في أحدث اطروحة سياسية أثارت كثيراً من الجدل شكلاً ومحتوى لم يكتف الصادق المهدي الزعيم السوداني المعارض، رئيس الوزراء السابق باضافة رصيد جديد إلى سجله في التفرد بنحت تعبيرات نادرة، في أدبيات السياسة السودانية، بل تجاوز ذلك إلى حفر مسارات عميقة في الرؤى السياسية التي يقترحها مخرجاً من أزمة بلاده السياسية. كان ذلك الثلاثاء الماضي عندما فضل الضغط على كل جراحه ليشارك في الاحتفال بالذكرى الـ 13 لقيام نظام الانقاذ الذي قام على اطلال حكمة بانقلاب قاده الرئيس الحالي «العميد آنذاك»، الفريق الركن عمر البشير في 30 يونيو عام 1987. ورغم ان المشاركة في الاحتفال كانت رمزية، عبر المساهمة في ندوة «حكومية» عن الثوابت الوطنية، الا ان ذلك لم يمنع اندلاع جدل حول الخطوة كاد يطمس معالم اطروحاته النيرة التي وردت في ورقته. وهذا، فيما يبدو، ما دفعه إلى التركيز على ايضاح التنازع الذي حاصره في هذا الصدد، عند مدخل ورقته وختامه. وقدم المهدي في ورقته سياحة عميقة في اتون التاريخ السوداني الحديث في ايجاز شكل مدخلاً جيداً للحديث عن الحكومات الوطنية التي مرت على سدة الحكم. وبعد استعراض للمآخذ والايجابيات التي تتعلق بنظام عبود ثم مرحلة أكتوبر ثم عهد نميري ومرحلة الديمقراطية الثالثة دلف المهدي إلى الحديث باسهاب عن النظام الحالي راصداً سلبياته وايجابياته. ومما قاله في هذا الصدد، تصريحاً وتلميحاً ان الانقاذ «طعنت الوحدة الوطنية بتأجيج الفتنة الدينية والحرب الجهادية وسياسة التمكين»، لكنه اعترف ان للانقاذ «انجازان يشوههما افتقار الشفافية هما التحول لاقتصاد السوق واستخراج النفط». وهاجم اجراءات الخصخصة التي «استفاد منها أهل الولاء للسلطة دون غيرهم»، مشيراً أيضاً إلى ان احداث دارفور جزء من عثرات التطبيق الخاطيء للفيدرالية. وقال أيضاً ان «القهر يمكن ان يحقق طاعة مؤقتة ولكن الثمن كراهية بالغة». وتساءل في هذا الصدد: لماذا يتم التضييق على الصحافة التي تعمل بمنطق الفكر والدعوة بالحسنى؟! وفي سياق اطروحته بدا المهدي قانعاً بوضع حزبه الذي يقبع في منطقة وسطى ما بين النزوع إلى المشاركة في الحكم والاحتفاظ بموقعه في المعارضة. وفي سبيل ذلك ـ ربما ـ لم ينس ان يغمز من قناة المعارضة المسلحة وليبحث عن تبرير لسياسة النظام العنيفة، فيقول «من القوى المعارضة من يتخذ العنف اسلوباً فيبرر القهر من جانب السلطة»! وحفلت اطروحته باعترافات نادرة على أكثر من صعيد. ومن ضمن ما اعترف به ان «الاستعمار رغم سلبياته اورث السودان مؤسسات الدولة من خدمة مدنية وقوات نظامية واقتصاد حديث. وقال ضمن ما قال ان «النظم الديمقراطية في السودان فتحت باب الاختلاف على كل شيء مما خلق خللا وتشتتاً». لكنه اكد أيضاً «ان النظم الشمولية خلقت استقطاباً حاداً داخلياً ومدخلاً للنفوذ الأجنبي». وبعد ان يسهب في الحديث عن محاور العلاقات الخارجية، معتبراً انه ينبغي السعي لاقامة علاقة مع أميركا تتجنب العداء والتبعية في آن، يمضي المهدي إلى أمد بعيد في التفاؤل فيقول ان «عبقرية الشعب السوداني التي تنهض ساعة المحن يمكنها ان تجمع الصف الوطني وتثقب السور للخروج من النفق». كما يؤكد ان «الديمقراطية آتية بمناخ داخلي عهد لها ومناخ دولي واقليمي جديد لصالحها». فيما يلي تنشر «البيان» الجزء الثاني من نص ورقة المهدي: ملاحظتي أن السودانيين ـ بمختلف جهاتهم وقبائلهم ـ يتصفون بصفات عديدة يلاحظها الأجانب ويكثرون حديثهم عنها، بل لقد سماها لي من قبل الأمير الحسن بن طلال «الإنسانيات السودانية». وهناك كتاب سماه مؤلفه «الأخلاق السودانية» ألفه توري نوردنستام وترجمه د. أحمد علي محمد المهدي في عام 1996م قدم فيه المؤلف تصورا جامعا ومميزا للأخلاق السودانية. ومع أن القبائل الحدودية في السودان مشتركة بينه وبين دول جوار أخرى (سواء أكان ذلك شمالا أم شرقا أم غربا أم جنوبا: مثلا: النوبة في الشمال مع مصر ـ البني عامر في الشرق مع إريتريا ـ الأشولي بين السودان ويوغندا ـ والتبوسا بين السودان وكينيا ـ والمساليت والزغاوة في الغرب مع تشاد).. الملاحظة أن هذه المجموعات المختلفة، إذا ما قورنت برصيفاتها في الدول المجاورة، لوجدت بينها درجة أكبر من التسامح والتعايش مع الآخرين ودرجة أعلى من المثالية. ولكن أكثر الصفات قوة وظهورا بين الجماعات السودانية المختلفة على الصعيد الثقافي والاجتماعي هو الدرجة العالية من الترابط. فالسودانيون في بلاد المهجر ينقلون سودانات مصغرة ويحرصون أشد الحرص على التماسك فيما بينهم، هذه الخاصية التفت لها مؤلف مصري مجهول، ومع وجود شرخ شمالي ـ جنوبي ـ سأتحدث عنه لاحقا ـ فإن المجموعات الشمالية والجنوبية تمارس ذلك الترابط في دوائر متباعدة. هذه الصفة لها أثمان غالية مجتمعيا في اقتصاديات الزمن والمال، ولكنها من ناحية أخرى أدت إلى حفظ المجتمع السوداني في ظروف الحرب القاسية، والمجاعات، والأزمات الاقتصادية المستفحلة بصورة لا أظنها معهودة لدى الكثير من الشعوب. وصارت محل تندر (جمعية الله كريم التي تجسر الهوة بين النفقات والدخول!)، وجعلت المغتربين السودانيين بالخارج سندا اقتصاديا أساسيا لأهاليهم بالداخل. المجتمع السوداني مجتمع رعاية اجتماعية من الطراز الأول وهي خاصية تعم الشماليين والجنوبيين. ولو عملت دراسات ميدانية شملت جميع بقاع السودان لاتضح أن التنوع الظاهر والتعدد الذي لا تخطئه عين، يخفي خيطا رابطا بين تلك الثقافات المختلفة. الحقل مازال بكرا للبحوث، ولكن مثل هذه الملاحظات الأولية ضرورة لتوجيه البحث لمكامن الرباط القومي. فيما يلي استعرض المسيرة التاريخية بعيون ذلك الرباط: التركية: نشوء السودان الموحد التجاور الجغرافي بين بقاع السودان المختلفة ـ وتاريخ الممالك القديمة وصلاتها فيما بينها ـ يوحي بوجود نوع من التاريخ المشترك لم يتم تلمسه بعد، وإذا أردنا الحديث عن وحدة سياسية للسودان بشكله الحالي، فإن العهد التركي ـ المصري كان بداية للوحدة السياسية للسودان اليوم والذي كان حتى ذلك الوقت مجموعة من الممالك والمشيخات ومناطق النفوذ والقبائل. ولكن السودان لم يكن له أية كينونة سياسية في ظله بل ظل تابعا للإدارة المصرية، والمحاولة الوحيدة التي قام بها حاكم تركي ـ مصري للتخلص من التبعية لسيده في مصر أدت الى ما كان سيكون اغتيالا قضائيا للحاكم العام أحمد باشا أبو ودان في اكتوبر 1841م. والإدارة المصرية نفسها لم تحظ باستقلال كامل بل كان يتجاذبها سلطان الباب العالي في الآستانة ـ الخلافة العثمانية ـ والنفوذ الأجنبي الذي وصل لدرجة الحماية البريطانية في أواخر القرن التاسع عشر. وحتى تلك الوحدة السودانية فلم تتم بصورة متزامنة ولا متساوية. وفي حين تم غزو شمال ووسط السودان حتى كردفان منذ 1821م ـ وكانت مديرية بربر (منطقة الرباطاب وبربر وشندي) تابعة مباشرة لمصر حتى عام 1826 ـ فإن إقليم التاكا في الشرق لم يضم إلا في عام 1840، ودارفور ظلت خارج السلطة التركية حتى عام 1876م، وكذلك إقليم بحر الغزال. فإذا وضعنا في الاعتبار أن تحرير دار فور عبر المهدية تم في 1882م، وأن الخرطوم حررت عام 1885م، لعلمنا كيف اختلفت أقاليم السودان في تعرضها للتركية من إقليم كدارفور تم احتلاله لمدة ست سنوات فقط إلى منطقة كالخرطوم احتلت لأكثر من ستين عاما. التعرض للتركية لم يكن متساويا في السودان، وللتمثيل على ذلك فإنني أذكر واقعة واحدة وهي أن الطلبة السودانيين الذين كانت ترسلهم الحكومة إلى مصر ليلتحقوا بالأزهر الشريف كانوا يلتحقون بالرواق السناري الذي أنشيء عام 1263هـ (1846م). وقد وجد رواق آخر داخل الأزهر لطلبة دارفور التي لم تكن قد سقطت في قبضة الحكم المصري بعد. ومعلوم أن سنار هي عاصمة مملكة الفونج التي غطت فقط أجزاء من الوسط وشماله في السودان. وقد عاصرتها ممالك سودانية أخرى هي سلطنة الفور ومملكة تقلي والمسبعات ودولة الكنوز في الشمال. ونظرا لهذا التاريخ تجاه التركية فإننا لا يمكن أن نتعامل مع الدولة التركية باعتبارها منشأ الوحدة السودانية استنادا على التوحيد السياسي لسنوات ست فقط بصورة مطلقة. لقد كان الحكم المصري جزءا أو تابعا لحكم الخلافة العثمانية، التي ـ وإن وحدت الأقاليم الإسلامية ـ فإنها لم تصلح أساسا لتكوين الوطنية في تلك الأقاليم، مثلا ـ أتاتورك الذي ولد في أحد أصقاع تلك الدولة خارج حدود تركيا كان هو داعية القومية التركية الأول. ولكن هذا لا يجب أن يجعلنا نغفل الدور التركي في تكوين القومية أو الوحدة السودانية. لقد واجه الحكم التركي المصري ثورات وتحديات من السودانيين منذ مقدمه فكانت أحداث شندي مع الجعليين بقيادة المك نمر، وواقعة كورتي بمواجهة الشايقية عام 1820م والتي برز فيها اسم مهيرة بنت عبود، ونازلته جيوش المسبعات بقيادة المقدوم مسلم آخر مقاديم المسبعات في واقعة بارا 1822م وغيرها من التحركات التي كانت محدودة بجهة أو قبيلة. ولكن ومع مرور الزمن تكونت مع التعليم الجديد والمدن والصناعات والدواوين المصاحبة للحكم التركي بيئة أكثر تعديا للقبيلة والجهة، كانت هي السبب الرئيسي في تكوين شعور قومي سوداني ظهر بأقوى صورة في الدعوة والثورة والدولة المهدية. المهدية: المهدية كدولة لم تدم طويلا، فهي منذ كونها دعوة فثورة وحتى تكوينها الدولة وسقوط تلك الدولة لم تبلغ عشرين عاما. والمهدية هي أم الثورات السودانية وأكثرها عطاء وحدت السودان، وحررته، وأقامت فيه دولة الشريعة، وشهرته في العالم وهي الأب المعنوي للشعور القومي السوداني والمكون الأول للوطنية السودانية وأن لم تكن الوطنية من مقاصدها. ولكن اختلف عليها اختلاف حاد وتكالبت عليها القوى الدولية ووجدت مدخلا من الاختلاف الداخلي الحاد. وقد تعالت الأصوات التي تتساءل عن مشروعية المهدية الوحدوية، فدعوة «مشروعية معارضة المهدية» ركزت على أن المهدية اتخذت نهجا رفضه الكثير من السودانيين. وفي الأوساط الجنوبية علت الأصوات التي تنكر أن يكون للمهدية أي دور في تعضيد الوحدة بل تراها معوقة. صحيح أن المهدية كدعوة وثورة واجهت معارضة من كيانات قبلية ودينية مثل الكبابيش والشكرية والشايقية والختمية والدواليب.. هذه المعارضة تأسست على أن المهدية أتت بسياسات ضد الاتجاهات الثقافية السائدة فوقف ضدها التيار المحافظ في كل جماعة، وأتت كحركة تحررية ضد الحكم التركي المصري فوقفت ضدها القوى المرتبطة به. لقد مثلت المهدية القومية السودانية الوليدة بمنطق عصرها، ووحدت إقليمي سودان النهر وسودان دارفور، ومدت جذورا نحو السودان الجنوبي الذي انقسم حولها مثل ما انقسم الشماليون بين مؤيد ساهم في الثورة وفي قيادتها ومعارض طالته عقوباتها. فكثير من الجنوبيين تجاوب مع المهدية وكثير من قادة المهدية كانوا من أصل جنوبي. ومثلما وجد أدب شعبي ضدها فقد وجد أدب تغنى بها، بل سمي بعض الدينكا المهدي على اسم احد آلهتهم ويعتقدون أن روح ذلك الإله قد حلت به فبايعوه وحاربوا معه. إن وجود انقسام قبلي وديني حول المهدية في الشمال والجنوب لا ينفي أنها كانت الهبة السودانية في وجه التكالب الاستعماري على القارة، ولا أنها مثلت حركة تحريرية فنشأت من صداها القومية السودانية، وكانت إرث السودان الموحد البطولي الأول. نعم لمن يريد أن يقول أن هناك اختلافا حول المهدية في الشمال والجنوب، ولكن لا مشروعية لمحاولة الهوية المسيحية الأنجلوفونية إسقاط استقطاب حديث على أحداث وقعت قبله. والمهدية بالمناسبة لم تكن معزولة عن محيطها الزنجي ليس فقط جنوبا ـ بل وغربا ـ وقد وجد أتباع لها في تشاد ونيجيريا والسنغال ومالي كما وجد في جنوب السودان. بل ليس من باب المبالغة أن يقال أن ثورة في إفريقيا السمراء (دعوة الشيخ عثمان دان فوديو) مهدت للمهدية في السودان. إن الصوفية في السودان مع جذورها الإسلامية استصحبت رموزا وممارسات من ثقافات أفريقيا. والمهدية في السودان صوفية المنشأ وإن تعدت ذلك إلى آفاق أوسع، فالمهدية مع مرجعياتها الإسلامية المعروفة أتت بفكروية ورمزية جديدة بما يجعلها مدرسة مهدوية جديدة تضاف للمدارس المهدوية العشر (ثلاث مدارس شيعية ـ وخمس مدارس سنية ـ ومدرسة صوفية(ابن عربي) ومدرسة فلسفية (الفارابي). لقد جسدت المهدية في السودان كثيرا من المؤثرات الثقافية العربية والافريقية. أنها دعوة تجذرت في الواقع السوداني بشقيه العربي والزنجي. والمهدية بذلك تفتح بابا ليس فقط لتعضيد الوحدة الوطنية بل للسودان أن يمد أياديه لمحيطه الأفريقي. إن من أهم أوجه القصور في علاقات السودان الخارجية تهميشه لعلاقاته الأفريقية، وهي ثغرة يجب سدها بقوة في نطاق حوض النيل، والقرن الأفريقي، وغرب إفريقيا. لقد اتخذت المهدية نهجا دينيا أحاديا، ولكن ما يشفع لها أن الوحدة القومية ـ وحتى زمان قريب ـ كانت في كل مكان تقوم على الإرادة الغالبة. والإكراه الديني والثقافي كان نهجا متبعا في كل مكان. ولا طائل يرجى من وراء محاولة تقييم تجربة في القرن التاسع عشر بمقاييس سادت في النصف الثاني من القرن العشرين. الهزيمة العسكرية، وبقاء الدعوة في ظروف مختلفة، فتح المجال للإمام عبد الرحمن المهدي للمراجعة وبموجب مقولة الإمام المهدي «لكل وقت ومقام حال ولكل زمان وأوان رجال» انفتح باب تطورها حتى يومنا هذا. وأهم ما أضافته المهدية في مرحلتها الثانية لمعضدات الوحدة الوطنية هو نهج قبول الآخر الديني ـ والآخر المذهبي، والتسامح والتعايش على أساس لا يجعل تناقضا بين الرابطة الوطنية وبقية الروابط الملية والقومية (بمعنى القومية العربية) والمذهبية والحزبية وهي في المرحلة الثالثة تبني على انجازات المرحلة الاولى والثانية وعبر جدلية الأصل والعصر ونداءات العصر الثلاثة. تخاطب الحاضر والمستقبل لبناء الوطن واستيعاب العولمة. الغزو الثنائي 1898 ـ 1956م: لقد أوقف الغزو الثنائي عملية البلورة القومية التي ابتدأتها المهدية بعدة سياسات منها مناهضة للقبلية في شأن الدولة والدعوة ـ وإن كانت تستند عليها في تنظيم الجيوش والمدن ـ ومنها اعتبار الكفاءة أساسا للترقي والإمارة بدلا عن الروابط المختلفة. شيء آخر عرقل فيه الحكم الاستعماري عافية الرابطة الوطنية هو تكوينه لهياكل خدمة مدنية وعسكرية تحمل تشكيلات غير قومية ـ أي منحاز مع أو ضد بعض الجهات والقبائل والطوائف ـ مما أورث الدولة السودانية هياكل لا قومية. ولكن أهم شوكة غرزها النظام الاستعماري هو تعميق التباين الثقافي بين الشمال والجنوب لأنه بسياسة المناطق المقفولة حارب الإسلام والثقافة العربية وقفل الجنوب ومناطق أخرى لصالح النفوذ التبشيري مما أعطى الجنوب هوية مخالفة جديدة: المسيحية والأنجلوفونية، فالإدارة البريطانية شجعت التبشير المسيحي في الجنوب. هذا الخط كان واضح الانحياز ضد العروبة والإسلام، وهو الذي منع ـ مثلا ـ من أن تكتب اللغات في الجنوب بالحرف العربي، بل نشأت وكتبت بالحرف اللاتيني وعلى أيدي المبشرين، هذا الموقف ليس منتظما في القارة الأفريقية فالعرب كانوا أقدم وجودا فيها، والحرف العربي سجل بعض لغاتها، والجنوبيون ما كان هناك ما يمنعهم من الاستفادة من الحرف العربي والتلاقح مع إخوانهم شمالا سوى تلك السياسة البريطانية المقحمة اقحاما. وكان ذلك بردة الفعل سببا في اتجاه الحركة الشمالية المنشأ اتجاها مضادا. لذلك كانت ثلاثة من مطالب مذكرة الخريجين (1942م) موجهة لنقض تلك السياسة الاستعمارية. ربما يرى البعض في الجنوب أن تلك السياسة كانت للحفاظ على ثقافاتهم وتطويرها، ولكن الدليل على أن الغرض لم يكن ثقافيا أو إنسانيا بل كان سياسيا، هو أن اللغات غير العربية في الشمال مثل لغات نوبة الشمال والبجة والفور وغيرها لم تحظ بتطوير مماثل. ومن الإرث الاستعماري المضاد للوحدة قيام البنية الأساسية للتنمية الاقتصادية على أسس الربحية وعدم مراعاة التقسيم المتكافيء للثروة مما خلق اختلالات التنمية التي بنت عليها الدولة السودانية المستقلة بدون مراجعة. الاقتصاد السوداني الحديث تأسس في عهد الاستعمار على انتاج وتصدير القطن للمصانع البريطانية والبنية التحتية المطلوبة لذلك. هذه السياسات الاستعمارية كانت خصما على الرابطة الوطنية. ولكن في المقابل فإن النمو الحضري، والتعليم الحديث، والخدمة المدنية، بل والاتصال بالوعي القومي الغربي الذي تبلور إثر إصدار رئيس الولايات المتحدة الأميركية ودورد ويلسون لمبادئه الأربعة عشر وإنشاء عصبة الأمم، كل ذلك أدى لانعاش الرابطة القومية السودانية حديثة الولادة في نهاية القرن التاسع عشر. ومع سلبيات الإدارة الاستعمارية فإنها أورثت السودان مؤسسات دولة من خدمة مدنية، وقوات نظامية، واقتصاد حديث حسنة الأداء وقابلة للتطوير. حركة 1924م: كانت تحديا للسلطة الاستعمارية البريطانية، كما كان لدى بعض قادتها بعدا لا قبليا كما عند علي عبد اللطيف وعبد الفضيل ألماظ، وبهذه المفاهيم غذت الشعور الوطني السوداني. إن أهم عاملين ساهمت بهما ثورة 1924م في هذا الصدد هما: تجاوز الحساسيات الإثنية في قبول بعض قياداتها، والتصدي لرفض الإدارة الاستعمارية البريطانية على أسس تتجاوز الجهوية والمذهبية. ولكنها، في نهاية المطاف، كانت صدى للحركة الوطنية المصرية في السودان. مؤتمر الخريجين 1937م: أدى الوعي القومي الصاعد، والخلاف حول مركز السودان ومستقبله خلال المفاوضات بين الحكومتين المصرية والبريطانية في 1936م، إلى إيقاد جذوة الحركة السياسية السودانية بين الخريجين السودانيين، وتطوير فكرة نادي الخريجين الذي كان يلعب أدوارا اجتماعية وثقافية وأدبية في عشرينيات القرن العشرين، نحو إنشاء مؤتمر الخريجين بأهدافه السياسية الواضحة في 1937م. قاد المؤتمر النشاط الوطني وسط الخريجين وأثمر أهم محطات الاجماع السوداني حينها بتقديم مذكرة الخريجين في 3 أبريل 1942. شكلت تلك المذكرة محطة بارزة في القراءة الشمالية للرابطة الوطنية السودانية. فقد جاءت كرد فعل للسياسات الاستعمارية المذكورة أعلاه لذلك كانت ثلاثة من مطالب مذكرة الخريجين موجهة لنقض تلك السياسة الاستعمارية فيما يخص الأقاليم الجنوبية. وقد شكلت تلك المذكرة ورقة عمل لكل الأحزاب السياسية السودانية التي نشأت في أربعينيات القرن العشرين. والاختلاف حولها لم يكن فيما يخص الوحدة السودانية، بل فيما يخص تفسيرها للعلاقة مع مصر. لكن ينبغي أن نلاحظ أن خلو حركة الخريجين من التمثيل الجنوبي ـ والذي كان من تداعيات سياسة المناطق المقفولة ـ شكل مطعنا في قوميتها، أيضا إغفالها موضوعا هاما في هذا الصدد هو موضوع الرق وتبعاته. حكومة الاستقلال 1956 ـ 1958م: مضت حكومة الاستقلال في خط يعضد مطالب مذكرة الخريجين فيما يخص الجنوب، ولم تلتفت للتشوهات في هيكل الدولة ولا في خطط التنمية. ولكن أكثر الخطوات التي تذكر حول مساسها بمعضدات الرابطة الوطنية هو أن السودنة التي جرت قامت على مقاييس تقليدية، وهي مقاييس بطبيعة الحال ظالمة للجهات المتظلمة أصلا تجاه قسمة الثروة والسلطة. وقد عصفت بالتجربة الخلافات الحزبية وداخل الأحزاب نفسها. لقد كانت الحركة السياسية في ظل الاستقلال تظهر غيابا نسبيا للعناصر السودانية «المهمشة» وهو غياب عززه ضعف الوعي السياسي في المناطق المذكورة. حركة 17/11/1958م: كانت في حقيقتها تعبيراً عن أزمة داخل الأحزاب السياسية السودانية لا سيما حزب الأمة. وهي حركة في المقام الأول كانت موجهة من جهة داخل الحزب ضد الحزب وقيادته لحسم الخلاف مع التيار الغالب في الحزب بالبأس العسكري. ولكنها سرعان ما خرجت من طورها الأول هذا، وتخلت عن تنسيقها مع تلك الجهة، ودفع بها انقلاب شنان ومحي الدين أحمد عبد الله إلى أن تصبح مجرد إدارة عسكرية للبلاد دون محتوى أيديولوجي. ولكنها عولت على الحل العسكري للحرب في الجنوب التي اندلعت عام 1963م، واتخذت اجراءات ضد المبشرين والإرساليات المسيحية فاقمت من المسألة. حكومة ثورة أكتوبر 1964م: كانت التعبئة الشعبية فيما يخص مسألة الجنوب هي الشرارة المباشرة للثورة. وقد أعقبها اتفاق قومي على عدم جدوى الحل العسكري. وعقد مؤتمر المائدة المستديرة ولجنة الإثنى عشر ومؤتمر جميع الأحزاب السودانية، كل ذلك لبحث أسس للوحدة السودانية مرضية للجميع. ومع وجود خلافات حزبية، فقد عصفت بالتجربة مغامرة عسكرية. حركة مايو 25/5/1969: إنها استغلال تحالف يساري (شيوعي ـ ناصري) لشريحة عسكرية متطلعة للسلطة. قامت بأول مغامرة أيديولوجية في حكم السودان الحديث فتلفحت بأيديولوجية اليسار الاشتراكي في أول عهدها، وبأيديولوجية اليمين الإسلاموي في آخر عهدها، توجهاتها الأيديولوجية كانت انتهازية خالية من البرامج المحددة ومن الكوادر المؤهلة. أضرت بالبلاد في مرحلتها اليسارية بما جلبت ضدها من عداء الغرب، ثم جلبت ضد البلاد عداء الشرق في مراحلها الأخيرة مما أدى لقيام حلف عدن الذي تبنى الجيش الشعبي لتحرير السودان. أهم انجازاتها اتفاقية 1972م والدرس المستفاد منها هو استحالة قيام نظام تعددي في الجنوب مع نظام أحادي في الشمال، وضرورة أن تقوم اتفاقية السلام على أساس قومي يعصمها من تقلبات رأي الفرد. الانتفاضة ابريل 1985م: قامت بمجهودات عديدة لجمع الصف الوطني حول قضايا البلاد الأساسية، وللتحضير لميثاق وطني وعقد اجتماعي يحقق ذلك الإجماع الذي تدخل به البلاد المؤتمر القومي الدستوري الذي يحل قضية الحرب وغيرها من القضايا المعلقة. لقد شهد «الكتاب الأسود» الذي أصدره بعض الناقمين على مسألة الظلم في قسمة الثروة والسلطة في البلاد، وعلى التشوهات في هيكل الدولة السودانية بمنظار قومي، أن تلك التجربة ـ الديمقراطية الثالثة ـ كانت الأكثر انصافا للجهات المهمشة. حركة الإنقاذ 30 يونيو 1989م: إذا نظرنا للإنقاذ بمقياس الوحدة الوطنية فإن لها تأثيرات سالبة هي: تأجيج الفتنة الدينية بما اتخذته من رؤية أحادية وما دعت له من حرب جهادية غير منضبطة بمقاصد الشرع ولا ضوابط الوحدة الوطنية. ثم سياسة التمكين التي اتخذتها وما نتج عنها من تعميق التشوهات في هيكل الدولة القومية السودانية. ومن التأثيرات السالبة أيضا السياسة الخارجية التي عمقت خطر التدويل الخبيث في السودان، وتعميق الاستقطاب الإقليمي حول مسألة الوحدة السودانية بين دول شرق إفريقية تقف مساندة للزنوجة والمسيحية ودول عربية تقف مساندة للعروبة والإسلام في السودان. صحيح أن للإنقاذ إنجازين هما التحول لآلية السوق الحر في إدارة الاقتصاد الوطني، وهذا الإنجاز شوهه التطبيق من إجراءات للخصخصة تفتقر للشفافية واستفاد منها أهل الولاء دون غيرهم، وإجراءات ضرائبية أسس الإعفاءات والإلزامات فيها حزبية و ينسحب ذلك على مسائل العطاءات الحكومية وأولويات الاستثمار وغيرها من المناشط الحكومية الاقتصادية. الانجاز الثاني هو استخراج البترول، وينسحب عليه افتقار الشفافية حول مسألة الاستغلال. و«الإنقاذ» جاءت باجتهاد جماعة واحدة، فقد نفذتها كوادرها. وقد أضرت بالبلاد بتجربتها غير المدروسة في النواحي المذكورة. ومن أهم الشعارات التي رفعها نظام «الإنقاذ» الحكم الفدرالي في السودان. هذا الحكم طبق بطريقة خاطئة وأتى بنتائج عكسية، وما يدور اليوم في إقليم دارفور الكبرى هو جزء من عثرات هذا التطبيق الخاطيء للفيدرالية. الدروس المستفادة من المسيرة «الإنقاذية» هي: ـ الممارسة الديمقراطية بأسلوب معياري لا يحقق الديمقراطية المستدامة، بل ينتج ثغرات للإطاحة بالديمقراطية لذلك ينبغي أن يكون التطلع الديمقراطي هادفا للديمقراطية المستدامة. * القهر يمكن أن يحقق طاعة مؤقتة ولكن الثمن كراهية بالغة. * ربط التطبيق الإسلامي ببرنامج حزبي يطبق قهرا يأتي بنتائج عكسية للمشروع الإسلامي ويستقطب الآخرين ضده. * تحويل الحرب الأهلية لحملة دينية يعمق الاستقطاب الداخلي ويعطي الطرف الآخر مزايا أفريقية ودولية واسعة. لقد كان إعلان الجهاد والأسلوب الذي تبعه بردا وسلاما على حركة المقاومة المسلحة، لأنه زودها بعطف إفريقي أميركي أوروبي، تحول إلى دعم مالي وعسكري وسياسي لا حدود له!!. * لا يمكن لبرنامج سوداني أن يغفل الأصداء الإقليمية. * لا يمكن للبرنامج السوداني أن يغفل الوسط الدولي.. إن أي محاولة للاندفاع في برامج دون مراعاة لردود الأفعال الإقليمية والدولية غفلة سياسية باهظة التكاليف. * إن استئصال الآخر يخلق استقطابا حادا يعزز الصدام ويفتح أبواب التدخل الأجنبي وان مراجعة أسباب الاستقطاب والحوار الجاد من أجل مربع جديد يتفق عليه المتنازعون هو بوصلة الفلاح الوطني.