طالما استمر تفاقم الخلل بين الشمال والجنوب، لن تجدي سياسة دعم ترسانة الاجراءات العقابية - سواء استهدفت افرادا أو دولا - في الحد من عمليات الهجرة غير المشروعة، إذ أنه في غياب استراتيجية، تعتمد على المشاركة البناءة، والحوافز الايجابية، ونبذ الأنانية المفرطة التي تفشت بين دول الشمال، فلا يمكن تلمس حل حقيقي لتلك المشكلة، وسوف يكون هناك دائما آليات مبتكرة للتحايل على تشديد القيود، وارتفاع الأسوار حول الحدود! وربما اكتشف أنصار سياسة فرض العقوبات مدى قصر نظرهم، ولكن في الوقت الخطأ! وثمة حقائق لا يجب اغفالها عند التعاطي مع مشكلة الهجرة غير المشروعة، حتى يمكن وضع القدم على أول الطريق الصحيح، لعلاج ظاهرة أصبحت تزاحم على صدارة الأنشطة التجارية غير القانونية، حتى أن منظمة التعاون الأمني الأوروبي قد حذرت ـ قبل وقت قريب ـ من أن تجارة تهريب البشر عبر الحدود، تفوقت على تجارة المخدرات، إذ أن الأولى ـ رغم، تواضع أرباحها مقارنة بالثانية ـ أقل من حيث مخاطرها! أولى الحقائق الصادمة تتمثل في أن الأمر لا يتعلق بعناصر الجذب في الشمال المتقدم فحسب، لكنه يرتبط بالقوة ذاتها بعوامل الطرد في الأوطان الأصلية للمهاجرين، بعد اتساع هوة الفقر بين الدول الأقل نموا، والدول الغنية، فضلا عن غياب الديمقراطية، وانتهاك حقوق الانسان، بدرجة تجعل الأعناق تشرئب دائما الى موطن آخر للثروة والحرية، وقد سجل آخر تقرير للتنمية الانسانية العربية لعام 2002 أن نصف المراهقين في العالم العربي يرغبون في الهجرة لعدم رضاهم عن الأوضاع الراهنة وحتى الفرص المستقبلية في بلدهم الأم! الحقيقة الثانية تتبدى في تسخير آليات العولمة لخدمة الدول الغنية، وضد الدول الفقيرة - على طول الخط - سواء تمثل ذلك في اتفاقية الجات، أو نموذج الاصلاح الهيكلي الذي يفرضه صندوق النقد والبنك الدولي و... و... غيرها، بينما تغلق دول الشمال أسواق العمل والانتاج والخدمات أمام دول الجنوب، كما تحد من نسبة استثماراتها في العالمين الثالث والرابع، أي الدول الفقيرة، والدول الأشد فقرا. الحقيقة الثالثة تتمثل في الاستغلال السياسي لمخاوف المواطن الأوروبي من آثار الهجرة غير المشروعة، خاصة بعد النجاحات التي أحرزتها عدة أحزاب يمينية متطرفة، اعتمادا على رفع شعار مناهضة الهجرة، وتضخيمها لحجم الظاهرة، بينما الأرقام تؤكد أن أعداد طالبي الهجرة تسير نحو الانخفاض، كما أشارت المفوضية السامية لحقوق الانسان عقب قمة أشبيلية، والتي أكدت في سياق تصريحاتها أن للهجرة منافعها على أوروبا. الحقيقة الرابعة تتجسد في رغبة بعض الدول الغنية في تصفية حساباتها مع دول فقيرة، تحت عباءة الاتحاد الأوروبي، وربما كان نموذج الخلاف الأسباني ـ المغربي حول قضايا الصيد البحري كاشفا لدوافع أسبانيا - قبل وأثناء قمة أشبيلية - في التشدد بالمطالبة بفرض عقوبات مغلظة على الدول التي لا تتعاون في الحد من الهجرة غير المشروعة باستعادة مواطنيها الذين رفضت طلبات هجرتهم، ورغم أن بيان القمة الأوروبية لم يتبن فكرة أسبانيا ـ بعد أن تراجعت هي ذاتها تحت الضغوط ـ إلا أن الاتحاد الأوروبي أشار الى امكانية اتخاذ «اجراءات» ـ لم يحددها ـ ضد الدول غير المتعاونة بشكل كافٍ في مكافحة الهجرة غير المشروعة!! الحقيقة الخامسة تعكس الهوة السحيقة بين الوعود التي تبذلها دول الشمال في دعم عمليات التنمية في دول الجنوب، وما يتحقق بالفعل على الأرض عند التنفيذ، بل وتفضيل تقديم مساعدات أمنية وفنية للدول الفقيرة بهدف محاربة عصابات مهربي البشر(!) بينما تستمر معدلات النمو الاقتصادي في الهبوط الى حدود أكثر تدنيا، ما دامت الديون تتفاقم، والانتاج مكدس، وأسواق الشمال موصودة، وتكتفي دول الشمال ببذل النصح والارشاد، وربما الاعتذار على أحسن الفروض! الحقيقة السادسة تتجلى في الانحياز الواضح لخيار أوروبا في رصد الاعتمادات المالية للانفاق على مراكز اعتقال، أو التحفظ على المهاجرين غير الشرعيين، والسيطرة على الحدود، دون التركيز على المشاكل عند المنبع، بمعنى أنه في ظل تفاقم معدلات الفقر والبطالة والكبت والتهميش فإن أعداد المهاجرين غير الشرعيين لابد أن تتفاقم. ربما من هذا المنظور يمكن تثمين دعوة رئيس الوزراء البلجيكي في قمة أشبيلية بضرورة بحث مشكلة الفقر باعتبارها السبب الرئيسي للهجرة غير المشروعة، مؤكدا على أنه اذا لم تتمكن الدول الفقيرة من تصدير سلعها لأسواق أوروبا، فسوف ينتهي بها المطاف الى تصدير مواطنيها، لأنه لا يمكن أن نقول لا للسلع والمهاجرين.. يجب أن يكون واحدا أو الآخر! حراسة بالمجان لاشك أن تلك الرؤية تمثل قاعدة يمكن التأسيس عليها لاستراتيجية بناءة، بدلا من صب كل الجهد الغربي ـ ولاسيما الأوروبي ـ باتجاه التشديد في صياغة القوانين، وتوحيد الاجراءات الهادفة لتعزيز حراسة الحدود، وتبني فكرة جدول زمني لوضع سياسة مشتركة لمواجهة المهاجرين، وجعل الرقابة على الهجرة عنصرا رئيسيا في علاقات دول الاتحاد الأوروبي مع أطراف ثالثة. إذ على حد قول زعيم أفريقي بارز فإنه «لا يوجد في دول افريقيا الشمالية دول تتطوع لحراسة أوروبا بالمجان، ذلك لأن تلك الدول نفسها معرضة لزحف من وراء الصحراء غير مسيطر عليه». والى حد بعيد فإن تلك الزاوية للتعاطي مع قضية الهجرة تلقي الضوء على جانب آخر للقضية، مسكوت عنه! الأمر يتطلب إذن تعاون المجتمع الدولي ـ بصدق وشجاعة ـ من أجل معالجة تلك الظاهرة، وصياغة تصور استراتيجي يأخذ بعين الاعتبار كل الحقائق التي تعكس مصالح قد تبدو ـ لأول وهلة ـ متعارضة، إلا أنه لا سبيل غير التعاطي مع كافة الآثار والأسباب باعتبارها «حزمة واحدة». لقد أسقطت القمة الأوروبية الأخيرة - وإن لم تغلق الباب تماماً - الاشارات التي كان من المقرر تضمينها في البيان الختامي بشأن التفاوض حول اعادة التوطين مع الدول التي ينتمي اليها المهاجرون، أو معاقبة تلك الدول إن لم تعمل على وقف تدفقهم الى أوروبا، ولكن من يضمن ألا تختلف مقررات القمة القادمة مع هذا التوجه؟ دعوة للتشاؤم ثمة مؤشرات لا تدعو للتفاؤل بشأن المستقبل على صعيد المواقف العملية، وأول تلك المؤشرات انطلق من كندا خلال «قمة الثمانية» إذ تحولت الوعود البراقة التي وصلت الى حد اطلاق فرنسا مسمى «قمة أفريقيا» قبل بدء فعالياتها، الى خذلان مبين فلم يكن نصيب أفريقيا - في ختام القمة - سوى الفتات، ولم تكن المعونة المتواضعة التي قدمتها الدول الصناعية الكبرى - في شكل إعفاء الدول الأشد فقرا من سداد مليار دولار من الديون - سوى فرق أسعار المواد الخام! مؤشر آخر يترجم التحول السلبي الذي لاشك سوف يلقي بظلال كئيبة على المستقبل، إذ تدنى رقم المساعدات التي كانت الدول الصناعية الكبرى قد ألزمت نفسها بتقديمها للعالم النامي من 0.7% الى أرقام شديدة التواضع، حتى أن الولايات المتحدة لم تقدم إلا 0.1% أي نحو 14% من الرقم الأصلي(!) كما كشفت ميزانية الاتحاد الأوروبي الجديدة عن مفاجأة غير سارة، بخفض حجم المساعدات للدول النامية بنسبة 20% عن الميزانية السابقة! مؤشر ثالث ـ في السياق ذاته ـ يتمثل في القاء المؤسسات الدولية مسئولية انتاج الفقر، ومكافحته على دول العالم النامي، وتعمد تناسي الاختلالات الهائلة التي فرضها الكبار على النظام الاقتصادي الدولي، والتي تصب في صالح الدول الغنية، وتفاقم من تهميش الدول الفقيرة والأشد فقرا، كما تتعمد تلك المؤسسات اغفال تأثير العولمة المتوحشة على أوضاع فقراء العالم، مما يدفع هؤلاء للفرار من واقعهم اللا إنساني الى الشمال، رهانا على حياة كريمة ومستقبل أفضل. في ظل هذه الصورة القاتمة يطرح سؤال: ما العمل؟ نفسه بالحاح. البديل العملي يمكن أن يبدأ بخطوة تتجاوز دائرة الوعود - أو حتى الاعتذار - الى الدعوة لقمة أفريقية ـ أوروبية، ثم لمؤتمر برعاية الأمم المتحدة يضم كل الأطراف المعنية، لوضع ملامح استراتيجية تتسم بتحديد المسئوليات والقابلية للتنفيذ والتقويم وتبتعد عن الأنانية، بحيث تكون قادرة - فعليا - على معالجة أسباب مشكلة الهجرة غير المشروعة من المنبع، عبر تعظيم قدرة الشراكة الايجابية بين أغنياء العالم وفقرائه، وتضع حدا ل«ديناميكية تنتقل من فشل الى فشل» - بتعبير الرئيس الفنزويلي شافيز، وتسد جانبا من الفجوة السحيقة التي تفصل بين الشمال والجنوب، وتتسع بدلا من أن تضيق، حتى يخال للمرء أن الكرة الأرضية على وشك الانشطار! إن الفقراء لن يبقوا حيث هم طالما استمر واقعهم المؤلم على نفس المنوال، ومن ثم فإن على أي جهد دولي يجمع بين الأغنياء والفقراء على مائدة واحدة السعي بجدية لوضع استراتيجية للتنمية المتوازنة، تقدم حلولا ملموسة لتوفير جميع الاحتياجات الأولية والضرورية لكل انسان على وجه الأرض، وبدلا من تركيز العولمة على الجانب الاقتصادي - بل وعسكرة العالم - فإن المطلوب تبني مفهوم مختلف يتطلع لعولمة الحقوق الأساسية للانسان، ويضمن توفير الحد الأدنى من الحياة الكريمة للمرء حيث هو، حتى لا يضطر الى النزوح مهاجرا، فارا بجلده من الجوع والفقر والظلم القائم في وطنه. الهرم المقلوب أي جهد دولي في هذا الاطار لابد أن يبحث عن علاج جذري للهرم الاقتصادي المقلوب، الجاثم على وجه الأرض، إذ أن الدول المتقدمة التي يمثل سكانها أقل من 20% يستولون على أكثر من 80% من موارد العالم!! في ذات السياق لابد أن يتخلى الأغنياء عن أنانيتهم المفرطة - حتى بمعيار حماية أوطانهم من زحف الفقراء الأسود كما يحلو للبعض وصفه - وذلك عبر آلية متكاملة وبرنامج عمل شامل لا يعتمد فحسب على اعفاء الدول الفقيرة، وربما اقتصر الأمر على الدول الأشد فقرا - من بعض الديون أو فوائدها، أو القاء الفتات في صورة مساعدات - مشروطة غالبا - بل تجاوز الاعتماد على المسكنات، الى فتح الأسواق أمام منتجات الدول النامية، وعلى أساس الاعفاء من الضرائب والحصص، وتخفيف الاجراءات الحمائية لتعزيز مشاركة الفقراء - بشكل فعلي - في النظام التجاري الدولي، وجعله أكثر عدالة. على جانب آخر، لابد من توفير الموارد لتحقيق استراتيجيات الحد من الفقر، وانجاز التنمية المستدامة، وتشجيع الاستثمار المباشر في دول العالم النامي، ولن يتأتى ذلك إلا بالتخفيف من ربط المعونات - بكافة صورها - بشروط سياسية، بعد أن اتخذ هذا الاتجاه شكلا وبائيا في علاقات الشمال بالجنوب! لاشك أن قضية الهجرة غير المشروعة تمثل إحدى القضايا الأساسية على أجندة العالم، والتصدي لها لن يكون إلا عبر جهود مخلصة متضافرة، تستهدف مواجهة حقيقية مع الفقر والتخلف الكامنين خلف كل عوامل الطرد في الأوطان المصدرة للبشر، لأن الاجراءات العقابية مهما كانت قسوتها لن تكفي، لأن الواقع الذي يهرب منه المهاجر أشد قسوة. وسوف تظل خطوات العالم مضطربة، اذا استمر التناقض بين النمو المضطرد في مركز الاقتصاد العالمي، مواكبا للفقر عند الحواف، ولن يكون هناك بديل غير تعكير صفو الأغنياء، اذا ما أصروا على النهج الأناني المفرط الذي يوجه حركة العالم نحو الكارثة. إن للصبر حدوداً، ويد واحدة لن تصفق أبداً. ـ كاتب مصري