يبدو ان صدمة سبتمبر اصابت العقل المركزي الاميركي بلوثة شديدة هذه اللوثة جعلته غير قادر على الرؤية.. غير قادر على التمييز بين الاشياء.. يخلط بين المفاهيم والأفكار وحتى الالفاظ. جرثومة هذه اللوثة كانت موجودة منذ زمن طويل.. لكن الأزمات الكبرى، اما ان تخرج اسوأ ما في الاشخاص او افضل ما فيهم وكذلك تفعل بالدول. هناك تقرير سري رفع الى قيادة القوة النووية يقول التقرير اننا في حاجة الى قيادات تبدو غير قادرة على ضبط اعصابها.. قيادات على درجة ما من الجنون حتى تفلح في الردع. وفي ادبيات متفرقة اعتبر قياديون اميركيون ان حقوق الانسان هراء.. وكذلك تقرير المصير.. والدفاع عن الديمقراطية وأشياء اخرى كثيرة. منطق القوة غير العاقلة وغير العادلة هو الذي يحكم.. ذات مرة قال كيسنجر: «يستطيع القوي ان يكذب دون ان يكذبه احد». اما الشعوب المستضعفة فعليها ان تفقد انسانيتها وترضى بوجود بيولوجي بائس يؤمن استقرار المحتل ويشيد بفضائله. يلاحظ المفكر المصري المستشار طارق البشري انه مع الدفقات الاعلامية والفكرية والسياسية التي راج بها مفهوم العولمة انطمس في المقابل مبدآن دوليان جوهريان هما حق الشعوب في تقرير مصيرها، ومبدأ عدم التدخل في الشئون الداخلية للدول يواصل البشري القول «صرنا لانكاد نرى او نسمع ايا من هاتين العبارتين في السنوات العشر الاخيرة رغم انهما كانتا تملآن اسماعنا وابصارنا لعشرات السنين منذ بداية القرن العشرين. خطاب الرئيس جورج بوش الذي انتظره العرب طويلا.. وفاوضوا من أجله كل اركان الادارة الاميركية يظهر ايضا ان هذين المبدأين قد اغتيلا في وضح النهار فالشعوب العربية ليس لها حق في ان تختار بين التطبيع مع اسرائيل وبين عدمه والدول ليس لها مهرب ثالث من خيارين، اما تبني خطة بوش السلامية «رغم انه لا وجود لخطة من اي نوع.. وليس هناك ما يبشر بوجود صانع سلام واحد في الادارتين الاميركية والاسرائيلية»، واما الانضمام الى محور الشر.. ذلك السرداب المظلم الذي يفتح ابوابه من جديد وينشر ارضه وكأنها حدائق الشيطان. في احد الافلام العربية المنتجة خلال الاربعينيات قالت احدى بطلات التراجيديا.. ان المجني عليه صفح والجاني لم يصفح.. وهذه العبارة تصدق على الصراع العربي الاسرائيلي وتصدق على التدخلات الاميركية المريبة لاقرار تسويات لا تنهض على أقدام. فبعد ان صفح العرب المجني عليهم والمحتلة ارضهم ورضوا بعودة اسرائيل لحدود 4 يونيو عام 67 مقابل التطبيع الكامل.. لم يصفح الجاني وقام بحملة ارهابية استهدفت العودة بالفلسطينيين الى المربع صفر.. حيث المجازر والمعازل والاعتقالات والاذلال والادارة المدنية. الجاني الاميركي لم يصفح هو الآخر.. وانما طالب بانصياع تام لخطته دون مناقشة وانصياع تام لرغبته في قيام الدول العربية باقامة علاقات مع اسرائيل حتى قبل ان تبدأ المفاوضات. فيما يخص الفلسطينيين طالبهم بوش بوقف الانتفاضة الباسلة والعمليات المسلحة وتغيير قياداتهم.. وربما يتذكر بوش في وقت لاحق مطلبا اضافيا يتمثل في تغيير دماء الفلسطينيين حتى يحصلوا على صك براءة من الارهاب ويكونوا اهلا لان يعيشوا في دولة شكلية يرتبط حبلها السري باسرائيل. اتصور ان انتخابات حرة وتحت اشراف دولي يمكن ان تجرى للفلسطينيين في الاراضي العربية المحتلة لن تخرج عن خيارين عرفات او احد زعماء حماس، اما الخيار اللحدي الذي حاولت اميركا واسرائيل ان تصنعاه دون جدوى على امتداد سنوات طويلة فهو مجرد اضغاث احلام. نحن نعتبر ان عرفات قدم تنازلات كثيرة وسار على جسر الاستربتيز قدر ما يمكن لاي قائد وطني صاحب ضمير ان يسير عليه.. لكن اسرائيل واميركا تريدان اكثر واكثر واكثر.. تريدان قائدا وزعيما تنتخبانه ولا ينتخبه الشعب.. يعمل لمصالحهماً وليس لمصالح شعبه.. فيشي جديد.. او لحد يتم استنساخه.. ولتذهب اماني الشعوب وتطلعاتها الى الجحيم.. يبدو فعلا ان سبتمبر وما جرى فيه قد ألغى في الأذهان الاميركية الفوارق ما بين القيادة والقوادة. ومن حيث شاء الاميركيون ان يتوصلوا الى سلام.. يبدو انهم يقودون المنطقة الى جحيم.. سيحرق مصالحهم اول ما يحرق. حينما اراد كارل ماركس ان يحرض الطبقة العاملة ضد ذوي السطوة والنفوذ والسلطان والمال والجاه والسلاح قال للعمال: انه ليس لديهم ما يفقدونه الا القيود. الفلسطينيون ايضا ليس لديهم ما يفقدونه غير ذلك ولن تجدي محاولات استنساخ قيادات لا تستجيب للتطلعات ولا محاولات الضغط على القادة العرب حتى يضغطوا بكل وسائلهم على أعصاب الشعب الفلسطيني. فاما استقلال كامل.. واما استشهاد كامل.. هكذا يضعنا بوش امام خيار طارق بن زياد الذي احرق سفنه ذات يوم.. بوش اليوم هو الذي يحرقها بالنيابة عن طارق بن زياد وعنا. م. ش