في تقرير خطير لها زعمت صحيفة «معاريف» أن معهد ابحاث تابع لجيمس بيكر وزير الخارجية الاميركي الأسبق والسفير إدوارد جريجمان «السفير الأميركي الأسبق في دمشق» ابلغ اسرائيل مؤخرا أن المفاوضات غير الرسمية مع السوريين والتي تمت في الأسابيع الماضية سرا للتمهيد لمفاوضات مع اسرائيل كشفت أن دمشق لا تدرك قوة الأطراف التي ستتورط معهم «اسرائيل» ، الأمر الذي دفع مسئولين في الجيش والاستخبارات الاسرائيلية للتصريح بأنه رغم أن اسرائيل لا ترغب حاليا في فتح جبهة ثانية إلا أنه من غير المقبول بالنسبة لها أن يتم حشد صواريخ على طول الخط الفاصل بينها وبين لبنان وأن يستمر جموح حزب الله وأنه في حالة اتخاذ اسرائيل قرارا بعمل ما في الشمال فإن الأمر سيكون قاسيا على سوريا ولبنان. وفي الإطار نفسه حاولت اسرائيل من خلال «معاريف» أيضا إحراج دمشق دون دليل بإطلاق حملة مزاعم فذكرت أن وزير الدفاع السوري مصطفى طلاس تواجد في نهاية العام الماضي في باريس في شقة ابنته ناهد حيث كان من المقرر أن يتم بها لقاء سري بينه وبين شيمون بيريز وزير خارجية اسرائيل الذي وصل بالفعل للشقة إلا أن طلاس وفقا لرواية «معاريف» رفض في اللحظة الأخيرة إتمام اللقاء وبدلا من أن يفتح باب الغرفة الذي يفصله عن بيريز غادر المكان بدون أن يتحدث مع أحد مما دفع ابنته للاعتذار لبيريز» اليكس فيشمان المحرر العسكري «ليديعوت أحرونوت» زعم أن اسرائيل كانت ستوجه ضربة لسوريا في أعقاب إحدى هجمات المقاومة التي تمت خلال زيارة باول الأخيرة للمنطقة حيث ذكر: المواجهات العسكرية التي قارب وقوعها في لبنان، خلال حملة «السور الواقي»، كادت تكون أكبر من كل ما عرفناه من مواجهات. ازدياد قوة حزب الله، التودد القوي الذي يبديه الأسد نحو المنظمة، وتعلق سوريا المتزايد بايران، جعلت القيادة العسكرية تدعم شن هجوم، تدعي مصادر أميركية أنه كان سيشمل ضرب الأراضي السورية. الحكومة فرضت ضبط النفس، لكن الجيش الاسرائيلي على اقتناع بأن المواجهات في الشمال هي مسألة وقت فقط. في كل الحالات، يقولون هناك، من المناسب أن تحدد اسرائيل متى ستشعل المنطقة. بعد مغادرته لهم، أدرك المضيفون الأميركيون للرئيس المقبل لهيئة الأركان العامة الاسرائيلية، الجنرال موشيه بوجي يعلون، أن جدول أعماله يختلف عن جدول أعمال سابقه، ولا يتعلق بالجانب الفلسطيني بالذات. ففي المحادثات التي أجراها مع ممثلي القيادة الأمنية في أميركا، خلال زيارته ، قال لهم يعلون - حسب أقوالهم إنه لا يمكن منع وقوع المواجهة العسكرية على الحدود الشمالية لاسرائيل. وفهم وزير الخارجية الأميركي، كولين باول، الجنرال المتقاعد، ما يتحدث عنه يعلون بالضبط. ففي خضم حملة «السور الواقي» بعد عملية سوق محانيه يهودا، وجد باول نفسه في مقر القيادة العسكرية الشمالية في اسرائيل. في حينه بدأ الجيش بتجميع قواته وتجنيد الاحتياط من أجل ضرب الفلسطينيين، واستعد في المقابل، لصد الجبهة الثانية التي هدد حزب الله بفتحها في الشمال. فاستقل باول المروحية العسكرية التي أخذته إلى الموقع العسكري من خلال معرفته بأن الجيش الاسرائيلي يجند الاحتياط للحدود الشمالية. وحضر باول، في مقر القيادة الشمالية، التوجيهات العسكرية التي نوقشت خلالها خطة الهجوم الاسرائيلية، كما شاهد عبر الشاشات كيف تبدو الجبهة، من خلال الصور التي نقلتها الكاميرات من الجو واليابسة. لقد شاهد طائرات سلاح الجو تهاجم أراضي الجنوب اللبناني، وشاهد القصف الاسرائيلي، وشاهد، في المقابل، عشرات الصواريخ المضادة للطائرات وقذائف الهاون التي تطلق على مواقع الجيش في مزارع شبعا. ووفقا للأرقام الاسرائيلية بلغ عدد الصواريخ المضادة للطائرات، التي أطلقها حزب الله خلال الأسابيع الأربعة لحملة «السور الواقي»، قرابة الف صاروخ، وأطلق كذلك قرابة الف قذيفة هاون على الحدود الشمالية. في الأيام العادية كانت مثل هذه الأرقام ستصبح محور بيانات الناطق العسكري الاسرائيلي، لكنها ابتلعت هذه المرة في خضم عاصفة الحرب في المناطق «الضفة وغزة» لقد تسببت الصواريخ والقذائف بأضرار طفيفة، ذلك أن قيادة الشمال استثمرت أموالا طائلة في تقنية حماية المواقع ومقدرتها على امتصاص الضربات، الأمر الذي مكّن القيادة السياسية من تنفيذ قرارها السابق بعدم الانجرار إلى جبهة ثانية. ولكن، عندما تواجد كولين باول في موقع مقر القيادة الشمالية، لم يتم التحدث عن الانضباط، فلقد شاهد التحضيرات الاسرائيلية لتوجيه ضربة عسكرية جواً وبراً في الشمال. مع مرور الوقت، سربت مصادر أميركية معلومات تفيد أن بعض الأهداف التي كانت اسرائيل تنوي ضربها تقع داخل سوريا. فحمل باول هذه الرسالة وطار على وجه السرعة إلى الرئيس السوري، بشار الأسد، في محاولة لدفعه إلى الضغط على حزب الله، كي يخفض من هجماته. ولم يسمع باول من الرئيس الأسد أي التزام، بل على العكس - لقد سمع، فقط، ادعاءات بأن الطائرات الاسرائيلية تقوم بالتحليق في الأجواء اللبنانية، وهي التي تثير غضب حزب الله. وبلغ التوتر ذروته فور وقوع العملية في ماتسوبا، التي أسفرت عن مقتل سبعة اسرائيليين على أيدي خلية فلسطينية تم تفعيلها من قبل جهاز القطاع الغربي لحزب الله. بل إن المنظمة هددت بإطلاق الصواريخ بعيدة المدى على أهداف استراتيجية وعلى تجمعات اسكانية في منطقة خليج حيفا وأعماق الجليل، الأمر الذي تم التعامل معه كتهديد ملموس، وعندها بدأ سلاح الجو بتسخين محركات الطائرات. لقد أدى القرار الحاسم الذي اتخذه رئيس الحكومة شارون، ووزير الدفاع بن اليعازر، بإلغاء العملية، إلى منع اندلاع المواجهة العسكرية. وقد كشف رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية، الجنرال أهرون زئيف فركاش، خلال ظهوره في مطلع يونيو أمام لجنة الخارجية والأمن البرلمانية، عن مدى اقترابنا في حينه، من الحرب. وحسب ما قاله فركاش أمام اللجنة، فقد كان من المفروض أن تنزل اسرائيل ضربة قاسية، لم يعرف مثلها الرئيس السوري. القيادة السياسية غير معنية بفتح الملف الشمالي، طالما لم تغلق الملف الفلسطيني الذي يعتبر في نهاية الأمر، ملفا سياسيا وليس عسكريا. ويمكن لوقوع مواجهات في الشمال أن يخرب على الخطوات التي يقوم بها رئيس الحكومة من أجل الغاء عملية اوسلو وطرد عرفات والسلطة من المناطق، هذه الخطوات التي يعتقد شارون أنها بدأت مسارها الصحيح بعد خطاب بوش الأخير. لقد أشار المسئولون الأميركيون الذين التقى بهم الجنرال يعلون، إلى أن تحديده بأن المواجهة في الشمال لا بد ستأتي، ينبع من عدة أسباب، منها اعتباره أن هذه المواجهة ستندمج في إطار الحرب الأميركية ضد الإرهاب. وبكلمات أخرى: عندما يبدأ الأميركيون المرحلة الثانية من حربهم ضد الإرهاب ضد النظام العراقي ستقدم اسرائيل مساهمتها في المحيط القريب. وسيقوم الجناح الاسرائيلي بتوجيه ضربات إلى مراكز «الإرهاب» في لبنان، وإذا كانت هناك حاجة، فسيضرب في سوريا، أيضاً. لقد سئل وزير الدفاع ، بصفته ممثلا للقيادة السياسية، هذا الأسبوع، في الكنيست، عن هذا التصريح فقال: لا أعرف عن أي حرب يتحدثون، لكنه قال للمقربين منه إن اسرائيل قوية بما يكفي كي تواصل الانضباط إلى أن نقرر الرد. إننا نتجاوز ما يحدث لكننا جاهزون لتوجيه الضربة. أما في الجيش فهناك الكثير من الجهات التي ترد على وزير الدفاع بروح المقولة المسرحية المعروفة إذا ظهر المسدس المشحون بالذخيرة في المشهد الأول، فانه سيطلق النار في المشهد الأخير. وفي هذه الأثناء، يستدل من الصورة الناجمة عن التحليلات وتقييمات الاوضاع - التي تجري، مثلا، في سلاح الجو، الذي سيتحمل العبء الاساسي في المعركة - أن المواجهة قد انطلقت، ترافقها محفزات الانفجار على كل واحدة من الجبهات. فهناك يتحدثون عن مواجهات متعددة الجبهات: الجبهة اللبنانية السورية، الجبهة العراقية والجبهة الداخلية في مواجهة «الارهاب» الفلسطيني. وعندما يقوم سلاح الجو بطلعات في الأجواء اللبنانية فهذه ليست طلعات تدريبية. العملية العسكرية التي ستقوم بها اسرائيل في أعقاب اتخاذ قرار بازالة المخاطر التي أقامها حزب الله على الحدود الشمالية، خلال العامين الأخيرين، ستجعل ما عرفناه في أيام لبنان بمثابة لعبة أطفال. عمليات على غرار عملية عناقيد الغضب لم تعد موضوعية اليوم. هكذا، مثلاً، فيما يتعلق بتفكيك الجهاز الذي بناه حزب الله في لبنان منذ الانسحاب الاسرائيلي، انه سيحتاج إلى أكثر من مجرد تفعيل القوة الجوية. في الجيش بالذات، يفهمون سياسة الانضباط، لكنهم يفكرون هناك، بصوت مرتفع، انه إذا كانت الجبهة الشمالية ستنفجر، فمن المفضل أن تكون اسرائيل هي من يقرر الموعد، وليست ايران. عوفير شيلح محلل «يديعوت أحرونوت» حذر من جانبه من عواقب التصعيد الاسرائيلي المرتقب في الشمال وقال: أحد الأمور التي تميز وعي الجمهور الاسرائيلي وأصحاب القرار في اسرائيل، هو المقدرة الكبيرة على تجاهل الرابطة بين العمل وبين نتائجه. فالأعمال، وخاصة تلك المرتبطة بتفعيل القوة، يجري التعامل معها لدينا كأمور غير ممنوعة، رغم التحذيرات من النتائج الناجمة عنها. وعندما تحط هذه النتائج على رؤوسنا بكامل ثقلها، نستقبلها بدهشة كبرى ترافقها تحذيرات متشائمة لأقصى درجة. فيما يتعلق بالحدود الشمالية. يقولون لنا إن حزب الله يحاول جرنا نحو فتح جبهة ثانية ستقرب فرص اندلاع الحرب الشاملة. لكن لا أحد يستأنف على أننا سنرد بالطريقة التي ستقود بالضرورة إلى فتح هذه الجبهة. سيما أن الرد يعتبر أمراً أوتوماتيكيا، لا يمكن الاستئناف عليه، ويتم تنفيذه، أيضاً، عندما نعرف مسبقاً أنه لا ترجى منه أي فائدة. وعندما تفتح الجبهة الثانية سيشرحون لنا كم هي قاسية ومدمرة.