكلم عنه الأسبوع الماضى.. واتكلم عن عملية القيادة الشرقية كلها». وعن العلاقة الوثيقة بين العناصر اليهودية والإدارة الأميركية، وانعكاساتها سلبياً على معالجتها لأزمة الشرق الأوسط وقضايا الصراع العربى الإسرائيلى عرض الأعضاء والرئيس جمال عبد الناصر تقييماً شاملاً للموقف الأميركى مؤكدين أنه فى ظل سيطرة العناصر اليهودية على البيت الأبيض، ودورها الفعال فى توجيه السياسة الأميركية فى الشرق الأوسط، وكذلك وجودهم فى الكونغرس كأعضاء فى مجلس الشيوخ والنواب إلى جانب السيطرة على وسائل الأعلام، فمن الصعب إيجاد موقف متوازن للسياسة الخارجية الأميركية يستطيع لعب دوراً عادلاً بين الدول العربية وإسرائيل. فقد أضاف محمود رياض وزير الخارجية تعليقاً على ذلك: «إذا تصورنا فى تقييمنا للولايات المتحدة أنه قد يكون من الممكن أن تغير سياستها الحالية، وأن تقف موقفاً آخر مغايراً تماماً لهذه السياسة، فإننى اعتقد أن هذا تقدير بعيد عن الواقع، بل إن ما حدث فى سنة 1956 قد يكون موجهاً ضد الإنجليز والفرنسيين أكثر مما هو موجه إلى إسرائيل». وفى تعليقه على تقرير وزير الخارجية الذى تستعرضه اللجنة المركزية قال الرئيس جمال عبد الناصر: «هناك فى أميركا من يؤيد توسع إسرائيل، ولن يحل الموضوع إلا إذا وصلنا إلى قوة عسكرية هجومية تُشعر إسرائيل أنها خطر يهددها، فى هذا قد تقبل إسرائيل بالحل السلمى والانسحاب، أما إذا لم نصل إلى هذه القوة العسكرية الهجومية، فإسرائيل ليه تنسحب؟.. بتعقد الأمور على أساس إن ممكن الأمور تنهار من الداخل ـ فى الجبهة الداخلية ـ وممكن يدفعوا مليون دولار، واثنين مليون دولار، وخمسين مليون دولار. وهُم حتى ميزانية قواتهم المسلحة أكبر من ميزانيتنا. إذا حصل انهيار ممكن هم يحققوا أهدافهم بسهولة. إسرائيل لن تنسحب فى رأيى إلا إذا شعرت بان إحنا عسكرياً قادرين على عمل هجومى». وفيما يتعلق بموضوع عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى أراضيهم أكد تقرير وزير الخارجية أن الموقف المصرى فى هذا الموضوع هو تأييد قرارات الأمم المتحدة، وأنه ليس من حق أى فرد أو دولة أو جهة مناقشة الأمور المتعلقة باللاجئين فى معزل عن القضية الأساسية وهى عودة الأرض الفلسطينية إلى أهلها، معلناً أن وجهة نظر وزير الخارجية الأميركى «دين راسك» فى هذا الموضوع هى استقصاء رأى اللاجئين على اعتبار ـ فى رأيه ـ أن عدداً كبيراً منهم لن يقبلوا العودة إلى مناطق تحكمها إسرائيل، وبالتالى فإن اقتراحه بسؤال اللاجئين ما بين العودة أو التعويض لا يتعارض كثيراً مع قرار مجلس الأمن فى نفس الوقت يحقق رغبة أميركا فى عدم عودة اللاجئين بصورة جماعية. وقد عقب الرئيس جمال عبد الناصر على ذلك قائلاً: «ده غير مقبول من إسرائيل عودة أى حد من اللاجئين.. بيقولوا إنهم يعملوا لجنة تبحث موضوع توطين العرب اللاجئين. والحقيقة فيه واحد منذ عدة سنوات، كان بيتكلم على عودة 20 ألف لاجئ ـ أو شيء من هذا القبيل ـ إلى فلسطين، واحنا قابلناه.. واتكلمنا معاه فى هذا الموضوع، ولكن إسرائيل رفضت حتى قبول الـ 20 ألف وده واضح ان إسرائيل لن تقبل عودة أحد من اللاجئين». الخلافات العربية العربية وفى رده على سؤال وجهه إليه أحد أعضاء اللجنة حول وجود خلاف بين الحكام العرب بشأن سبل معالجة القضية الفلسطينية، وهل هناك عقبات حقيقية تحول دون عقد مؤتمر قمة خلال تلك الفترة لمناقشة تطورات الأوضاع السياسية والعسكرية عربياً قال الرئيس جمال عبد الناصر: «بالنسبة لمؤتمرات القمة، أنا دعيت لمؤتمر قمة، ولكن حصل تهرب من هذا المؤتمر. الحقيقة هو السعوديين قالوا انهم مستعدين يحضروا المؤتمر فى حالة إعلان فشل مهمة «يارنج»، والحقيقة أن رؤيتنا فى هذا الوقت، ان إحنا نطلب عقد المؤتمر حتى نخطط عسكرياً ماذا نفعل فى حالة فشل مهمة «يارنج».. فى نفس الوقت سوريا ترفض أيضاً حضور مؤتمرات القمة، لأنها بتنادى بإن مافيش داعى للمؤتمرات ومافيش فايدة. وبرضه تكملة للكلام اللى أنا قلته عن الجبهة الشرقية، احنا أيضاً نبص إلى ان احنا نعمل جبهة غربية اللى هى أساساً مبنية علينا وعلى الجزائر، احنا عندنا دلوقتى لواء جزائرى موجود، وهدفنا نجيب قوات جزائرية أكبر، وأمكن الاتفاق مع الجزائر على التحرك فى هذا الخصوص». واستطرد الرئيس فى شرحه لموقف كل من الكويت وتونس والسودان والمغرب من سياسة مؤتمرات القمة العربية وجدواها خلال تلك الفترة. وحول سؤال بشأن شركات البترول العاملة فى الأرض العربية ومدى إمكانية استغلالنا لنفوذها، بهدف عمل موازنة بين نفوذ البترول العربى والنفوذ الصهيونى فى أميركا، ذكر الرئيس أن استثمار شركات البترول فى المناطق العربية ليس له تأثير فعال على الولايات المتحدة الأميركية، مستشهداً بأن إجمالى ما تصرفه واشنطن على حربها فى فيتنام فى أربعة أيام يساوى استثمار شركات البترول العاملة فى الأراضى العربية بمنطقة الشرق الأوسط. وانتهت الجلسة من مناقشة الوضع السياسى إلى مناقشة دور التنظيم السياسى ـ الاتحاد الاشتراكى ـ فى عمليات الترشيح والانتخاب لمجلس الأمة، بحيث تكون العضوية العاملة فى الاتحاد الاشتراكى شرطاً من شروط الترشيح لعضوية مجلس الأمة، بهدف تضييق النطاق على عناصر الثورة المضادة؛ لمنعها من التسلل إلى مقاليد السلطة التشريعية. ثم تلا ذلك مناقشة العلاقة بين اللجنة المركزية والسلطة التنفيذية من خلال الرقابة والمتابعة، وفقاً لنصوص قانون تنظيم الاتحاد الاشتراكى وتحديد اختصاصات اللجنة التنفيذية العليا. البطالة والثورة المضادة عُقدت الجلسة الحادية عشرة للجنة المركزية للاتحاد الاشتراكى العربى فى الساعة الثامنة مساء يوم 12 ديسمبر 1968، برئاسة الرئيس جمال عبد الناصر. بدأ الاجتماع باستكمال البحث فى علاقة الاتحاد الاشتراكى بانتخابات مجلس الأمة ما بين مؤيد ومعارض. ثم مناقشة الأسباب التى أدت إلى تهيئة مناخ يساعد على نمو وظهور عناصر الثورة المضادة داخل المجتمع المصرى فى ظل الظروف الاجتماعية والاقتصادية التى فرضتها مرحلة النكسة فى عام 1967، كما بينها الرئيس جمال عبد الناصر فى معرض رده على سؤال حول حتمية دور التنظيم السياسى ـ الاتحاد الاشتراكى ـ فى الانتخابات قائلاً: «الثورة المضادة لا تستطيع أن تحيا إلا إذا احنا إديناها المناخ والوسائل اللى تحيا بها. والحقيقة فى الفترة اللى فاتت ساعدنا على هذا بعدة سبل: مثلاً خطة التنمية انكمشت، وبهذا فيه بطالة.. حصل مثلاً ان الأسعار ارتفعت.. ثم حصلت الهزيمة اللى هى أكبر شيء.. حصل ان احنا بَطلنا نبنى مساكن.. حصل ان عندنا مساكن فاضية ومابنسكنهاش.. حصل ان احنا بنقول ان عندنا عربيات بنبيعها بالعملة الصعبة للى عنده عملة صعبة.. يعنى فيه تفرقة طبقية، بندى ـ الحقيقة ـ بهذا للثورة المضادة أسباب بتقدر تروح لكل واحد». موضحاً أن علاج الثورة المضادة فى هذه المرحلة الحرجة يتلخص فى استيفاء الاحتياجات والمتطلبات الاجتماعية لجماهير الشعب المصرى، وتبنى مشاكل الجماهير والعمل على حلها موجهاً الحديث إلى الأعضاء بقوله: «ليه احنا مانتبناش مشاكل الجماهير «يعنى معروف.. وقلنا عشرين مرة ان القيادة هى تَبَنِى مشاكل الجماهير، وإيجاد الحل لها.. انتم شُغْلِتْكُم هى تَبَنيّ مشاكل الجماهير، وتيجوا تقولوا لنا: مشاكل الجماهير كذا.. ولازم تحلوها، بنقول ان احنا بنحل النهار ده 20%، وبكره 50%، وبعد بكره 60%.. وبترجعوا للناس وتقولوا لهم: آدى المشكلة.. وآدى البير وغطاه، حنحل لكم النهار ده 20%، والسنة الجاية 40%، والسنة اللى بعدها 80%.. احنا اللى يجب أن نتبنى مشاكل الجماهير.. ليه نترك أعداءنا تتبنى مشاكل الجماهير». وانتهت الجلسة بعرض اقتراح بمشروع قرار خاص بتنظيم الترشيح والانتخابات لمجلس الأمة، ومناقشات الأعضاء بشأنها. القطاع العام والفساد عُقدت الجلسة الثالثة عشرة للجنة المركزية للاتحاد الاشتراكى العربى فى الساعة السادسة والدقيقة الأربعين من يوم 5 فبراير 1969 برئاسة الرئيس جمال عبد الناصر. دارت مناقشات الجلسة حول القطاع العام وانحراف بعض شركاته، وميزانية الدولة وخطتها الاقتصادية، والأسعار والتحكم فى السوق، والمشاكل التى واجهت صناعة الغزل والنسيج ومصانعها فى المحلة الكبرى خاصة فى ظل تزايد الطلب على المنسوجات للسوق المحلى، وكذلك بالنسبة لزيادة عمليات التصدير للخارج، وقضايا الحراسة والتحفظ التى فرضت على بعض المواطنين فى محافظة الإسماعيلية عام 1965ونتائجها على طبيعة العلاقة بين المالك والمستأجر فى الأرض الزراعية والأحداث التى ترتبت على ذلك فى أحداث قرية «كمشيش» بالمنوفية، والمنصورية، والعياط. وفى حواره مع أعضاء اللجنة خلال الاجتماع حول النقاط السابقة قال الرئيس جمال عبد الناصر: «هو فى الحقيقة فيه حاجات كثيرة بهذا الشكل موجودة فى القطاع العام؛ وبالذات بالنسبة للأسعار الخاصة بالتحكم فى السوق.. ورفع الأسعار.. وأخذ عمولات كثيرة، واحنا بنعتقد من ناحية المراقبة ـ اللى احنا قلنا عليها ـ نقَدر كل هذه الأمور، لأن الأمور تايهة ماحَدش أبداً بيقدر يِلمها.. يعنى عشرات الألوف من الموضوعات، نقدر لو عرفنا موضوعات محددة واضحة، ان احنا بِنْحِلّ فيها». كما ناقشت الجلسة كيفية معالجة الأحداث التى وقعت فى بعض القرى بشأن رفع الحراسة عن بعض الأراضى التى كانت تمتلكها بعض الأسر مؤكداً أن وضع الأرض تحت التحفظ هو إجراء غير قانونى، فقد أضاف الرئيس جمال عبد الناصر فى مناقشاته حول موضوعات التحفظ والحراسة: «أنا لما سمعت على موضوع كمشيش.. سمعت إن الأرض كانت تحت الحراسة، ورُفعت عنها الحراسة، ثم سألت عن الاسم، هل ده كان تحت الحراسة؟.. استغربت، فقالوا لى : «لأ.. ماكنش تحت الحراسة». وبعدين سألت عن موضوع تانى، فقالوا: «ده تحت التحفظ». سألت إيه يعنى التحفظ لأنه مفيش حاجه اسمها تحت التحفظ، فقالوا: «تحت التحفظ، يعنى المحافظ بيحط الأرض تحت التحفظ» فأنا قلت هذا الإجراء غير قانونى. لأنه ليس من سلطة المحافظ انه يحط أى أرض تحت التحفظ، وأى عمل غير قانونى بيدخلنا فى اشكالات». وقد استحوذت القضايا الخاصة بمشاكل الفلاحين والأراضى الزراعية على معظم مناقشات أعضاء الجلسة، كما كان لمعالجة أزمة البطالة نصيباً كبيراً من المناقشات، لما يترتب عليها من آثار اقتصادية واجتماعية سيئة، كما بحث الأعضاء سبل مواجهة الزيادة المستمرة فى أعباء المعيشة بين المهجرين، من خلال العمل على استمرار نظام التكافل الاجتماعى وتعبئة كافة القوى الاجتماعية للمساهمة فى توفير المبالغ التى تستطيع بها الدولة مواجهة الأعباء الإضافية الجديدة،وفى تعليقه على مشاكل المهجرين قال الرئيس عبد الناصر: «هو بالنسبة لمشاكل المهجرين، احنا فى كل جلسة فى مجلس الوزراء بنبتدى ببحث هذا الموضوع، يعنى فى كل انعقاد بنبحث فى هذا الموضوع الحقيقة بالنسبة للتكافل، هو الضرايب الجديدة.. مافيش إمكانية ان البلد تتحمل أى ضرايب جديدة، حتى ان احنا لما عملنا قانون الدمغة ده، كان مفروض حيجيب 10 مليون جنيه، واضطرينا نتراجع فى هذا القانون ـ بعد كده ـ ومانطبقوش، لأن الحقيقة، ارتفعت الأسعار مرتين، وفرضت ضرايب على حاجات كثير.. سجاير، ودفاع.. إلى آخره. فأنا فى رأيى، يعنى الناس ماحدش مستعد يدفع ضريبة مليم تانى.. يعنى وصلوا إلى الآخر، وده السبب اللى دعانا إلى أن نبحث فى تخفيض الأسعار». تكوين جيش شعبى كما ناقش الرئيس مع أعضاء اللجنة حول تكوين جيش شعبى لمواجهة مرحلة الضرب فى العمق التى بدأتها إسرائيل منذ عملية ضرب نجع حمادى، خاصة تأمين محافظات المنيا وأسيوط وسوهاج وقنا، ووضع خطة تجمع بين محافظى تلك المدن، ووزارة الحكم المحلى؛ لمواجهة ضربات العمق خاصة وإن إسرائيل وقتها كانت تمتلك 90 طائرة هليوكوبتر قادرة على التغلغل فى مدن الصعيد، ونظراً لأهمية تكوين هذا الجيش الشعبى قال الرئيس: «احنا بنعمل دلوقت كتائب.. هى كتائب الدفاع.. وهى اللى خدت العمليات الأساسية، عملنا حوالى 30 كتيبة، من أيام عملية نجع حمادى لغاية النهار ده، وكل شهر حننشيء عدد من الكتايب.. والجيش تولى مسئولية حاجات كثيرة جداً، ولكن حراسة الكبارى والقناطر تم بهذه الكتائب.. مش بالجيش العامل أصلاً.. اللى احنا بنجهزه لتحرير الأرض، لكن مانقدرش نبعته فى قنا وسوهاج ونجع حمادى، وللمدن والحتت دى.. مااقدرش أبعت كتايب لسه. هنا لازم نعتمد على الجيش الشعبى، والاتحاد الاشتراكى فى هذا اللى لازم يزكى الناس، وبالاتفاق مع المحافظين، ومع وزير الحكم المحلى، لكن أنا باقول: إن العملية دى مهمة جداً، وإلا حتيجى يوم تلاقى عندك اليهود جايين نازلين لك فى سوهاج.. ومافيش جيش عامل، حتعمل إيه». وانتهت فعاليات الجلسة ببحث تقرير اللجنة السياسية للاتحاد التى يرأسها محمد أنور السادات، الذى تناول عرض عام لمراحل النضال السياسى والعسكرى خلال تلك الفترة، ثم تقييم لما تم إنجازه من مراحل هذا النضال مع عرض نتائج المؤتمر العالمى الثانى لنصرة الشعوب العربية، الذى عُقد فى القاهرة خلال الفترة من 25 إلى 28 يناير 1969 على أعضاء اللجنة المركزية وأعضاء اللجنة التنفيذية العليا.