كان من أهم تداعيات أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 بروز البعد الثقافي في التفاعلات والعلاقات الدولية بصفة عامة وفي علاقات الغرب والمسلمين بصفة خاصة والولايات المتحدة والسعودية بصفة أخص. وقد تبلور ظهور البعد الثقافي في العلاقة بين الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية على أكثر من مستوى، فمن ناحية سمحت أحداث الحادي عشر من سبتمبر للبعض (خاصة من خلال الحملة الإعلامية الأميركية التي تم توجيهها ضد المملكة) بأن يربط بين الوهابية كمذهب ديني والتطرف الديني وعدم التسامح من جهة، وبين التطرف والإرهاب من جهة أخرى. وهذا يعني من وجهة نظرهم أن بذور الإرهاب توجد في تعاليم الوهابية، وبما أن المملكة تعتز بتمسكها بأسس دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب فقد وجد البعض في ذلك فرصة لربط المنهج الإسلامي في المملكة بالإرهاب. لعبت النخبة الثقافية وقادة الرأي العام في الجانبين دورًا مهمًا في إدارة التفاعلات الثقافية بين السعودية والولايات المتحدة بعد أحداث 11من سبتمبر، وقد ظهرت هذه الحقيقة على أرض الواقع أكثر من مرة، ومن أهم ما برز في هذا الإطار: - مقال المحلل الأميركي المعروف توماس فريدمان في صحيفة النيويورك تايمز في 12ديسمبر 2001 تحت عنوان «حضرة العربية السعودية» أو Dear Saudi Arabia والذي جاء في صورة مذكرة من الرئيس الأميركي جورج بوش إلى صالح آل الشيخ وزير الشئون الإسلامية في المملكة العربية السعودية باعتباره الوزير الذي قد يحتاج الأميركيون للتعامل معه بعد أحداث 11من سبتمبر، ورغم أن فريدمان أكد من خلال مقاله أن الولايات المتحدة لا تستطيع التعامل مع الإسلام الراديكالي دون عون المملكة العربية السعودية نظرًا لاحتضانها للمقدسات الإسلامية ولموقعها القيادي في العالم الإسلامي، فإنه أكد كذلك أنه بعد الحادي عشر من سبتمبر أصبح الأميركيون يخشون من مدارس المسلمين والمدارس الإسلامية في السعودية وكذلك المؤسسات الخيرية لدى السعودية وتلك التي حمل جنسيتها. ورفضت الرسالة الرئاسية المتصورة إلى وزير الشئون الإسلامية السعودي تطلب منه تعليم النشء في السعودية التسامح الديني ونشر الإسلام بأسلوب سلمي. - بيان المثقفين الأميركيين والذي يحمل عنوان «علي أي أساس نقاتل»، حيث وقع أكثر من ستين مثقفًا أميركيًا بيانًا ينتهي إلى تقديم المبررات القانونية والأخلاقية لتلك الحرب انطلاقًا مما يسميه البيان «الحرب العادلة» ويقول انه «باسم الأخلاقية الإنسانية، وبوعي تام بمفهوم القيود التي يفرضها مفهوم الحرب العادلة، نعلن دعمنا لقرار حكومتنا ومجتمعنا لاستخدام قوة السلاح ضدهم (جماعة منظمة القاعدة التي نفذت هجمات 11من سبتمبر). وقد أثار بيان المثقفين الأميركيين جدلاً واسع النطاق فعلى حين اعتبر البعض أن البيان يعبر عن المأزق الذي دائمًا ما يجد المثقف فيه نفسه وهو مأزق يتمثل في معادلة تحاول الجمع بين طرفين يصعب الجمع بينهما وهما ضرورات الموقف الإنساني الأخلاقي للمثقف، وضرورات المصلحة السياسية والهوية الوطنية، واعتبر آخرون أن للبيان عدة إيجابيات فقد ابتعد عن أطروحات الشوفينية الوطنية على الأقل بشكل سافر، كما أنه كان عادلاً في الموقف الذي اتخذه من الإسلام والمسلمين. - إصدار المثقفين السعوديين بيانًا مقابلاً لبيان المثقفين الأميركيين، حيث وقع أكثر من 150 سعوديًا يمثلون نخبًا ثقافية من الجنسين يتقدمهم القضاة ورجال الدين وأعضاء في مجلس الشورى ومثقفون ورجال أعمال بيانًا يحمل عنوان على أي أساس نتعايش، وهذا البيان يؤسس للقيم الإسلامية الراسخة التي تحكم علاقة المسلمين بغيرهم، ويحلل أحداث سبتمبر 2001 رافضًا الاستنتاج السريع حول دوافع المنفذين متسائلاً لماذا لم يختر المنفذون بلدًا آخر غير الولايات المتحدة ممن يتبنى القيم الغربية نفسها كالمجتمعات الوثنية في آسيا وأفريقيا؟ ولماذا لا يفترض العالم أن المنفذين يشعرون بشيء من المبررات الذاتية التي صنعتها الولايات المتحدة في مناطق متعددة من العالم، كما أشار إلى أن قيام إسرائيل وهيمنتها بدعم من الدول الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة. واتهم البيان الولايات المتحدة الأميركية بأنها من أكثر الدول مخالفة لقيم العدل والحق وغايات المؤسسات الدولية مثل الأمم المتحدة رغم انها عضو مؤسس لها وهذا ما يظهر في وقوف واشنطن الدائم مع الاحتلال الصهيوني لأرض فلسطين وتقديم الدعم العسكري لإسرائيل، كما اعتبر البيان أن العلمانية خيار لا يمكن قبوله في العالم الإسلامي لأنه خيار يحرم أفراده من حقهم في تطبيق أحكام حياتهم العامة وإذا كان يحمي الأقلية فهو يصادر حق الأكثرية. من ناحية أخرى نفى البيان ربط التطرف بالمفهوم الديني مؤكدًا وجود أشكال من التطرف السياسي والاقتصادي والإعلامي يفترض أن تحظى بالاهتمام نفسه، كما دعا الغرب إلى انفتاح جاد على الإسلام وقراءة مشاريعه والتعامل بهدوء مع الواقع الإسلامي. وخلص البيان إلى أن افتعال الصراع لا يصنع الأفضل وأن استخدام القوة لا يعطي ضمانًا صادقًا للمستقبل ولهذا فلابد من إيجاد مسافة أوسع للحوار كبديل للغة العنف والتدمير. وكما أثار البيان الأميركي جدلاً فقد أثار البيان الذي أصدره المثقفون السعوديون اهتمام المثقفين في العالم العربي الذين اعتبروه حدثًا ثقافيًا مثيرًا ومنعطفًا لافتًا للانتباه خاصة في أعقاب ما نُشر عن انسحاب ثلاثة من الموقعين على البيان والإعلان عن رجوعهم عما تضمنه البيان الأول وقد أصدر هؤلاء الثلاثة بيانًا خاصاً بهم ضم اثنتي عشرة نقطة تنتقد كل ما ورد في بيان المثقفين السعوديين وهو ما يعني تراجع هؤلاء الثلاثة كليًا عنه، حيث امتلأ بيان الثلاثة بمصطلحات الولاء والبراء والقتال والسيف والكفر وأداء الجزية وغيرها. وفي محاولة من البعض لتفسير مواقف المتراجعين عن بيان المثقفين تمت الإشارة إلى احتمالات ثلاثة: 1- انهم وقعوا تحت ضغط من طلابهم ومشايخهم الذين يشكلون ثقلاً لا يمكن الوقوف في وجهه. 2- تراجعهم لا يعود إلى وقوعهم تحت ضغط بل جاء نتيجة لاكتشافهم أن موقفهم قوبل بالعداء من التيار الذي ينتمون إليه ومن المؤكد أن هذا العداء سوف يفقدهم ما كان لهم من منزلة فيه. 3- انهم اكتشفوا بأنفسهم أن ما أقدموا عليه ليس صحيحًا وبدلاً من التمادي فيما يخالف قناعاتهم اختاروا أن يتخلوا عن البيان. وبعيدًا عن المنسحبين من البيان دار الجدل حول بيان المثقفين السعوديين بين اتجاهين أحدهما يوجه انتقادات كثيرة للبيان والآخر يقبله معتبرًا انه مؤشر إيجابي: أ- الفريق الناقد للبيان: يرتبط موقف أنصار هذا الاتجاه (في معظمه) برؤيتهم للأشخاص الموقعين على بيان المثقفين السعوديين، حيث اعتبر البعض أن ما ورد من أفكار في هذا البيان تتناقض مع أفكار طرحتها ومازالت تطرحها أسماء كثيرة من الموقعين على البيان، كما شكك البعض بجدية المثقفين الذين أصدروا البيان في رفضهم لخطاب التطرف وإقصاء الآخرين، واعتبر آخرون أن هذا الموقف يبقى وجيهًا طالما استمر بعضهم يعتبر أن سلوكه السابق على إصدار البيان مرحلة فكرية جرى إعادة صوغها عوضا عن الاعتذار عنها وكشف خطورتها وتلافي تأثيرها على جيل كامل من الشباب. ويمكن الإشارة إلى أهم الانتقادات التي وجهت للبيان على النحو التالي: - أن البيان يفترض التحدث باسم المثقفين السعوديين ومع ذلك لم توقع عليه أسماء بارزة ومعروفة في الثقافة السعودية وهي في معظمها أسماء لا تنتمي إلى التيار الذي يرفع الشعار الاسلامي، وفي هذا الإطار تتم الإشارة أيضًا إلى أن معظم الموقعين على البيان ينتمون لتيار معين وفي ذلك إقصاء لباقي التيارات وهذا ما يخرج البيان عن صفة البيان الوطني ومعبرًا عن الوحدة الوطنية. وفي السياق نفسه أيضًا يشير البعض إلى خلو قائمة الموقعين على البيان من اسم أي مثقف أو شيعي أيا كانت اتجاهاته الفكرية. - من ناحية أخرى اعترض البعض على توجيه البيان خصيصًا لعقل المثقف الأميركي، متسائلين عن الأسباب التي دفعت لذلك على اعتبار أن الداخل أحوج لذلك، وفي الإطار نفسه أيضًا اعترض البعض على كون البيان جاء كرد فعل على البيان الأميركي وليس كفعل مستقل بذاته مما يعني افتقاد المثقفين السعوديين لروح المبادرة في التعامل مع الآخر. - كما تساءل آخرون عن مدى تعبير البيان عن الثقافة المجتمعية الحقيقية التي تحكم سلوك ونظرة تيارات عريضة في المجتمع السعودي مؤكدين أن هناك خلطاً في البيان بين قيم الإسلام السامية من حب وتسامح وتلك القيم العنيفة والرافضة لأي نوع من العلاقات السلمية مع الآخر (الخارجي والمحلي) والتي يحاول البعض أن يجعلها كل الإسلام بانتقائية واعية أو غير واعية وهي التي تحكم سلوك الكثيرين في المجتمع السعودي على حد تعبير أنصار هذا الفريق. - اعتبر آخرون أن البيان فضفاضي استرضائي مبني على تحسين الذات وليس على إظهار قبح الخصم، كما اتهمت بعض الأوساط البيان بأنه نوع من الحديث الوسطي تم فيه التخلي عن أسس دينية خاصة كالولاء والبراء مقابل إتاحة الفرصة للحوار مع الآخر. ب- الاتجاه المرحب بالبيان: من أهم المزايا التي يتمتع بها البيان وفقًا لرواد هذا الاتجاه هي: - وجود أسماء نسائية ضمن الموقعين وهذه نقطة إيجابية جديرة بالإعجاب والإبراز، حيث تعبر عن موقف حضاري أصيل لمعدي البيان تجاه المرأة. - فتح باب الحوار حول تغيير بعض المثقفين والمفكرين لمواقفهم مع تسليم البعض بإيجابية هذا التصرف في هذه الظروف وتأثيره على المصلحة الوطنية. كما اعتبر البعض أن النقاشات التي دارت حول البيان أظهرت أن الصورة الجاهزة والمعلبة في أذهان بعض الأطراف الغربية والتي تصور المجتمع السعودي وكأنه مجتمع منعزل غير صحيحة، فالحوار السعودي كان تعريه لهذا المفهوم الأحادي الجانب الذي لا يرى من الصورة العامة إلا زاوية صغيرة من زواياها. كما أثبت الحوار أن هناك اجتهادًا داخل المجتمع السعودي يمثل مزيجًا من التمسك بالثوابت الوطنية والشرعية من جهة أخرى، وأن هذا الاتجاه لا يمكن الاستهانة به وهو يمثل شرائح من المتعلمين والطبقة الوسطى والمتنورين من كل الطبقات الاجتماعية. ويؤكد أنصار هذا الاتجاه أن الحوارات التي أثارها بيان المثقفين السعوديين أثبتت أن دنيا الحياة الفكرية في المجتمع السعودي بخير وأن المجتمع السعودي لا يمكن له إلا أن يكون مجتمعًا محافظًا دون تزمت ومنفتحًا من دون تطرف. - أشاد آخرون بما فتحه البيان من قنوات للحوار الفكري المباشر مع المثقفين الغربيين، حيث يفسح المجال لتعريفهم بشرائع الإسلام وشرح قضايا المسلمين ومنطلقاتهم. وأن البيان كان هدفه الحوار والإقناع وليس مجرد الرد والمخاصمة، ولذا فقد انتهج العقلانية الهادئة في الحوار بأسلوب المحاور الواثق، كما انه انطلق من الأسس المشتركة بين الرسالات السماوية والمسلمات الأخلاقية عند عقلاء البشر، كما أن البيان لا يعني إلغاء أو مصادرة أي رد يتضمن منهجية أخرى للقيام بنفس هدفه. - وأكد أحد الخبراء أن البيان يتعدى المألوف إلى تأكيد الاتهامات للولايات المتحدة بالكيل بمكيالين وبتحفيز العالم ضد الإسلام وتجاهل المسببات الحقيقية وراء الاعتداءات الإرهابية.