قدم الدكتور غازي صلاح الدين، مستشار رئيس الجمهورية للسلام ورئيس وفد الحكومة المفاوض مع الحركة الشعبية بنيروبي، محاضرة قيمة لملتقى القيادات الدينية في الخرطوم يوم الخميس الماضي، عن اشكالية الدين والدولة في مفاوضات السلام. كان طرح د. غازي جريئا وصادقا اعجب به الحاضرون من مسلمين ومسيحيين. قال د. غازي ان قضية الدين لم تكن في الماضي تمثل جزءاً من مشكلة الجنوب ولكنها الان اصبحت احد الموضوعات المهمة المستعصية في المفاوضات مع الحركة الشعبية، ورغم قناعتنا ان ربط الدين بالحياة العامة لا يتسبب في أي انتقاص لحقوق غير المسلمين في السودان الا اننا نعترف ان هناك تخوفاً حقيقياً او متخيلاً عند البعض بأن أدنى علاقة للدين بالدولة ستكون على حساب حقوقهم وحرياتهم لذلك لابد من مواجهة هذه المشكلة بشجاعة وصدق. وذكر ان التجربة المعاصرة برهنت على أن الفكرة العلمانية التي تنادي بها الحركة لم تحفظ حقوق الأقليات الدينية والعرقية كما ظهر ذلك من تجربة الاتحاد السوفييتي المندثر ومن بعض البلاد الاسلامية التي تعلن تمسكها الشديد بالعلمانية. وعند الحديث في المفاوضات عن مصادر التشريع اصر وفد الحركة الشعبية على عدم ذكر أية مصادر للتشريع في الدستور. ومن المعلوم ان المصادر المحتملة لا تخرج من ثلاثة هي الشريعة الاسلامية والعرف والتجربة الانسانية «أوروبية أو أميركية»، وبما ان الحركة ترفض أي تشريع يبني على الشريعة فهذا يعني من الناحية العملية اعتماد التشريعات السودانية على الأصول الأوروبية او الأميركية وهي غريبة على كل أهل السودان في الشمال والجنوب وعلى العرف الذي يمثل عادات وتقاليد أهل الجنوب. اذن فالمسلمون وحدهم ـ وهم غالبية السكان ـ هم الذين يحرمون من انعكاس معتقداتهم وثقافتهم في قوانين البلاد. وهذا وضع لا يسنده منطق ولا عقل ولا أسس ديمقراطية سليمة، ويشبه قول الشاعر: حرام على بلابله الدوح حلال للطير من كل جنس ولا يفوت على إدراك الحركة ان مقترحها نشاز ولن تستطيع الحكومة ولا غيرها من الحكومات قبوله بهذه الصورة، وربما أرادت الحركة ان تتمسك بهذا الموقف المتشدد تجاه علاقة الدين بالدولة الذي يجد مساندة من معظم الجنوبيين ومن الدول الاقليمية والعالمية لتبتز به حكومة الانقاذ المحاصرة لتتنازل لها في قضايا وموضوعات اخرى. وكان ملتقى الخرطوم للقيادات الدينية متفهما لتعقيد المشكلة وحساسيتها وصعوبة حلها بالإضافة الى امكانية استغلالها سياسياً لخدمة اجندة اخرى، لذلك جاءت توصية الملتقى للطرفين المتحاربين بتمثيل القيادات الدينية في مفاوضات السلام فهي ستكون اكثر تأهيلا لمعرفة جوانب المسألة الدينية وآثار تلك المسألة على الحقوق الدينية والحريات، وفي ذات الوقت لن يفكر رجال الدين في استغلال الموضوع لخدمة اجندة سياسية اخرى. وقدم اقتراح بديل وهو أن تحال قضية الدين والدولة برمتها الى لجنة من القيادات الدينية تمثل المسلمين والمسيحيين وأتباع المعتقدات التقليدية الافريقية، وان تقوم هذه اللجنة بتفريع القضية الى عدة مسائل بدلا من مناقشتها كشعار عام مثل: مصادر التشريع، الحريات الدينية، التعليم الديني، القوانين التي تحكم النشاط الديني، علاقة المؤسسات الدينية الوطنية بالمنظمات العالمية، انشاء اماكن العبادة وغير ذلك من المسائل.. فان هذا أدعى لان تصل اللجنة الى حلول تفصيلية تراعى حقوق وحساسيات الأطراف المختلفة. وأبدى د. غازي تقديره للاقتراح وقال ان الجهة التي ينبغي ان تخاطب بهذا الاقتراح هي سكرتارية الايغاد التي قد تستشير الطرفين حوله. وناقش الملتقى الديني أيضا وضع المؤسسات الدينية في مناطق النزاع وخلص الى توصيتين في هذا الصدد: مناشدة الطرفين المتحاربين بأن يحترما اماكن العبادة فلا يعتديا عليها بالهدم او القصف او الاحتلال كما حدث في عدة مناطق، وان يسمحا لرجال الدين بحرية الحركة حتى يستطيعا لقاء ومخاطبة اتباعهما الذين يعيشون اوضاعا سيئة بسبب اثار الحرب. وأكد الملتقى على انفاذ توصية كانت قد صدرت في ملتقى الخرطوم العالمي من اجل السلام والتعاون الديني في نوفمبر 2000، وهي تأسيس مجلس للتعايش الديني في السودان يكون منظمة دينية طوعية مستقلة عن الحكومة. وان استطاعت القيادات الدينية ان تواصل لقاءاتها وتتوصل الى العديد من التوصيات والاقتراحات المشتركة فان هذا يبشر بامكانية التوصل الى فهم مشترك حول قضية علاقة الدين بالدولة رغم حساسية القضية وتعقيداتها وآثارها الخارجية. الجدير بالذكر ان ملتقيات الحوار الديني تمت تحت اشراف مجلس الصداقة الشعبية العالمية الذي يقوده أحمد عبدالرحمن بروح سودانية سمحة وبنفس طويل مما اكسبه ثقة القيادات الدينية من مسلمة ومسيحية.