اختلفت الآراء والمراهنات حول خطاب الرئيس بوش، وتباينت المواقف السياسية العربية والاوروبية الا انها كلها تذهب الى مصب واحد، يعكس حالات من الارتباك السياسي الدولي، وغياب الرؤية الواضحة، والعجز عن الاتيان بحل لقضية الشعب الفلسطيني، فالمسألة اكبر بكثير من مناقشة او محاولة استقراء خطاب الرئيس بوش، وان كنا مضطرين لان نفعل ذلك فليس من الصواب ان نجعل سرطان الاحباط يسري في عروقنا على الرغم من ان الحالة العربية الرسمية قد تدفع الى ذلك من وقت لآخر ومن المثير للدهشة ان البعض داخل عالمنا العربي قد هلل لخطاب بوش بساعات قليلة وقد تابعنا وسائل الاعلام الاوروبية التي نقلت هذا القبول بدهشة علنية، فرئيس اميركا يطالب عرفات بالرحيل وهو يرحب بذلك؟! «الملف السياسي» التقى الدكتور «فيليب شنكير» استاذ فقه اللغة الانجليزية ومحلل خطابات قادة الحكومات في محاولة لمعرفة ابعاد خطاب الرئيس بوش وسألناه: ـ ماهي خلفيات الضجة التي اثارها خطاب بوش؟ ـ انها ضوضاء مبالغ فيها للغاية، حيث جاءت مفردات خطاب الرئيس الاميركي بوش حول الشرق الاوسط، تكرارا لمجمل التصريحات الصحفية التي ادلى بها في اطار احاديثه بخصوص الصراع العربي الاسرائيلي وبصفة خاصة القضية الفلسطينية، وذلك منذ ان تولى رئاسة بلاده، وان كانت كلمات خطابه قد شملت مضمون احاديث ثنائية مع قادة حكومات عربية واوروبية وهذا ليس بسر.. فمن يستطيع الاطلاع على تصريحات بوش عن الشرق الاوسط كاملة وهي موجودة على اسطوانات الكمبيوتر في مكتبة البيت الابيض يتوصل لذات النتيجة وهذا الخطاب الذي شغل العالم لم يأت بجديد حقيقة انه يمثل عقلانية متأخرة وواقعية سياسية جريئة حازت على رضاء حكومة اسرائيل اما قبول الحكومات العربية للخطاب فهو مزيج من المجاملة لحكومة واشنطن ومن ناحية اخرى جسد موقف الضعف العربي المتعطش لسماع الحد الادنى لاي مبادرة اميركية يوجد بداخلها قليل القليل من الايجابية او بصيص امل يدعم الصبر العربي الحكومي امام الشعوب العربية الغاضبة ويعرف رؤساء حكومات هذه الدول جيدا انهم يخضعون لمنطق القوة، اما اعلان عرفات «الذي جاء سريعا» بقبوله لخطاب الرئيس بوش فهو امر يدعو للدهشة، واكاد اجزم بان رئيس السلطة الفلسطينية اما ان يكون في حالة ما «لا اعرفها» منعته من الادراك الكامل لمضمون الخطاب او هو واقع تحت ضغط من نوع مالا استطيع تحديد مصدره وصفت خطاب بوش بالتكرار.. لكنه اشار لاقامة دولة فلسطينية ولعل ذلك على عكس ما ذكرت من شكوك بخصوص قبول عرفات لمضمون الخطاب.. فما هو رأيك في ذلك؟ ـ من الناحية اللغوية البحتة، وبعيدا عن السياسة مؤقتا نجد في خطاب بوش تطابقا ضمنيا لمطالب شارون من السلطة الفلسطينية ومن ينظر للخطاب بعين المحلل يجد فيه اعطاء الضوء الاخضر لرئيس وزراء اسرائيل لينفذ الاسلوب الاميركي وقوات التحالف الغربية في افغانستان وذلك يعود الى ان شارون اقنع بوش بان العمليات الفلسطينية ضد اسرائيل باعتبارها مستعمرا عسكريا ليست ردود فعل على ما يقوم به الجيش الاسرائيلي تجاه الفلسطينيين وليست كفاح مشروع واقول هذا من خلال نصوص التصريحات الصحفية لبوش التي تلت زيارات شارون لاميركا ومقابلاته مع اعضاء في الكونجرس وحكومة واشنطن اما ما اشار له بوش عن اقامة الدولة الفلسطينية فهو مشروط ومؤقت، ومرتبط بمدة 3 سنوات ومن يضمن ان بوش سيكون هو ذات الرئيس القادم ليحكم اميركا فترة ثانية؟ وعلى الرغم من ذلك فان شارون كان يتمنى ان يرفض عرفات خطاب بوش لكي يكسب ذريعة اضافية كورقة يلعب بها امام وسائل الاعلام والرأي العام الدوليين ولا يجب اغفال ان خطاب بوش لا يلزم اميركا او اسرائيل بشيء ابدا. ـ وماذا لو تحدثنا عن شرط تغيير السلطة الفلسطينية؟ ـ ان هذا الشرط طرحه بوش ايضا من قبل وذكر ذات مرة انه لكي يتحقق السلام فلابد من رحيل عرفات وشارون، لإتاحة الفرصة لحكومات جديدة تعيد مسار المفاوضات وسرعان ما توارى ذكر بوش لضرورة رحيل شارون واستمر في تكرار ضرورة رحيل عرفات وان كان ذلك قد جاء باكثر من اسلوب بعضه ضمني وغير كاف بشكل مباشر. ـ لم يتعرض بوش في خطابه لعناصر اساسية مثل ملف اللاجئين والقدس والمستوطنات، فما رأيكم بذلك؟ ـ ان في هذا الاستدراك حس نبض سياسي يدعم ما ذكرته لكم من قبل بأن خطاب بوش ضوضاء مبالغ فيه، اما لو عدت للناحية اللغوية فان اسقاط هذه المفردات من خطابه، لقضايا حيوية حساسة يفيد في توضيح مدى تطابق موقف بوش السياسي ومواءمته لمطالب شارون. ـ موقف اوروبا في تأييد خطاب بوش اسقط الملفات الجوهرية، واتى فقط بتحفظات على مطالبته بتغيير السلطة الفلسطينية فما هي خلفية المسلك الاوروبي؟ ـ الاتحاد الاوروبي هو الآخر في مأزق سياسي دولي، بسبب الحالة العربية الرسمية المتردية ومن هنا نفهم الموقف الاوروبي تجاه خطاب بوش، ولو نظرنا لموقف اوروبا خلال السنوات الماضية نجده يتراجع ويسير ضد مصلحة الفلسطينيين لذات السبب، اضافة لكثرة مبادرات السلام العربية التي تدخل في اطار الظاهرة الكلامية، التي تفتقر لعناصر التفعيل واعود لذكر الموقف العربي الرسمي المتردي وافتقاره للرؤية بعيدة المدى ووجود ارث سياسي يجني العرب ثماره السيئة الآن، فليست اوروبا التي اتت بالجيش الاميركي للتمركز في مناطق عربية استراتيجية، منذ حرب الخليج الثانية، هذا من الناحية الامنية ولم تطلب اوروبا من العرب التمسك باستخدام عملة الدولار وامامهم فرصة اقتصادية للتعامل «بعملة اليورو» الاوروبية الموحدة في علاقاته التجارية وان تحتفظ باحتياطي من اليورو وان تبيع نسبة من النفط الخام باليورو ولهذه الاسباب نجد الموقف كله في حالة ارتباك سياسي والآن لا يدري احد لو استقال عرفات، واجريت انتخابات فلسطينية جديدة فهل سيرضى الشعب الفلسطيني الذي فقد كميات كبيرة من الدماء؟ وضحى بشباب طوعا وكراهية. ـ بعد موجات اللوم والشكوك التي كثيرا ما نسمعها من بعض المراقبين الاوروبيين والخبراء ماذا عن السيناريوهات المتوقعة لمسار القضية الفلسطينية بوضعنا في الاعتبار المناخ الحالي؟ ـ لا اعتقد ان يستطيع احد اعطاء اجابة منطقية جادة لهذا السؤال، وكل من يدلى برأي في ذلك يكون في اطار التكهنات التي تكون اقرب لفشلها من ان تصيب وتفيد استقراء القضية ذات المحاور والملابسات الشائكة، الوضع اليوم له معطيات واضحة تتمثل في الآتي: ـ اتفاقية اوسلو قد ماتت ولا يعرف احد هل ستعود للحياة مرة ثانية ام سيأتي بديل مقبول من كافة الاطراف بضمانات دولية. ـ الوضع الآن اسوء من الماضي حيث عادت اسرائيل لاحتلال مناطق كانت قد اعادتها للحكم الفلسطيني وهي على طريق تنصيب هيئات ادارية مدنية اسرائيلية من جديد. ـ اسرائيل تعتبر معظم اعضاء السلطة الفلسطينية من مديري العمليات الانتحارية وتتهم عرفات شخصيا بانه يقف وراء عمليات ارهابية واميركا تدعم الموقف الاسرائيلي. ـ الوضع الاقتصادي للشعب الفلسطيني اكثر من مترد. ولو حاولت ذكر شيء ما على سبيل التوقعات فانه لن يحدث تغيير في صالح الشعب الفلسطيني وامنه وايضا ينطبق هذا على الشعب الاسرائيلي الا برحيل نهائي لحكومة شارون، وتأتي في اسرائيل حكومة جديدة تخلو من اليمين المتطرف وخاصة الدينيين المتعصبين وهذا لن يحدث الا في حالة حدوث انتخابات مبكرة اسرائيلية تسبقها قناعة شعبية بان الحائط الذي شيدته حكومة شارون لا يوفر الأمن للشعب الاسرائيلي على ان يتزامن مع ذلك وجود مؤشرات من داخل السلطة الفلسطينية تبعث على ثقة الاسرائيليين وكذلك تحرك عربي جاد وجرييء لكني اعتقد بان الوضع سيبقى متوترا ورهين حدوث انفجار ما، ربما يكون عسكريا؟! يحدث متغيرات تأتي باحداثيات جديدة لا نستطيع الآن معرفة معالمها. ـ اليس بعد ذلك يمكننا القول بان اميركا تنتظر شارون ليحقق تنفيذ خطته؟ ـ واشنطن تراهن على حدوث متغيرات ولا نستطيع قول ان واشنطن تؤيد حقيقة ما يفعله الجيش الاسرائيلي بالفلسطينيين المدنيين لكنها تدعم حكومة شارون في محاولته للارهاب وان يسمى بالعمليات الانتحارية ويعتبره عمليات استشهادية او كفاح مسلح مشروع أيا كانت التسميات ومهما كان الوصف وباستثناء موافقتنا او رفضنا او قول لو انتهت اعمال العنف بين كافة الاطراف سواء الفلسطينية او الاسرائيلية وكذلك سلسلة الحلقات المفرغة للعنف والعنف المضاد بالفعل ورد الفعل في هذه الحالة لن يكون امام اميركا دعم أو تأييد لما تقوم به اسرائيل عسكريا ضد الشعب الفلسطيني وان كنت لا اعذر اميركا في انها تدعم شارون حتى بالصمت لكني افهم اسباب العقدة الاميركية التي انتابتها بعد احداث 11 سبتمبر واستغلال شارون لهذا المناخ وفي كل الحالات وبعبارة قصيرة لا يمكن ابدا تبرير العنف من اي جهة او جماعة ضد اخرين كما ان السلطة الفلسطينية بقيادة عرفات الآن امامها فرصة للعب دور استراتيجي جديد يقطع الطريق على ما تكرره اسرائيل بانها الدولة الديمقراطية الوحيدة في المنطقة العربية لاحداث التغيير المطلوب منها للخروج من عنق الزجاجة وتخفض رأسها للرياح الاميركية العاتية وتجرى انتخابات تفرز قيادة جديدة تقبلها اميركا واوروبا ايضا حتى يمكن تجنيب الشعب الفلسطيني ويلات ما يعانيه اليوم. ـ المذابح الصهيونية ضد الفلسطينيين لم تحرك الضمير العالمي