بيان الاربعاء: اثارت الازمة التي اشتعلت مؤخرا بين شبكة CNN التلفزيونية الاخبارية وشبكة BBC الإخبارية المعروفة بسبب تصريحات انتقدت الممارسات الاسرائيلية في الأرض المحتلة، وذهبت الى حد وصفها بالإرهابية ردود افعال مختلفة صفق لها العرب وعاداها اليهود ولوبياتهم الضاغطة في كل مكان بالعالم وطرحت اكثر من سؤال حول الاعلام الأميركي والإعلام العربي والحرب الإعلامية والنفسية من جملة ماطرح في الزوبعة الإعلامية السياسية الأخيرة. ورغم ان الاعلام الأميركي منحاز بشكل كامل لإسرائيل التي تدعمها لوبيات ضغط ضخمة في اميركا وفي سواها إلا اننا وجدنا هناك من يتمرد على هذا الضغط ويحاول قول الحقيقة ولو لمرة واحدة حتى ولو كان ثمنها مرا ، مما يؤشر إلى بوادر وعي جديدة تطمح الى خلق إعلام قومي مستقل عن التأثير اليهودي. مقابل ذلك نجد ان الاعلام العربي الذي كان ومازال اسيرا للاعلام الغربي يعجز عن بلوغ مستوى التصدي الأميركي ضد الهيمنة الإعلامية اليهودية والأميركية بالتبعية. مثلما يعجز عن وضع خطط استراتيجية إعلامية تنسجم مع تطلعاته وطموحه الوطني والقومي. رغم بروز محطات تلفزة فضائية بدأت تضطلع بدور حساس في حرب الإعلام والسياسة التي نواجهها. وبالطبع يقودنا ذلك الى الهيمنة الاسرائيلية على الإعلام الغربي عامة والأميركي بشكل خاص وهو ماساعد في قيادة القرار والفعل الأميركي نحو الإنحياز بشكل كامل للفعل الإسرائيلي الذي اقل مايقال عنه انه إرهابي وعنصري. كيف ينظر للحرب الإعلامية ومديات تأثيرها في الفعل السياسي سواء على الصعيد الداخلي الأميركي او على صعيد العالم؟ ماهي وسائل الحرب الإعلامية وكيف تمكن الإعلام الصهيوني من السيطرة على مفاتيح الإعلام الأميركية ثم العالمية؟ ماتأثير تلك السيطرة على القضايا العربية واين يقف الإعلام العربي منها؟ ماهي الإستراتيجية الإعلامية الصهيونية وهل يملك العرب مقابلها استراتيجية اعلامية؟ سأل بول فيندلي ذات مرة في اول عهده بالعمل في الكونغرس الاميركي: لماذا ينصاع الشيوخ لايباك ومن تكون لتفرض على الكونغرس قراراته، لم يجبه احد وذكر في كتابه «من يجرؤ على الكلام» انه بمجرد ذكر ايباك والتي تمثل اللوبي اليهودي في الكونغرس الاميركي والحكومة الاميركية يصفر وجه المستمع والموجودين معه، وتوصل اخيرا الى حقيقة واحدة ان ايباك هي ملك الكابيتول هل وان احدا لا يجرؤ على النطق بحرف واحد ولذا عنون كتابه بتلك الحقيقة التي تؤكد انه لا احد يجرؤ على الكلام مادام اللوبي اليهودي لا يسمح بذلك. وعلى مدى عقود طويلة من الزمن تغلغل اللوبي اليهودي في مفاصل الحياة الأميركية سواء السياسية او الاقتصادية او الاجتماعية حتى صار يقود الفعل السياسي الأميركي الذي اصبح اسيرا لهذا اللوبي. ولعل اخطر تلك المفاصل الاعلام الاميركي والعالمي على حد سواء. ونلاحظ ان الاعلام الاميركي بات الموجه الحقيقي للسياسة الخارجية الاميركية والتي يعتمد عليها اليهود كثيرا في تسويق دولتهم وضرورة بقائهم بل وحتى وجودهم نفسه. بدأت وسائل الاعلام الصهيونية تدخل ضمن الأدوات السياسية التي تستخدمها الحكومة الاميركية كما يعتقد الباحثون بعد الحرب العالمية الثانية، وتحولت الى غول خطير اثناء حرب الخليج ويبدو انها بدأت تجد منافسا لها في تطور الوسائل الاعلامية العربية النسبي، ومعروف احتكار هذه الوسائل لسوق الاخبار حيث مازالت مستحوذة على صنع وبث الخبر عالميا فكيف ينظر الى الاعلام كسلاح عبر تطوره كوسيلة اتصال؟ يعد الاعلام اخطر الأسلحة التي يمكن استخدامها في الحروب، ولعل اخطر انواعها الدعاية الرمادية والحرب النفسية، عرفها القدماء، وتطورت فأصبحت ثورة سيطرت على مقاليد الحكم والسياسة وغدت اهم ادواتهما، وتعددت وسائل واساليب ثورة الاتصالات والاعلام هذه، وفي حروب العالم الاخيرة ـ تسعينيات القرن الماضي ومطلع هذا القرن ـ اخذت اشكالا محددة وصلت ذروتها في حرب الخليج الثانية فبتنا نرى الحرب عبر شاشات التلفزيون لحظة بلحظة وكان ذلك حدثا مهما في وسائل الاتصال الجماهيرية. الحروب الشرسة التي شهدها العالم منذ حرب الخليج، كحرب البلقان، وحرب الأفغان، شهدت ما اصطلح البعض على تسميته بانقلاب المعادلة، فبعد ان كانت الوكالات وشبكة CNN الناقل الأميركي الوحيد للحرب، صار للعرب ناقلهم الخاص الجزيرة، ابوظبي الفضائية وغيرهما والتي سعت لعرض الحقائق بلا انحياز، وكشف أهمية سلام الإعلام في الحرب. ولعل رد الفعل العربي على ذلك والذي تمثل في فتح جبهات اعلامية ومراكز تسيطر على الرسائل المصورة والاخبار لتمرر الى شعوبها ما تريده مما يدعم اهداف الحرب، يدل على ان خطر هذه الحرب الاعلامية تجاوز خطر السلاح القاتل. سلاح الأخبار زادت ثورة الاتصالات في العقود القليلة الماضية الى حد كبير من تأثير ونفوذ وسلطة ووجود اذاعة الاخبار في كل اشكالها المعاصرة، وادخلت تلك الثورة نوبة محمومة معينة تزداد شدة بين منافذ الاخبار المختلفة. وعمل الاخبار مثل غيره عرضة للضغوط المنافسة وتحقيق الارباح، وادى ادراك ذلك الانفجار الخبري الى ظهور الحكمة التقليدية بأن وسائل الإعلام أصبحت بالغة القوة، مثلما أصبحت تستخدم أساليب مختلفة في التحريف والمبالغة واضفاء الاثارة بصورة متزايدة، بل أصبحت تدرك ما تريده الحكومات او ما يسعى اليه صانعو السياسة او الوقوف ضده. وبهذه الثورة تغير توازن القوى بين وسائل الاعلام والحكومة بشكل اساسي، فوسائل الاعلام وصانعو السياسة لم يتنافسا قط على قدم المساواة، فقد كان مجال المساواة يتسع بصورة جوهرية، لكن القواعد والشروط والفرص والموانع ظلت كما هي عليه على كلا الجانبين. والاخبار هي العنصر الأهم في كل العملية الاعلامية، لما لها من صلة بالناس، فهي الشيء الذي يريد الناس ان يسمعوه او يقرأوا عنه، وهي في جميع أحوالها مصنوعة في وكالات الانباء الغربية الكبرى الاربع وهي: اسيوشيتد برس، يونايتد برس، فرانس برس، ورويترز. تسيطر هذه الوكالات على معظم وسائل الاعلام في العالم الثالث ومنها عالمنا العربي، لما لها من سطوة ورؤوس اموال ضخمة تديرها وآلة اعلامية هائلة، وهي تقوم بتشكيل وتقديم الاخبار في بلاد العالم الثالث، مثلما تقوم بتعريف قيم الاخبار لوسائل اعلامها. ومعظم الدول لا تملك خيارا في الحصول على الاخبار العالمية الا في الاعتماد عليها بشكل كامل كمصدر اساسي، لقلة وسائلها الاعلامية، وهي بذلك لا تستطيع ان تدعي الاستقلال بعرضها للخبر وبجمعها للاخبار الأجنبية. اثرت هذه الوكالات في مفهوم الاخبار في بلدان العالم الثالث عن طريق قيامها بدور وضع جدول الأعمال وتشجيع فكرة السرعة والحيادة فقلبت صيغة الهرم المقلوب، واعتمدت صيغ المبالغة واستخدمت الدعاية لتحقيق أهداف سياسية تعود في معظمها للغرب ولأميركا بالذات، ومارست باخبارها المتدفقة بغزارة عبر وسائل الإعلام، قيادة عمليات يمكن وضعها تحت لافتة «الحرب»، منها عمليات التسميم السياسي، ومنها الدعاية خاصة الرمادية منها، ومنها الحرب النفسية التي كانت أمضى أسلحة الإعلام في الحروب الأخيرة. والاعلام وفق تعريفات عديدة هو سلاح يمكن ان تستخدمه شريحة من الناس سواء في مستوى حركة ثورية او منظمة او نظام حكم، لبيان وجهة النظر او تثبيت الاستراتيجية التي تعتمدها تلك الجهة. ويعرف اوتو جروف الاعلام بأنه التعبير الموضوعي لعقلية الجماهير ولروحها وميولها واتجاهاتها في الوقت ذاته. وهناك امثلة كثيرة على استخدام الاعلام في اغراض سياسية ادت الى كوارث سياسية ان صح القول. ويعرض على سبيل المثال فيليب جايلين في مؤلفه «الاعلام والسياسة الخارجية» لامثلة كثيرة شهدتها اميركا في اطار حرب الاعلام ويذكر ان مصادر متنوعة اوردت بان هناك اسطورة تقول: «ان اصحاب الصحف من تجار الحروب قد الهبوا مشاعر الجمهور ودفعوا الولايات المتحدة الى الحرب الاميركية ـ الاسبانية». ويضيف جايلين ان السجلات المؤرخة لتلك الحرب تكشف ان تيودور روزفلت نفسه قد حرض اصحاب الصحف خدمة لاغراضه الخاصة فيما يتعلق بغرق البارحة «مين» في ميناء هافانا في ظروف كانت بعيدة عن قدرة الصحف على التحقق منها في ذلك الحين. ويذكر ايضا احداث خليج تونكين الشهيرة التي استغلها الرئيس الاسبق ليندون جونسون بصورة مماثلة لينتزع من الكونغرس قرارا يمنحه سلطة جارفة لتوريط الامة الاميركية في حرب فيتنام. لقد فشلت وسائل الاعلام في ان تثير في ذلك الحين بأية وسيلة اسئلة خطيرة مازالت بلا رد عما فعلته قوارب طوربيد الفيتناميين الشماليين بالضبط ان كانت قد فعلت شيئاً لتبرير الضربات الانتقامية الاميركية ضد فيتنام الشمالية. وهذا يعرض لنا على سبيل المثال لا الحصر تأثير الاعلام في القرار السياسي وتسويقه. ومعروف ان الدعاية الرمادية والحرب النفسية اهم واخطر ادوات الاعلام، تنقسم الى ثلاثة أنواع هي: الدعاية البيضاء، والدعاية الرمادية، والدعاية السوداء، ولعل أخطرها الدعاية الرمادية وهي مما يستخدم في الحروب كإحدى ادوات الحرب النفسية. والدعاية في جوهرها عملية اقناع منظمة، وهي أحد اجهزة الحرب وآلياتها فبينما تهاجم الحرب الجسد تختار الدعاية العقل وتنقض عليه مستخدمة علم النفس كأداة في السيطرة عليه، عدها الباحثون نوعا من غسيل الدماغ، وفي زمن الحرب تهاجم الدعاية والأعمال النفسية جزءاً من الجسد لا تستطيع الأسلحة الأخرى ان تصل اليه في محاولة للتأثير على طريقة أداء الأطراف المشاركة في ميدان القتال. والدعاية للحرب، وفق المصادر المتنوعة، قديمة قدم الحرب ذاتها، والذخائر التي ينتجها العقل وتوجه الى العقل هي أسلحة ثبتت الاختبارات انها لا تقل اهمية عن اي من الاسلحة التي ابتكرها الانسان حتى الان بهدف محو وجود اخوته في الانسانية. اما الحرب النفسية فهي حرب باردة، وهي حرب أفكار هدفها الحصول على عقول الرجال، هي حرب سياسية، دعائية، حرب كلمات واشاعات تزلزل العقول وتغير السلوك. يستخدم فيها علماء النفس وعلم النفس لاحراز النصر وتعتبر اضمن سلاح تستخدمه الدول في الحروب الحديثة لانها تقوم بدور فعال في قتل ارادة العدو وتحطيم معنوياته. تتجاوز الحرب النفسية جغرافية المكان وطبيعة البيئة المجتمعية، وتستهدف تسخيف الطرف الآخر المختلف معه في المنطق الفكري او النهج السياسي، ومع التطور التقني لوسائل الاعلام التي غزت كل بيت ومجتمع تحولت ادوات الحرب النفسية الى مهمة استلاب العقول، وقد وعى الساسة الكبار بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية «1936 ـ 1945» الدور الخطير الذي يمكن ان تؤديه هذه الوسائل لصالح الكيانات السياسية ونجحوا في تجيير خلاصات العمل الاعلامي وبضمنها الحرب النفسية والدعاية بهدف تمرير المخططات السياسية والتخريبات الاجتماعية عبر شن الحروب النفسية ضد مناوئيهم ولعل أهم مثال كان الحرب الباردة بين الكتلتين الشرقية والغربية، واحدث مثال اليوم هو «الحرب ضد الارهاب». نجد هنا ان الأخبار احد أهم وسائل الدعاية الرمادية والحرب النفسية التي تسوق للفعل السياسي وبخاصة في الولايات المتحدة حيث تعتمد السياسة بشكل رئيسي على الاعلام وبالذات منها وكالات الاخبار التي تهييء دائما للفعل السياسي او للقرار الاستراتيجي. ولعل أهم الوسائل التي تتبعها الاجهزة الاعلامية واكثرها نفاذا في الشخصية الاميركية التلفزيون ونجد ان السياسة الاميركية على سبيل المثال استخدمته بشكل فعال في حرب الخليج لحشد الرأي العام العالمي ضد العراق وروجت لقرار الحرب عبر استخدام الدعاية الرمادية التي كانت بارزة في هذه الحرب ومنها حملات التلويث الاعلامية التي صاغتها مؤسسات الدعاية المملوكة من قبل اليهود بشكل عام. ولم يخف على احد أن التلفزيون كان الأداة المباشرة والحادة في تشكيل الرأي العام الاميركي والعالمي حول مفجري الاحداث في 11 سبتمبر، مثلما ساعد في اللحظات الاولى في رسم صورة العدو وساحة المعركة. وكما هو معروف، فان العقلية السياسية الاميركية تتأثر بوسائل الاعلام وبطرق يصعب ملاحظتها احيانا، فقد وجد ان للتقارير الاخبارية المتلفزة وغيرها من النشرات الاعلامية آثارا عديدة تتركها على نظرة الناس وموقفهم حيالها. ومن واقع الدراسات الاميركية نفسها نجد ان صانعي السياسة الاميركية الذين أدركوا الحدود اللامنتهية للتلفزيون وتأثيره، ادركوا في الوقت نفسه حقائق ثلاث قاسية بشأن الرأي العام الاميركي على الأقل هي وفق مصادر كثيرة ودراسات متنوعة: اولاً: ان الاميركيين ورغم ان تعرضهم للمسائل الخارجية قد ازداد، الا ان لديهم جهلاً مطبقاً بوجه عام في فهم العالم، وقد أظهرت استطلاعات الرأي خلال السنوات الماضية افتقاراً مذهلاً الى المعرفة بين السواد الأعظم من الجمهور. ثانياً: ان الاميركيين يظهرون قابلية لزيادة فهمهم للعالم وعلى مستوى الصفوة او صانعي الرأي، فهناك اهتمام شديد لفهم المعلومات الجديدة ولكن في إطار لا علاقة له بالسياسة الخارجية. ثالثاً: ليس هناك ما يدعو للاعتقاد بأن الرأي العام الاميركي سيصبح اكثر اطلاعاً. الانحياز الإعلامي بشكل ملخص وصف النهج الاعلامي الاميركي بأنه نهج منحاز ايديولوجياً، وهو انحياز دعمه الدستور الاميركي ووضعه في إطار «الآراء المتنافسة التي يسمح لها التعبير عن نفسها بحرية»، وهنا كان التعديل الاول للدستور والذي هدف الى حماية «سوق الأفكار»، وهو مع ذلك لم يستطع ان يجيب عن اتهامات بالانحياز الإعلامي ايديولوجياً. وكمثل على هذا الانحياز الايديولوجي تسوق الدراسات محطة CNN كنموذج، وما نشاهده على شاشتها من تحيز وضيق افق يصور لنا العالم كله وكأنه اميركا فقط ولا احد معها. تصوغ هذه القناة لنا فلسفة الاعلام الاميركي والسياسة الاميركية كلها، اذ يقوم الاعلام هناك بخدمة تحديات حضارية واقتصادية اكثر اتساعا وشمولاً ليصبح سلاحا واداة غزو للعقول، ويعد نموذج شبكة CNN ملخصا لواحدية وجهة النظر في الوقت الذي تتداعى فيه الليبرالية والتعددية، فهي تزود المتلقي بمعلومات وآراء تشكل صورة ذهنية زائفة»، فما الذي غير المعادلة وجعلها هدفا للهجوم الاسرائيلي؟ للوقوف على ذلك علينا الاطلاع على النهج الاعلامي الاسرائيلي او السياسة الاعلامية الاسرائيلية وهو يتطلب المرور عبر تاريخ التطور الاعلامي الاسرائيلي وفقا لتاريخ العلاقة بالمنطقة العربية وبروز الحاجة للآلة الاعلامية لتحقيق الأهداف الصهيونية والأميركية معا. وقبل ذلك ينبغي الاشارة الى ربط السياسة بالإعلام، ونحن هنا نتحدث عن سيطرة الحكومة الاميركية بكل مؤسساتها الرسمية وغير الرسمية، اللوبيات، وشركات المصالح على القرار الاميركي. فالإدارة تحتكر المخابرات السرية والمعلومات السرية وهي التي تستطيع ان تذيعها عندما يكون ذلك مناسباً. تذكر دراسات كثيرة منها ما نشره المركز الاعلامي الفلسطيني ان صورة الاعلام الصهيوني ومفاهيمه ارتبطت منذ نشأة الحركة الصهيونية بمفهوم الدعاية بصورتيها البروباغاندا والتعبئة الاعلامية. وقد مر العمل الاعلامي الصهيوني بعدة مراحل تطور خلالها مجمل آلياته وأساليبه وأهدافه أيضاً. واقترن ذلك بوقائع النشاط السياسي الصهيوني وعوامله المحدثة، فكانت هناك صياغات الاعلام الصهيوني ما قبل عام 1948، ثم ظهرت في المرحلة الاسرائيلية تشكيلات اعلامية مختلفة لم تنف القواعد الاولى وانما اتكأت عليها وطورتها، فيما اتخذ النشاط الاعلامي الصهيوني بعد الستينيات سياقا اضافيا جديدا تطور مع المتغيرات السياسية الى الوقت الراهن. على ان المحرك الاساسي والناظم لمجمل الفعل الاعلامي الصهيوني بقي منذ نشأته تحصيلا لهدف ترسيخ الكيان الصهيوني وتمتين دعائمه، وباعتبار الاداة الاعلامية وسيلة من وسائل الحرب الى جانب الترسانة الاسرائيلية الفكرية والعسكرية. ففي المؤتمر الصهيوني الاول الذي عقد في بال بسويسرا عام 1897، حددت الحركة الصهيونية الخطوط الرئيسية لبرنامجها الاستراتيجي وأطلقت عليه اسم «برنامج العمل»، الذي تضمن أربعة بنود من اجل ايجاد «وطن قومي لليهود في فلسطين». كان البند الثالث بين هذه البنود يشدد على اهمية الاعلام والتثقيف السياسي والفكري بـ «الحلم اليهودي بالدولة» وتحريك المشاعر والاعتقادات التلمودية ـ اليهودية حول «أرض الميعاد» و«مستقبل الوطن اليهودي». وجاء هذا البند الى جانب البنود الثلاثة الاستراتيجية في تطلعات الحركة الصهيونية آنذاك وهي: ـ تنظيم يهود العالم وتحقيق الاتصال الحيوي والدائم بهم عبر المؤسسات الصهيونية المنتشرة في العالم. ـ تطوير الاستيطان الصهيوني في فلسطين. ـ ممارسة كافة السبل لانتزاع تأييد الحكومات الغربية من أجل تحقيق الهدف الصهيوني. ظلت الاستراتيجية الصهيونية الاعلامية توجه خطابها الاعلامي على مستويين، الاول الى اليهود في شتى اماكن تواجدهم. والثاني صوبته نحو أصقاع العالم المختلفة، والغرب على وجه الخصوص لصناعة «رأي عام» يدعم فكرة إقامة «اسرائيل». في الاتجاه الاول، تحركت الدعاية الصهيونية لتتوغل في التجمعات اليهودية في العالم ومواقع «الجيتو» لتثير في صفوف اليهود احلاما اسطورية حول «ارض الميعاد»، مستندة الى هذا الاعتقاد في دفع اليهود للهجرة الى فلسطين، وقد طرح الاعلام الصهيوني انذاك شعارين لتعبئة اليهود بهذه الفكرة: «لا تكتمل يهودية اليهودي الا بالهجرة الى اسرائيل». «اسرائيل» الفكرة و«الدولة» والحلم في «أيدي الغزاة» واليهود هم «الحليف المخلص الوحيد». الاتجاه الاخر كان على مستوى الدعاة وتأطير الرأي العام الغربي حول فكرة «الوطن اليهودي» فقد استند الى خطوط وشبكات نفوذ الحركة الصهيونية ورأس المال الصهيوني في العالم، فنشط دعاة الصهيونية لترجمة قرارات المؤتمر الصهيوني الاول لدى حكومات الدول الغربية وعلى رأسها المملكة البريطانية التي كانت الدولة الاستعمارية الأعظم انذاك، فضلا عن وجود جالية يهودية كبيرة فيها ذات تأثير سياسي ومالي. وسيطر عدد من كبار الصحفيين وقادة الرأي الانجليزي من اصل يهودي على التيارات الثقافية والسياسية والعلمية فتمخض ذلك، في تطور دراماتيكي، عن وعد بلفور بعد اقل من عشرين عاما مضت على مؤتمر بال. وبعد عام من ذلك الوعد تأسست في يوليو 1918 الجامعة العبرية في القدس لتكون «المركز الاول المتقدم للانتليجنسيا الصهيونية» في فلسطين. فيما واصلت الجماعات اليهودية تركيز نشاطها في ألمانيا، واستطاعت ان تتغلغل الى المؤسسات الصحفية ودور النشر، ولعبت ادوارا بارزة في الاحزاب الالمانية ما بعد الحرب العالمية الاولى، الا ان الصهيونية انكفأت عن ألمانيا نسبيا بعد عام 1932 لتنقل ثقلها الى الولايات المتحدة الاميركية حيث تغلغل نفوذها في الحزبين الكبيرين «الجمهوري والديمقراطي». ذلك التاريخ القريب البعيد يدعونا الى تأمل قوة التنظيمات الصهيونية التي استطاعت بجهد مركز وعبر عشرات السنين من الاستحواذ على الاعلام والعقل الغربيين حتى صح القول ان الآلة الدعائية الاسرائيلية تمارس عملية غسل دماغ منظمة ومتقدمة الى درجة جعلت الغرب برمته اسيرا لها ومدافعا عن اكاذيبها، فما هي الآلية التي أوصلت الى ذلك؟