يبدأ العراق والامم المتحدة اليوم جولة جديدة من المباحثات بينهما اجمع المراقبون على وصفها بالحاسمة. وما يعزز هذا الاعتقاد تمسك كلا الطرفين بموقفه ورؤيته لما يجب ان تكون عليه المباحثات والنتائج المنتظرة منها. فبغداد وعلى لسان كبار مسئوليها ترى في المباحثات المذكورة فرصة للحوار الشامل والمنصف الذي يفضي الى تلبية شواغلها وخاصة تلك المتعلقة منها برفع الحصار ووقف الغارات الاميركية والبريطانية على شمال وجنوب العراق. بالاضافة الى دعوتها الامين العام للمنظمة الدولية الى الخروج من دائرة التأثير الاميركي الذي يركز على عودة مفتشي الاسلحة الدوليين الى العراق من دون النظر الى بقية عناصر الملف العراقي الذي تعتبره بغداد وحدة كاملة لا تقبل القسمة او التشظي. وبالمقابل فإن عنان واستنادا الى تصريحاته يرى في عودة المفتشين الى العراق مقدمة ضرورية لأي حل منتظر، داعيا في الوقت نفسه الى ان تكون جولة الحوار هذه حاسمة ولا تستغرق وقتا طويلا. وازاء هذا التباين في الموقفين يبقى الانتظار والترقب سيدي الموقف، خصوصا وان بغداد تريد للحوار ان يكون مدخلا حقيقيا لحل جميع القضايا الخلافية مع مجلس الامن والتي ظلت دون حل منذ اكثر من عقد من الزمن بعيدا عن الضغوط الاميركية التي تعتقد انها تمارس على عنان والامم المتحدة لتجعل من الحوار مقتصرا على بحث قضية واحدة هي استئناف اعمال التفتيش عن الاسلحة المحظورة في العراق وتقفز على شواغل العراق الأخرى ومنها اخلاء الشرق الاوسط من اسلحة الدمار الشامل وهو ما تنطق به الفقرة 14 من القرار 687 الذي نظم وقف اطلاق النار في حرب الخليج الثانية. ويسود الاعتقاد هنا ان الوفد العراقي الذي يرأسه وزير الخارجية الدكتور ناجي صبري يحمل تفويضا من القيادة في العراق يستند الى ثوابت الموقف العراقي، كما انه مخول بالتعاطي الايجابي مع الامين العام وصولا لإيجاد مخرج للملف العراقي يؤدي الى رؤية الضوء في نهاية النفق. ولعل تشكيلة الوفد العراقي التي تضم خبراء قانونيين ومتخصصين بقضايا نزع السلاح وممثلين عن دائرة الرقابة الوطنية التي عملت سبع سنوات ونصف بالاشتراك مع اللجنة الخاصة على نزع وتدمير الاسلحة المحظورة، لعل في هذه التشكيلة ما يعكس رغبة بغداد في مناقشة كل اوجه الخلاف مع مجلس الامن، كما ان تصريحات وزير الخارجية العراقي قبيل مغادرته الى فيينا والتي اكد فيها ترابط تلك القضايا بما يستحيل فصلها عن بعض تؤكد ذلك. ويعتقد المراقبون ان بغداد ستتعاطى من قضية التفتيش بنحو ايجابي وعلى اساس المتحقق في القضايا الاخرى، وهذا يعني برأي المراقبين ان بغداد ستسعى لإسقاط الذرائع الاميركية بشأن امتلاك اسلحة دمار شامل، وان يتم الحل على اساس الصفقة الشاملة. على أية حال فإن الحديث عن نتائج حاسمة بين العراق والامم المتحدة في احدث جولة من الحوار بينهما سابق لأوانه ليس لأن الهوة بين موقفيهما شاسعة فحسب وتحتاج لتجسيرها جهودا عربية ودولية وروسية على وجه الخصوص لإنضاج ما ينشده المنصفون من حل، بل لأن الرياح الأميركية يمكن ان تعصف بالملف العراقي بعيدا حيث كل شيء قابل للتحقق. فالموقف الاميركي يتصاعد ضد العراق ويأخذ اتجاهات جديدة تهدف الى خلط الاوراق وحرف الحوار بين بغداد والامين العام عن مساره. ومن المفيد في هذا الصدد التنويه الى ان الاشارات القادمة من واشنطن والتي تتحدث عن ضربة عسكرية للعراق حتى في حال قبوله استئناف التفتيش تعني ان التيار المتشدد في الادارة الاميركية لا يعول على نتائج الحوار كثيرا بل انه لا يعتمد الحوار اسلوبا للحل اصلا. واذا كانت بغداد ترى في الحوار فرصة مناسبة لايجاد التسوية المنشودة فهي في ذات الوقت لم تسقط من حساباتها احتمالات المواجهة مع الولايات المتحدة، حيث تشير الدلائل على ان العراق تحسب لهذه المواجهة على جميع الأصعدة من خلال عملية الحشد الشعبي والعسكري في جميع الميادين لمواجهة أي احتمال قد يظهر في الميدان.