الملف السياسي: تتزايد يوما بعد يوم حدة المشاكل التي يواجهها المهاجرون في أوروبا او الراغبون في الهجرة اليها، في ظل متغيرات اقليمية ودولية جديدة، وعلى مستوى القارة الأوروبية بشكل خاص. فمع توسع الاتحاد الأوروبي بانضمام دول جديدة، وتصاعد حدة الازمات الاقتصادية والاجتماعية في القارة العجوز، بدأت الحركات اليمينية المتطرفة والتوجهات العنصرية تطل برأسها، مستهدفة بشكل أساسي المهاجرين من دول العالم الثالث عموما ومن الدول العربية والاسلامية بشكل خاص. وقد جاءت احداث الحادي عشر من سبتمر «2001» وما تلاها من حملات في اطار ما يسمى «حرب الارهاب» لتضيف مزيدا من الزيت الى نار المشاعر والممارسات العنصرية والكراهية ضد العرب والمسلمين في الدول الغربية ومنها الاوروبية. وكان من نتائج هذه التطورات ان حققت الاحزاب والتنظيمات اليمينية مواقع ومكاسب جديدة على الخريطة السياسية لاوروبا، مستخدمة اثارة العداء والكراهية ضد الاجانب ومطالبة بطرد المقيمين الشرعيين منهم، بمن في ذلك الحاصلون على كامل حقوق المواطنة بحكم القوانين والدساتير القائمة في الدول الاوروبية، اضافة الى المطالبة باغلاق الحدود والمنافذ الاوروبية كليا، امام اي مهاجرين جدد. كل ذلك جعل الحكومات والساسة الاوروبيين يندفعون نحو سياسات اكثر صرامة وتشددا ازاء المهاجرين عامة، وصلت الى حد المطالبة بإجراءات عقابية ضد الدول «المصدرة للهجرة» وهو ما يمثل انزلاقا مكشوفا وراء موجة التطرف اليميني والدعوات العنصرية المتزايدة. ورغم ان هذه المطالب لم تحظ بالاجماع المطلوب خلال القمة الاخيرة في اشبيلية، الا ان الاتجاه العام للسياسات الاوروبية بشأن الهجرة والمهاجرين، يبدو محكوما اكثر فأكثر بمتغيرات الخريطة السياسية للقارة عموما ولكل دولة فيها على حدة، من ناحية، ولظلال احداث سبتمبر وما خلفته من تداعيات وانعكاسات، من ناحية ثانية. وبذلك لاتزال اوروبا بعيدة عن المعالجة العقلانية والجذرية لأوضاع المهاجرين فيها، ولظاهرة الهجرة وتأثيراتها المختلفة. فالهجرة الى اوروبا وكذلك الحال بالنسبة الى العالم الجديد كانت في كثير من مراحلها التاريخية «هجرة قسرية» حيث كان الاوروبيون يشتغلون في تجارة الرقيق، او يبحثون عن الايدي العاملة الرخيصة ابان الثورة الصناعية، وهو ما يعني ان اوروبا، والغرب عموما، تتحمل مسئولية تاريخية واخلاقية، ليس ازاء اولئك المهاجرين واحفادهم فحسب، وانما تجاه شعوبهم وبلدانهم الاصلية التي انتزعوا خبرة ابنائها وعماد قوتها البشرية، لتفقد بعد ذلك قدرتها على النهوض والتطور، ثم جاءت المرحلة الاستعمارية لتكمل الحلقة وتحكم الخناق حول هذه الشعوب، بكل مقوماتها وقدراتها البشرية والمادية. ولكن اوروبا ليست وحدها المسئولة عن الوضع الراهن للمهاجرين والتحديات التي تمثلها ظاهرة الهجرة، بكل تجلياتها الانسانية والاقتصادية والسياسية وغيرها. بل ان الدول «الطاردة للهجرة» تتحمل جزءا غير قليل من المسئولية تجاه ابنائها «الهاربين» بحثا عن حد ادنى من الحياة الكريمة، واحيانا عن مجرد «حياة»! لذلك فإن اي معالجة جادة ومسئولة لظاهرة الهجرة وما يترتب عليها من مشاكل وازمات، لابد ان تبدأ من الاعتراف بالمسئولية المشتركة لطرفي المعادلة «دول طاردة واخرى رافضة» وبالتالي وضع سياسات اقتصادية وتنموية قادرة على ايجاد البدائل الضرورية للمهاجرين او راغبي الهجرة في اوطانهم، ومن ثم ايجاد الاطر السياسية والقانونية لاستيعاب المهاجرين القانونيين في مهاجرهم، او توفير الضمانات والشروط الضرورية لعودتهم الى اوطانهم الاصلية، دون قسر او مصادرة لأي حق من حقوقهم السياسية والانسانية. من دون تحقيق ذلك، يبقى الملايين وربما مئات الملايين من البشر فريسة سهلة بين فكي عوامل الطرد من اوطانهم، واسوار الصد المنيعة في مهاجرهم ووجهاتهم الجديدة. وفي هذه الحالة لن تكون الحلول الانية مجدية، ولن يكون الضرر قاصرا على طرف دون الاخرين.