رغم صمت دمشق رسميا عن مقررات المؤتمر الماروني العالمي الذي انعقد في مدينة لوس انجلوس، فان ما يمكن ان يثير قلق سوريا، هو الترابط ما بين قرارات المؤتمر وبين مشروع قانون محاسبة، سوريا المطروح في الكونغرس الاميركي، اذ تبنى المؤتمر بالأغلبية ما ورد في مشروع القانون من فرض عقوبات اقتصادية وسياسية على سوريا لدعمها حزب الله والمنظمات «الارهابية» الفلسطينية، و«احتلالها» لبنان، الى آخر ما ورد في مشروع القانون، وهو ما يمكن ان يستثمره صقور الادارة والكونغرس في مزيد من الضغط على سوريا، التي طالبها بوش في خطابه الاخير بتحديد موقفها النهائي من «الارهاب» على قاعدة «اما معي او ضدي»، و«ان تأخذ جانب الحق في الحرب على الإرهاب، بالقيام بإغلاق معسكرات الارهابيين وطرد المنظمات الارهابية» «فضلا عن مطالبته سوريا ضمنيا في سياق مطالبة أشمل للدول العربية بإنهاء «التحريض على العنف في الاعلام الرسمي، والادانة العملية للتفجيرات القاتلة» و«الالتزام بإيقاف تدفق الاموال والمعدات وعمليات التجنيد في الجماعات الارهابية الساعية لتدمير اسرائيل، بما في ذلك حماس والجهاد وحزب الله» و«معارضة الانظمة التي تشجع الارهاب مثل العراق»، الامر الذي ينطبق حرفيا على المواقف السورية في كل ما ذكره بوش. وربما يمكن الذهاب حتى الى حد القول انه لا جديد في قرارات المؤتمر التي تمثل المواقف التقليدية للمعارضة المارونية اللبنانية، بل يمكن حتى تقبل نفي شبهة «المؤامرة» عنه، انطلاقا من ان الانسحاب السوري من لبنان ليس ضمن اجندة مطالب الادارة من سوريا، مع رغبتها ان ترى السوريين خارج لبنان بأسرع وقت ممكن، واليوم قبل غد. ويمكن حتى تفهم دعم المؤتمر «لجهود الولايات المتحدة الاميركية في محاربة الارهاب في كل انحاء العالم» ورفض «الارهاب بكل أشكاله وسيلة لتحقيق الأهداف السياسية» غير ان التطابق شبه الحرفي بين قرارات المؤتمر وبين شروط شارون على سوريا لقبول مشاركتها في المؤتمر الاقليمي، يثير قلقا جديا من تواطؤ «غرفة خضراء» في قيادة المؤتمر مع اللوبي اليهودي الاميركي وتيار المحافظين الجدد الذي يقف خلف مشروع قانون محاسبة سوريا. فلقد تضمنت قرارات المؤتمر كل شروط شارون بلغة مارونية، ومن المفترض بغرفته الخضراء ان تتابع تنفيذ قراراته مع جماعة القانون في الكونغرس. والمثير ان وفد لقاء قرنة شهوان الذي يدرك دون ريب وجود مثل هذه العلاقات ما بين أطراف الغرفة الخضراء واللوبي اليهودي وأنصاره في الكونغرس، قد شارك في المؤتمر لكنه لم يشارك بتحضير جدول اعماله، مما أعطى المتشددين المغتربين فرصة التحكم بصياغة قرارات المؤتمر. ان ما يلزم لقاء قمة شهوان هو قراراته وليس قرارات المؤتمر، غير ان مشاركته في «دبكة» تنطوي على تطابق مقلق ما بين قراراتها وبين شروط شارون الثمانية، واستعداد لجنة المؤتمر للتنسيق مع جماعة قانون محاسبة سوريا في الكونغرس، ينطوي على خطورة حقيقية، ليس اللقاء بحاجة لها. ما أسهل رمي شبهات «العمالة» لكن ما أسذج تصور «البراءة»، ويعني ذلك ان هناك بكل تأكيد أطرافا مارونية مسيطرة على «الغرفة الخضراء» للمؤتمر، ستحاول كل ما في وسعها ادراج المعارضة المارونية ـ التي تمثل فريقا من الموارنة وليس كل الموارنة ـ في سياسات اقليمية ـ دولية معادية ليس لسوريا وحسب بل للبنان ايضا، اثبتت التجربة انها لا تخدم اللاعبين الصغار بل السادة الكبار، وبالتالي فإنها تكشف عن وهم اكثر مما تعبر عن انجاز محتمل. لقد حرص السفير الاميركي في لبنان فنسنت باتل على تجنب الاجابة عن سؤال وجه له عن المؤتمر، بأنه مرتاح للهدوء في الجنوب، مع أنه معروف بتعليقه على الشاردة والواردة بدءا من قرارات الخصخصة، الى مستوى تربية الأبقار «هذا ليس على سبيل السخرية بل ما تم بالفعل». غير ان المشكلة ليست هنا في لعبة الوهم والخديعة، بل في لعبة السياسات المقصودة. لا يملك احد حق تخوين احد، لكن كل اولئك السوريين واللبنانيين الذين ينطلقون من مفهوم وطني للمعارضة، بمن فيهم اكثر المعارضين راديكالية للسلطة في دمشق او بيروت، لا يستطيعون الا ان يسائلوا جماعة المؤتمر وجماعة لقاء شهوان، عن سر هذا التطابق التام، الى درجة شبه حرفية، ما بين قرارات المؤتمر وشروط شارون، ثم ما بين هذه القرارات وذرائع جماعة قانون محاسبة سوريا في الكونغرس، والذين ليسوا الا جماعة اللوبي اليهودي الاميركي. ان سوريا مقبلة على مرحلة تزايد وتكثف الضغوط الاميركية عليها، وهي مستعدة لمقاومة هذه الضغوط كما نسب في حوار شفهي الى الرئيس بشار الاسد للخيارات والاضطرارات الاشد سوءا، بما في ذلك «ان تقفل بابها» عليها. غير ان هذا الاحتمال على وجه التحديد هو ما يتطلب الاستمرار الواثق في سياسة الاصلاحات «المجمدة»، التي تماسس تحول سوريا الى دولة الحق والقانون، وتعميق قنوات الحوار الوطني مع اصحاب الرأي الآخر، ومدخلها الاساسي «تبييض السجون» والافراج عن كافة المعتقلين السياسيين ومعتقلي الرأي والضمير، بمن فيهم النشطاء العشرة، وشيخ المعارضين السوريين رياض الترك. ان سوريا بحاجة الى كل ابنائها، كما ان كل ابنائها بحاجة اليها. ومن يصنع ديمقراطية السوريين هم السوريون انفسهم.