توصيات «المؤتمر الماروني العالمي» الذي انعقد في لوس انجلوس منذ ايام ما زالت تتردد صداها في بيروت، وسبب هذه الضجة ان هذا المؤتمر خرج عن مسلمات وثيقة الوفاق الوطني التي انهت حرب لبنان، وعن بعض الثوابت المتفق عليها وطنياً. فمن مسلمات وثيقة الوفاق الوطني ان سوريا هي صديقة واسرائيل هي عدوة، وان ما بين لبنان وسوريا علاقات مميزة، وان الوجود العسكري السوري في لبنان هو لمساعدة الشرعية على بسط سلطتها على كامل الاراضي اللبنانية على ان تعيد تمركز قواتها خلال سنتين. اما توصيات لوس انجلوس فأعلنت بأن الوجود العسكري السوري في لبنان يشكل «هيمنة سياسية واقتصادية وعسكرية»، وان المؤتمر الماروني يؤيد «مشروع مسئولية سوريا لعام 2002» الذي تقدم به اللوبي الصهيوني الى مجلس النواب والشيوخ الاميركيين بغية انزال العقوبات بسوريا. صحيح ان دمشق تأخرت في اعادة تمركز قواتها في لبنان، ولم تنفذ هذا الأمر الا بعد الانسحاب الاسرائيلي، اي بعد عشر سنوات بدل السنتين. وصحيح ان سوريا تتدخل في الشئون اللبنانية، لاسيما الشئون الامنية منها. غير ان الصحيح ايضا ان سوريا تشكل عامل استقرار داخلي، ولا مصلحة للبنانيين وبالتحديد الموارنة بأن يخاصموا سوريا في وقت تضغط عليها واشنطن، فيبدو التحرك الماروني من المنظار السوري مشبوها. ان يكون الموارنة مع الولايات المتحدة ضد سوريا امر غير مقبول من منظار دمشق، والادهى ان يكونوا مع اسرائيل فقد وضع المؤتمر نفسه في موضع الاتهام حين أيد مشروع العقوبات ضد سوريا الذي تحركه مباشرة اسرائيل. وقد علمتنا تجربة الربع قرن الاخير ان سوريا المحشورة اميركيا او غربيا تتشدد لبنانيا ولا تتهاون مع أي من الحركات المناهضة لها، وهذا هو حالها في الوقت الراهن. كما تعلمنا بأن دمشق مستعدة للتفاوض حول كل المواضيع باستثناء موضوع العلاقة مع اسرائيل: فكل لبناني يتعامل مع اسرائيل ترى فيه سوريا عدواً، وكل لبناني يعادي اسرائيل ترى فيه صديقاً. والى جانب الخروج عن مسلمات وثيقة الوفاق الوطني، خرج المؤتمر الماروني عن بعض الثوابت التي التقى حولها اللبنانيون، او معظمهم، ومنها عدم الخلط بين الارهاب والمقاومة، فأدانوا كل أشكال الارهاب، لكنهم ساندوا المنظمات اللبنانية والفلسطينية المقاومة للاحتلال الاسرائيلي. وجاء «المؤتمر الماروني العالمي» ليخلط بين الارهاب والمقاومة وفق ما تقوله واشنطن. وفي اعتقاد المؤتمرين ان هذا الموقف يلقى تأييداً من الادارة الاميركية التي يمكنها ان تعمل في المقابل على تدعيم النفوذ الماروني في لبنان. غير ان ما تناساه المؤتمرون انه في كل مرة اختلفت واشنطن مع دمشق، لجأت الاولى الى استخدام الموارنة للضغط على الثانية. ولحظة ما تتوصل الولايات المتحدة الى تسوية مع سوريا تتخلى عن الموارنة وتتركهم لمصيرهم. وهذا يعني ان سوريا تحرص على كل الموارنة الذي يتحالفون معها وتضمن لهم مواقعهم ومصالحهم في لبنان، في حين ان الولايات المتحدة ترمي الى الاتفاق مع سوريا، ولا تعير الموارنة الذين يتحالفون معها اي اعتبار. وارى بكل صراحة وبساطة بأن توصيات «المؤتمر الماروني العالمي» لم تفد الموارنة، بل احرجتهم، واحرجت حتى الفئة المعارضة منهم الذين شاركوا في لقاء لوس انجلوس، وابرزت فيهم صورة متطرفة لا تخدمهم، من حظ الموارنة ان هذا المؤتمر لم يجمع كل الموارنة، بل جمع فئة محدودة ومعينة منهم. ليت الموارنة يدركون ان ديمومتهم مرتبطة بقدرتهم على قيادة باقي المسيحيين في لبنان، وان دورهم هو في مدى استعدادهم للتعايش مع المسلمين، وان قدرهم ان ينفتحوا على العرب ويحملوا قضاياهم وهمومهم. فلا مستقبل للموارنة في لبنان اذا لم يختطوا لهم سياسة عربية بالتنسيق مع سوريا. ومن دون التعايش مع المسلمين والانفتاح على العرب، يبقى المستقبل الماروني غامضا، واذا ما انتصر التطرف على الاعتدال يمسي المصير الماروني قاتماً.