كشف أول حوار مفتوح من نوعه بين الحكومة السودانية وحزب الأمة المعارض، بزعامة رئيس الوزراء السابق الصادق المهدي، حجم الهوة التي تفصل بين الطرفين حيال رؤيتهما للثوابت الوطنية. وفيما لخص حزب «المؤتمر الوطني» الحاكم رؤيته للثوابت باعتبارها مسألة عقيدة ودين في المقام الأول، اعتبر حزب الأمة جميع الثوابت المعلنة بأنها لا تخرج عن كونها ثوابت حزبية. جاء ذلك في سياق الندوة التي نظمها حزب المؤتمر الوطني الحاكم بمباني البرلمان تحت عنوان «الوحدة الوطنية» والثوابت القومية الليلة قبل الماضية في اطار الاحتفالات بالذكرى 13 لاستيلاء النظام الحالي على السلطة. وفي هذه الندوة حدد المهدي 16 ثابتاً قال انها المعالجة الحقيقية لموضوع الوحدة الوطنية. وأضاف المهدي بأنه حينما تمت دعوته للمشاركة في ندوة مقامة على شرف مرور 13 عاماً على قيام الانقاذ تردد وتساءل إذ كيف يكون في زفتها وقد كان أول ضحاياها عندما قامت في 30 يونيو 1989. وقال ان الثوابت التي حددها في 16 بنداً تمثل الثوابت الوطنية لتحل محل الثوابت الحزبية، وتعقد لها الولاء فوق التعصب والنظرات الضيقة. وانتقد المهدي عدد من فقرات الخطاب الذي أدلى به الرئيس البشير في عيد الانقاذ الثالث عشر، وهاجم الحكومة على تأجيجها للفتنة الدينية عبر سياسة التمكين وتشويه هياكل الدولة واحداث الاستقطاب المعادي في الخارج. وقال ان الدروس المستفادة من ذلك انه يجب عدم الالتفات لأي ثابت بغير نص قطعي وما عدا ذلك يجب أن يطرح للنقاش. وقال ان من بين ال16 ثابتاً الوحدة الوطنية ووحدة الشعب والتراب والحرية الدينية والهوية الثقافية والتنمية والعدالة وحقوق الانسان واللامركزية والتداول السلمي للسلطة والثروة واحترام الشرعية الدستورية والدولية. وقال ان خطاب البشير الأخير خالٍ من الاشارة للمشاركة الحزبية في السلطة إذ تحدث الخطاب عن تنمية السودان في ظل الانقاذ وليس في ظل التداول السلمي للسلطة والثروة وقال ان اشارة البشير في خطابه الى أن الانقاذ نجحت في تحديات الحوار مع الآخر هذه النقطة تحتاج لنقد لأن الحوار حقق التعايش لكنه لم يمض بجدية الى غاياته بعد أن أصبح العالم كله يأتي لينصحنا بضرورة التحول نحو السلام العادل، وأشار في ذلك الى محتوى جميع المبادرات «ايغاد» التي تتحدث عن الديمقراطية والعلمانية وتقرير المصير أو المشتركة ونقاطها التسع والتي من بينها الحديث عن اقرار الديمقراطية والاعتراف بحقوق الانسان وتشكيل حكومة انتقالية تشارك فيها كل الأحزاب أو المساعي الأميركية ومقترحات دانفورث المهتمة بموضوع السلام، وهذا يعني بأن الحديث عن مناقشة موضوع الوحدة والثوابت القومية أصبحت قضية واضحة لا تحتاج لتمرين بقدر ما هي محاولة تمهد لميلاد واقع جديد. وقال ان مفهوم الدولة الوطنية مفهوم حديث وإذا تم النظر اليه من زوايا الفقه الاسلامي التقليدي لا توجد له معالجة، وقال ان الأحزاب الحالية رغم عراقتها إلا انها استطاعت تجديد نفسها والآن باستطاعتها انجاز مهامها السياسية برؤى حديثة. من جانبه قال الدكتور إبراهيم أحمد عمر الأمين العام لحزب المؤتمر الوطني ان المعادلة المطلوب ضبطها تتمثل في كيفية حسم موضوع الوحدة الوطنية مع الالتزام بالدين باعتباره ليس أمراً هامشياً، وقال ان مقولات الوطنية والقومية شهدت صراعاً فكرياً طويلاً والسؤال هل صاحب الفكر الاسلامي مطلوب منه رفض القومية والوطنية أم يمكن استيعاب هذه القضايا وحسمها بتبصر؟ وقال ان من المسلمات ان الحديث عن الاسلام لا يمكن معه تجاهل الحديث عن الجهاد والسؤال هل هذه المناسبة بهذه الكيفية يمكن أن تؤدي لسلوك يخالف الآخرين، ويضيف بأن أصحاب النظريات الكبرى يعرفون ان كل النظريات تتفق في أشياء وتختلف في أخرى فالتعددية لا تعني بالضرورة الاختلاف في كل شيء. والاسلام والمسيحية بينهما الكثير من الأشياء المشتركة «المقصود هنا الاسلام الحقيقي والمسيحية الحقيقية» في السلوك يمكن تنميتها، فهناك أشياء اهتم بها الاسلام أكثر ولم تكن ذات شأن في المسيحية مثل أمر الدولة. ومن هذا المنطلق فيمكن معالجة بعض القضايا مثل الحديث عن الديمقراطية والشورى ويرى في هذا الصدد انه عند الحديث عن الديمقراطية والتحول السلمي من مرجعية الشورى أنفع وأجدى من الديمقراطية لأن الاجراءات الديمقراطية كلها يمكن أخذها في الشورى الى جانب ان الشورى لها اضافات أخرى هي الاهتمام بالجانب الأخلاقي الذي تغفله الديمقراطية. ولذا فإن حزب المؤتمر الوطني يرى ان حل مشاكل مثل هذه القضايا ليس في قسمة التنمية والسلطة وانما هي النظر لقضية الفكر والعقيدة ومدى الالتزام بها، ولذلك إذا سئلت عن ثابت فإن الثابت الأساسي هو الدين. ولا يعني هذا الحديث ان مقتضيات التمسك بالإسلام تتطلب إذابة بقية المرجعيات من أعراف وتقاليد وأديان الآخرين ولكن التعايش معها دون السكوت عن التحاور مهما كانت قدسيتها لكسب أصحاب الأفكار الأخرى بمفهوم «تكسبني أو أكسبك» ولذا فإن الدين والحرية والتنظيم تمثل ثوابت الى جانب العدالة واعطاء الإنسان عزته وكرامته مع ضمانة الحقوق الوطنية وهي قضايا يمكن الحوار حولها باعتبار ان الصراع الفكري لا يغضب بشراً ولكنه يحيى أمة. وانتقد أنجلو بيدا نائب رئيس البرلمان الذي شارك كمتحدث ثالث الى جانب المداخلات موقف الأحزاب الشمالية من موضوع الجنوب وقال ان أحد عيوب الأحزاب الكبيرة انها لاتزال أحزاباً شمالية محضة ولا فروع لها في الجنوب وقال باستثناء عهد الرئيس الأسبق جعفر نميري لم يتمتع الجنوب باستقرار وقال ان الحل لمشاكل الجنوب الاعتراف بخصويته في الشريعة. وانتقد الصادق المهدي في مداخلاته امتداح الحكومات العسكرية باعتبار انها لم تترك للأحزاب فرصة للتحاور حول قضايا يمكن الاتفاق عليها كثوابت. وقال ان نظام مايو في 1969 حل الأحزاب وجاء «بالسلام بالسياسي لكنه خلف حرباً بالأطنان»، وإذا كان نميري هو الذي أتى باتفاقية أديس أبابا فإنه في المقابل هو الذي خربها أخيراً.