شهدت المجتمعات الاوروبية على مدى عدة عقود انتظاماً في ايقاع حياتها الاعتيادية، مطمئنة الى استقرار عملية الانتظام في دورة الحياة الحولية بما تشتمل عليه من دورات سياسية تستتبع الدورات الاقتصادية، الممتدة التي يكتنفها المد والجزر من ركود لكساد، وازدهار لتضخم كنتيجة للتقلبات المستمرة في الانتاج والمداخيل والاسعار والانفتاح على الاسواق العالمية، ومروراً بانتشار موسع لبعض «الظواهر» التي أصبحت تؤرق بال الساسة الاوروبيين، وحظيت باهتمام ملحوظ خلال عقد قممهم الدورية لاسيما القمة الأخيرة التي عقدت في مدينة اشبيلية الاسبانية (21 و22 يونيو الماضي). ومن الظواهر المهمة، ظاهرة «النزوح والهجرة غير المشروعة» من مناطق مختلفة في العالم الى الدول الاوروبية لتشكل اهتماماً بضرورة معالجتها والحد من تدفق الاعداد البشرية الهائلة وتواجدها ضمن مجتمعات تتباين معها فكرياً واجتماعياً وثقافياً، مما يجعل سيل المهاجرين بؤراً ثقيلة يصعب اندماجها في المجتمعات المستقبلية وما يتمخض عن ذلك من آثار ضارة وخطيرة. وتحاول الدول الاوروبية من خلال اتحادها ترتيب البيت الاوروبي باتخاذ قرارات وقوانين تضيّق الخناق على الجماعات المهاجرة بطرق غير مشروعة في ظل منطلق استراتيجي، ولغة ونمط جديدين، حيث ان تفاقم هذه الظاهرة لا يجد له المبرر الملائم لدى الاوساط الاوروبية التي باتت تجاهر بالدوافع العديدة لهذه الظاهرة، ومنها مخلفات نظام العولمة «استناداً الى ان الوجه الايجابي المهم للعولمة لا يلغي أو يحجب وجهها الآخر، حيث ان فوائدها الاقتصادية مازالت محصورة بالطبقات العليا في المجتمع فيما يخص دول الجنوب والعالم الثالث، فهذه الطبقات هي وحدها القادرة على الاستفادة من أدوات ووسائل المعلوماتية الحديثة، وهذا يعني ان العولمة تعيد النظام السابق نفسه من الظلم واللامساواة، بل تعممه على المستوى الكوني»، حيث نلاحظ انواعاً جديدة من التهميش والفقر الشديد ترافق نظام العولمة الحالي، والتي تؤدي الى تمركز ثروات فاحشة في أيدي البعض، ونزول أغلبية كبيرة تحت خط الفقر والجوع، ويجعل الحديث عما جلبته العوملة من حضارة للعالم «حديثاً ناقص الشرعية» ليفرز بدوره ظواهر تفتقر للشرعية، في مقدمتها الهجرة غير المشروعة بسبب تدهور اقتصادات العديد من الدول وانتشار البطالة وتصدير العمالة للدول الاوروبية بطرق غير قانونية. افرازات العولمة وفي هذا الاتجاه، وبعد ساعات على انتهاء مؤتمر القمة، تظاهر عشرات الآلاف من الناشطين المناهضين للعولمة في اشبيلية من جنسيات واتجاهات سياسية مختلفة مدافعين عن حقوق المهاجرين، وطالبوا بسياسة أكثر ليونة تجاه المهاجرين في أوروبا تحت شعار «لا يوجد شخص غير شرعي». كما حذرت مفوضة الأمم المتحدة لحقوق الانسان ماري روبنسون من ان الحرب الكونية على الارهاب، أسفرت العديد من النتائج، مشيرة الى اندفاع عدد من حكومات العالم لسن قوانين تمنحها سلطات طارئة لا تهتم كثيراً بالحقوق الانسانية، تحت ستار الحرب على الارهاب، وان منظمات حقوق الانسان جمعت أدلة على ان بعض الأنشطة السلمية اعتبرت ارهابا في بعض البلدان، وان اجراءات تتجاوز القوانين والحقوق أتخذت لكبت الحريات الخاصة وحق المحاكمات العادلة وحرية التعبير، وان انعكاسات هذه التجاوزات بدت على اللاجئين بصورة صارمة، مما يفضي الى القلق من اتساع «عقلية الحصار» التي انتشرت في الدول الاوروبية عقب هجمات 11 سبتمبر على الولايات المتحدة، والتي تفضي الى ان المهاجرين وطالبي اللجوء يحاصرون المجتمعات الغربية. وبهذا تشير الى صعود اليمين المتطرف في اوروبا عن طريق تغذية المخاوف من المهاجرين واللاجئين واحتجازهم في معسكرات لا تتوافر فيها مستلزمات العيش الملائمة. وبشكل عام، فإن خريطة الهجرات اللاشرعية صوب الدول الاوروبية مازالت في اتساع مستمر، ويؤكد جاك رودريك أحد المختصين في هذا المجال «إن المتوقع ان تطال آثار الهجرة غير القانونية وتتزايد أعدادها، حيث ان عمليات الهجرة هذه لا يمكن ضبط أعدادها بشكل دقيق، وتبقى الارقام الواقعية أكثر مما هو معلن، وذلك للحد من تأثير ما يحدث على حاضر ومستقبل البشرية»، في حين تذكر المصادر وحسب تقديرات غير رسمية بأن حوالي 500 ألف مهاجر يدخلون سنوياً لدول الاتحاد الاوروبي بشكل غير شرعي، ويتواجد حالياً ما يزيد على ثلاثة ملايين مهاجر غير شرعي لم يحسم أمرهم. ولعل السنوات الخمس الأخيرة تميزت بالهجرات غير المشروعة للدول الاوروبية نتيجة ايضاً لكثرة الحروب والنزاعات المسلحة والصراعات الدينية والطائفية، الى جانب انتشار الفقر والبطالة وحدوث الكثير من الكوارث الطبيعية المتمثلة في الزلازل والفيضانات والجفاف. ومن المؤشرات التي سجلتها منظمات دولية اعتماداً على احصاءات رسمية، ان 15% من شباب روسيا والجمهوريات السوفييتية السابقة وأوروبا الشرقية يرغبون في الهجرة (وبأي شكل كان) للدول الاوروبية لاسيما فرنسا وألمانيا وانجلترا وايطاليا بحثاً عن حياة أفضل وعن الأمن والاستقرار والهدوء بعيداً عن ضجيج الصراعات المسلحة والمماحكات السياسية الفوضوية والأزمات الاقتصادية الخانقة، وتتراوح أعمار معظمهم بين 18 و35 عاماً، ورغم القيود الصعبة، فكثيراً ما يسير المهاجرون لمسافات طويلة وسط الغابات والصحارى بحثاً عن مناطق آمنة لحياة أقل خشونة وقساوة. ولاشك ان الدول المتطورة والمستقرة أمنياً واقتصاديا كالدول الاوروبية لاتزال مصدر اغراء شديد وجاذبية بالنسبة لمئات الآلاف من البشر والمحبطين أمنياً واقتصادياً، وتشير احدى الاحصائيات الرسمية حول الموضوع الذي يجري طرحه بشكل جدي حالياً على أعلى المستويات في المحافل الدولية، الى ان السنوات المقبلة سوف تشهد نمواً ملفتاً في أرقام الهجرات غير المشروعة عالمياً، لتصل الزيادة الى 18% في أخطر ظاهرة عالمية منذ مطلع القرن الحادي والعشرين، وهي الثمرة الطبيعية والترجمة العملية لما يحدث من أزمات وضائقات اقتصادية وكبت للحريات تتضاعف يوماً بعد آخر وتنتقل عدواها من دولة لأخرى. خيار التهدئة في أعقاب هذه الحال، عقد الاتحاد الاوروبي العزم والتصميم على مكافحة الهجرات غير المشروعة ومناقشة القضية التي حظيت باهتمام بالغ في مؤتمر قمته الذي عقد الشهر الماضي، مستهلاً ذلك باجتماع لوزراء خارجية دول الاتحاد في لوكسمبورغ بتاريخ 17 يونيو الماضي للتحضير للقمة الدورية، حيث شكل موضوع تدفق المهاجرين غير الشرعيين على أوروبا البند الأول لجدول الأعمال. ويلاحظ في هذا المضمار، ان هناك اشارة لموجة الهجرة المتدفقة من دول المغرب العربي والذين عادة ما يلجأون لطرق غير قانونية للتواجد في الدول الاوروبية هرباً من مشكلات البطالة والحرمان الاجتماعي، فظاهرة البطالة تمس 45% من فئات الشباب في المغرب العربي مما يضطرهم للجوء لأساليب غير مشروعة للعمل في الدول الاوروبية، وتعتقد الحكومات الأوروبية ان تزايد أعداد المهاجرين العرب أثر بشكل كبير على سوق العمل وخلق مشكلات أمنية واجتماعية واسعة وأصبح المجتمع الاوروبي يعاني من ظاهرة البطالة في صفوف شبابهم مما حدا بالأحزاب اليمينية المتطرفة في اوروبا، كالجبهة الوطنية برئاسة جان ماري لوبن في فرنسا بمطالبة الحكومة باحلال المواطنين الاوروبيين محل العمالة العربية، وتوالت طروحات هذه الاحزاب لتلقى رواجاً في صفوف فئات المجتمع الاوروبي، انعكس بفوزهم في الجولات الانتخابية والشعارات التي صارت ترفعها الأحزاب المتطرفة اليمينية واليسارية، وبدأت تضغط على الحكومات الاوروبية لاتخاذ مواقف حازمة في موضوع الهجرة والتواجد غير القانوني للعرب المقيمين في دولها. ورغم ضغوط الرأي العام في الدول الاوروبية تجاه هذه القضية، فإن القادة الاوروبيين فضلوا اعتماد سياسة التعاون مع الدول النامية بعد سلسلة من التناقضات في الرؤية، وبداية كانت دعوة الرئيس الحالي للاتحاد الاوروبي (رئيس الوزراء الاسباني خوسيه ماريا أزنار) الى تبني سياسة متشددة بجانب النظر في تعليق المساعدات الاوروبية الى البلدان التي لا تكافح الاتجار بالمهاجرين والتزام هذه البلدان بأن تعيد المهاجرين غير الشرعيين وان تقوم بملاحقة عصابات المافيا، وفي حال لم تنفذ هذه الاجراءات فإن الاتحاد الاورووبي يحتفظ بحقه في اعادة النظر في تعاونه مع تلك الدول. وقوبل اقتراح الرئاسة الاوروبية المدعوم من بريطانيا وألمانيا بمعارضة شديدة من قبل فرنسا والسويد المدعومتين بدول أخرى مثل بلجيكا والبرتغال ولوكسمبورغ، واضطرت اسبانيا للتراجع وقبول حل وسط بعد ان كانت تطالب بانتهاج سياسة متشددة تتضمن فرض عقوبات على الدول التي لا تعتبر متعاونة بشكل كاف، وتمكن دعاة عدم اجراء ربط مباشر بين المساعدات للدول النامية والسيطرة على تدفق المهاجرين في فرض مطلبهم، وذلك يعني ابقاء الدول الاوروبية على امكانية اتخاذ اجراءات تستهدف بلداً معيناً في حال تم التأكد من (عدم تعاونه بشكل غير مبرر) في ضبط الهجرات غير الشرعية، ولابد أن يقرر أعضاء الاتحاد الاوروبي بالاجماع عدم وجود تعاون من هذا البلد لكي تفرض عليه تلك الاجراءات والتي لا ينبغي أيضاً أن تهدد التعاون في مجال التنمية. بجانب ذلك، جاء قرار دول الاتحاد بأن تتضمن اتفاقات التعاون والشراكة الجديدة التي يوقعها الاتحاد مع دول أخرى، بنداً حول (الادارة المشتركة لموجات الهجرة) وحول ضرورة قبول اعادة المهاجرين الى البلدان التي انطلقوا منها في حال ضبطهم من خلال تعزيز الرقابة على الحدود عبر العمل على انشاء دوريات مشتركة بدءاً من هذا العام على الحدود بين الدول المجاورة، بالاضافة لتعهد دول الاتحاد تقديم مساعدات تقنية ومالية الى الدول التي تشهد اعداداً كبيرة من المهاجرين لمساعدتها في ضبط حركة الهجرة وتطويقها بآليات فنية ومهنية وبمستويات عالية. وبهذا تكون دول الاتحاد الاوروبي قد تعهدت بضرورة الاهتمام على المدى الطويل لوقف موجات الهجرة، والتركيز على تنمية التعاون الاقتصادي والمبادلات التجارية والوقاية من النزاعات، الأمر الذي ينظر اليه القادة الاوروبيون على انه حل شامل ومتوازن ويرد بواقعية معتدلة. تأثير «الارهاب» وبناء على ما سبق، فإن المختصين والمحللين يشيرون الى وقوع الدول الاوروبية تحت تأثير أحداث 11 سبتمبر الأخيرة في الولايات المتحدة، ذلك ان هذه الدول متهمة بانها لاتزال تحتضن أوكار الارهاب وتسمح للارهابيين (حسب ما تراه واشنطن) بحرية الحركة ومنحهم حق اللجوء السياسي، بدافع حمايتهم من بطش حكوماتهم، لذا تحاول الدول الاوروبية تخفيف وقع الاتهامات ووضع حد لعملية النزوح والهجرة غير المشروعة لبلدانها، بما في ذلك اشارة الى ان تزايد أعداد المهاجرين لاسيما العرب من دول المغرب العربي يمكن ان تشكل تهديداً للأمن الاوروبي، لأن من بين هؤلاء المهاجرين هاربين من حكوماتهم ومتورطين في أعمال ارهابية وبالامكان ان يقوموا بأعمال مماثلة فوق التراب الاوروبي، إلا ان القوانين الاوروبية الحالية تمنع تسليمهم لكي لا يتعرضوا للتعذيب أو الاعدام والأحكام القسرية في دولهم. فمثل هذه القوانين التي تدافع عنها منظمات حقوق الانسان هي التي أوقعت بعض الخلافات بين الولايات المتحدة ودول الاتحاد الاوروبي، حيث طالبت الادارة الاميركية دول الاتحاد بمشاركة أقوى في محاربة ظاهرة الارهاب الدولي وملاحقة العناصر الارهابية واتخاذ اجراءات في حقها، وفيما بعد اتضح للادارة الاميركية ان العديد من دول الاتحاد الاوروبي لم تتعاون بالشكل المطلوب مع واشنطن، باستثناء تجميد أرصدة بعض العناصر الارهابية، وترفض بعض دول الاتحاد الاوروبي ايضاً كفرنسا مثلاً الانصياع للقرارات الاميركية. لكن مع ذلك فإنه يبدو ان الاجتماع الدوري الأخير لقمة الاتحاد الاوروبي ناقش وباهتمام موضوع الهجرة غير المشروعة لما له من فائدة تعود على المجتمعات الاوروبية، ولارضاء الادارة الاميركية التي ضغطت بكل قواها لكي تتخذ الدول الاوروبية قرارات مصيرية. وإذا كان في الحسبان ان لدى البعض جانباً من الايجابية تجاه مسألة (الهجرة غير المشروعة) فإن ذلك قد يندرج تحت مسألة التحويلات المالية في الخارج والتي قد تساهم بشكل كبير في الحد من الفقر والفاقة داخل أوطان المهاجرين، بجانب الأمور الأخرى التي تم التطرق اليها، ولكن أبرز سلبيات الهجرة تتمثل في خسارة طاقات فكرية وابداعية ضخمة في مختلف المجالات. وعليه، فإن ظاهرة الهجرة بتلك الطرق دليل على وجود خلل في النظام الاجتماعي ومؤشر على وجود قلق وهواجس ومخاوف في المستقبل نتيجة الأزمات التي تمر بها بلدانهم، حيث بات كل عربي متهماً بالارهاب حتى يثبت العكس، والمهم في ذلك ان هذه الاتهامات المسبقة والتي ليست في محلها باتت تشكل جزءا من تفكير وقناعة بعض المسئولين في المجتمعات الاوروبية التي مازالت تضم وتستقبل المزيد من المهاجرين، الأمر الذي دعا فيه المفوض الاوروبي للعلاقات الخارجية كريس باتن الى جولة في منطقة الشرق الأوسط يزور خلالها بعضا من دول المنطقة من ضمنها (مصر، الاردن، سوريا ولبنان) حيث سيركز المفوض الاوروبي خلال هذه الزيارة على سبل تدعيم التعاون السياسي والاقتصادي بين دول الاتحاد الاوروبي والدول العربية الأربع على كافة المستويات، وايضاً من أجل تمسك الاتحاد بتفعيل علاقاته مع دول «حوض المتوسط» من خلال دعم الجهود التي تبذلها هذه الدول لتحقيق التنمية ورفع مستوى المعيشة واللحاق بالتقدم التكنولوجي التقني في العالم الغربي والمشاركة في ايجاد الحلول لبعض الأزمات التي تمر بها المنطقة. ـ كاتبة عراقية