اجمع مثقفون من فصائل اليسار المصري المختلفة أن تيارهم السياسي يمر بأزمة طاحنة في مصر والعالم وأنه يبدأ القرن الجديد، وهو في أسوأ حالاته بعد فشله في التعاطي مع توابع انهيار الاتحاد السوفييتي والكتلة السياسية التي ارتبطت به، او في مواجهة التحديات ذات الايقاع السريع والتي احاطت به من كل جانب كما ظل اسير تناقض بين تنظيم مغلق وآخر مفتوح جاء ذلك في ندوة دعا اليها مركز البحوث العربية مؤخراً تحت عنوان «اليسار ومستقبل مصر» ورغم ان المحامي اليساري المعروف احمد نبيل الهلالي بدأها بالتأكيد على بقاء واستمرار الاشتراكية وقال ان الذين يحاولون ان يدفعوا بالماركسية الى سلة التاريخ سوف يكتشفون انهم هم الذين اصبحوا نفايات يجب القاؤها في سلة التاريخ، الا ان حسين عبدالرازق الامين العام المساعد لحزب التجمع ورئيس التحرير السابق لمجلته «اليسار» اكد ان اليسار كله يمر بازمة طاحنة سواء كان ذلك بالنسبة لأحزابه العلنية الممثلة في حزبي التجمع والناصري او تنظيماته السرية او الشخصيات اليسارية التي تعمل بشكل مستقل. وارجع عبدالرازق هذه الازمة الى عدة أسباب منها ما يخص كل تجمع او فرد او حزب على حدة ومنها اسباب عامة ذكر منها ان المجتمع المصري يتجه يمينا وتسيطر عليه تيارات الاسلام السياسي مؤكدا ان هذه حقيقة يجب ان يعترف بها اليساريون ويواجهونها. وأضاف ان من اسباب ازمة اليسار ايضا تراجع الحركة العمالية خاصة ذات الطابع السياسي منها وايضا الحركة الفلاحية والحركة الطلابية مشيرا الى ان تظاهرات الحركة الطلابية مؤخرا لدعم الشعب الفلسطيني لا يمكن اعتباره بمثابة عودة الحياة اليها. وحمل عبدالرازق اليساريين انفسهم جزءا كبيرا من المسئولية عن الازمة التي يمرون بها مدللا على ذلك بما اعتبره انقسام الحركة الشيوعية نفسها والمواقف العدائية اللا أخلاقية لبعض المنتسبين للحركة الشيوعية واحتفاء اي فصيل بالمعادين للفصيل الآخر الى جانب غياب الاجيال الجديدة وتكلس العضوية في الاحزاب اليسارية جميعا. وذهب الى ان من ضمن اسباب الازمة ايضا اقتراب بعض قوى اليسار من السلطة حيث لم تعد تشكل ـ للرأي العام اليساري على الأقل ـ مصداقية لليسار. ورغم ما ذهب اليه عبدالرازق من وصف لحال اليسار الا انه اكد انه لا مستقبل لمصر بدون اليسار مشيرا الى أهمية تحقيق الوحدة بين قوى اليسار. وأضاف انه رغم أهمية القضية الفلسطينية والعراقية والحركة المناهضة للعولمة الا ان اليسار ـ حسب قوله ـ لا يمكن ان يصبح قويا باهتمامه بالقضايا ذات الطابع الوطني والعام وانما يجب ان يهتم بالمشاكل الاقتصادية والاجتماعية وقضية الديمقراطية واسقاط الترسانة الضخمة من القوانين المقيدة للحريات. وذهب الدكتور انور مغيث استاذ الفلسفة بجامعة حلوان الى ان رهان الماركسية على الطبقة العاملة هو امر يحتاج لبعض التأمل والرصد مشيرا الى ان الاحزاب الشيوعية في العالم الآن لا تعول على الطبقة العاملة واوضح ان اعتماد الماركسية في البداية على الطبقة العاملة كان رؤية مناسبة للعمل السياسي وقتها، لكن هناك قوى اجتماعية جديدة يمكن الاعتماد عليها في الوقت الحالي غير الطبقة العاملة. وأضاف ان الحركات الاجتماعية الآن ليست بالضرورة حركة نضال طبقي ويجب ان يتعامل اليسار معها بمفهوم جديد. وحول علاقة اليسار بالفكر والتنوير دعا مغيث الى ما اسماه بعزل الفكر عن السياسة مشيرا الى مشكلة عانت منها الحركة اليسارية في مصر طوال تاريخها وهي انها كانت تخضع الفكر لمتطلبات العمل السياسي مؤكدا ان الفكر يجب ان تكون له جذريته التي لا ينبغي ان تحدها الظروف السياسية المحدودة. واشار المهندس احمد بهاء الدين شعبان مقرر لجنة المقاطعة الشعبية العربية الى ان الحركة اليسارية المصرية هي واحدة من اقدم الحركات السياسية في مصر حيث يعود تاريخ اول تنظيماتها المعلنة الى اوائل العشرينيات من هذا القرن وهو حزب الاشتراكية الذي نشأ في عام 1921م. وذهب شعبان الى انه رغم كل ذلك فان عوائد كل تضحيات اليسار المصري وجهود المنتمين الى صفوفه حتى الآن لا تتناسب بأي حال من الاحوال مع تاريخ حضوره السياسي على مدى ثمانين عاما كاملة وان الصورة لاتزال غير مرضية على الاطلاق حيث يبدأ اليسار قرنا جديدا وهو في اسوأ حالاته مهترئا، مشوه الملامح وفاقد للقدرة على تولي القيادة او حتى التأثير في الواقع. ووصف شعبان حال اليسار المصري حاليا بأن هناك يساريين ولكن لا توجد حركة منظمة لليسار او هناك من ينتمون لليسار ولكن لا توجد قوة يسارية مؤثرة تملك فرض جدول اعمالها وتصوراتها على الواقع حيث الفكر اليساري مشوش ولا توجد خطة مدروسة لترتيب البيت اليساري. وأضاف ان الحركة اليسارية المصرية مازالت تعيش ازمتها القديمة وتدور داخل دوامتها الموروثة وتحمل عللها المزمنة وأهمها الانقسامية والتشرذم والتفتت والتخوين وشخصية الخلافات وغيرها، مشيرا الى ان هناك جماعات كثيرة ادعت النطق باسم «اليسار المصري» او «الشيوعيين المصريين» او «اليساريين المصريين» وهي تفتقد الاهلية لهذا التمثيل ولا تملك الحد الأدنى حتى لجدارة القول به. واعتبر شعبان أن اليسار المصري كان على مر تاريخه دائما ما يقع اسير التناقض بين التنظيم المغلق المعزول من جهة او التنظيم المفتوح الضائع من جهة اخرى وانه لم يفلح ابدا في صياغة منظومة تنظيمية منسجمة ومتناغمة تعرف كيف تصيغ العلاقة بين العمل الخاص والعام وبين العمل الدعائي والعمل التحريضي او بين العمل العلني وغير العلني... الخ.وأضاف انه كان هناك دائما عجز يساري عن طرح منظومة برنامجية تؤثر وتعيش وتتطور وتنجز بالتراكم المستمر على مدى الاحقاب والسنين مؤكدا ان اخطر نقائص التجربة اليسارية تتمثل في غياب روح التجديد والعجز عن فتح الابواب امام الاجيال الجديدة حيث كافة الاشكال اليسارية في غربة حقيقية عن الاجيال الجديدة بما يعني ـ حسب وصفه ـ خيانة اليسار لنفسه وانغلابه على مفاهيمه وتخليه عن المستقبل لصالح ماض لن يعود ابدا. ورأى شعبان ان هناك عدة اسئلة يجب ان يبحث اليسار عن محاولة جادة للاجابة عليها وذكر منها تقويم اليسار الآن للقضية القومية وللقوى القومية العربية وطبيعة الصراع مع خصوم هذه الفكرة وهل يعتبر اليسار ان هناك امة عربية متحققة ام مازال على تشككه في هذا الامر؟ واضاف ان من الأسئلة ايضا موقف اليسار من الاسلام السياسي وما هو موقف اليسار العمل من الدين «الاسلامي بالذات» ومن الهجمة على الاسلام والمسلمين وخاصة بعد 11 سبتمبر وما هو تقويم اليسار لقوى الاسلام السياسي وهل هو العداء المطلق ام ان هناك امكانية لتطوير مواقف شرائح من هذه التيارات والتفاعل معها او حتى التحالف معها من مواجهة الهجمة الامبريالية الحالية. واستطرد ان هناك اسئلة اخرى تحتاج الاجابة مثل موقف اليسار من قضايا الصراع العربي الصهيوني والموقف من العولمة والثورة التكنولوجية الحالية والتحولات الاجتماعية وحركة المجتمع المدني. وخلص شعبان الى الدعوة الى الاعداد لعقد مؤتمر وطني شامل لليساريين المصريين تحت شعار محدد واحد هو اعادة بناء الحركة اليسارية المصرية. وأشار فاروق العشري أمين التثقيف بالحزب العربي الناصري الى ان الفصيل الناصري هو الوحيد الذي يعترف بالماركسية كأيديولوجية لها وجود وفكر سياسي متسائلا عما اذا كان يمكن للماركسية ان تنظر للناصرية ايضا باعتبارها ايديولوجية تلتقي معها من عدة امور من بينها الاستغلال والتخطيط الاشتراكي والعدالة الاجتماعية. ودعا العشري الى جبهة قوية لليسار تحترم الايديولوجيات وتتعامل معها في قضايا مثل قضية فلسطين والعولمة والنهب الاستعماري الجديد.